أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: إعادة التفكير في مفهوم الكونية
من المركزية الغربية إلى التعددية الفلسفية
يحتل مفهوم الكونية موقعا مركزيا في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين العقل والتاريخ، وبين القيم والسياقات الحضارية. غير أن هذا المفهوم على ما ينطوي عليه من وعد إنساني شامل، لم يتبلور في فراغ نظري محايد، بل تشكّل داخل شروط تاريخية مخصوصة، تداخل فيها المعرفي بالسياسي، والفلسفي بالإمبراطوري، فغدا الكوني في كثير من صيغه، تعبيرا عن تمركز حضاري أكثر مما هو أفق مشترك للإنسانية. وهكذا ارتبطت الكونية الحديثة بسردية التقدم الأوروبي، وبنزعة تعميم تجربة ثقافية بعينها، حتى أصبحت معيارا تُقاس به باقي التجارب، ويُعاد ترتيب العالم وفق منطق المركز والهامش.
لقد أفضى هذا التمفصل بين الكوني والقوة إلى إنتاج خطاب فلسفي يدّعي الشمول، بينما يستبطن آليات إقصاء صامتة، ويُخفي خلف تجريده الميتافيزيقي تاريخا من الهيمنة الرمزية. وقد كشفت التحليلات النقدية المعاصرة لدى ميشيل فوكو، عن ارتباط أنظمة الحقيقة ببنيات السلطة، فيما أبرز جاك دريدا الطابع الميتافيزيقي لكل مركز يدّعي الاكتمال، وأظهر إدوارد سعيد كيف تشكّل تمثيل الآخر داخل خطاب يدّعي الموضوعية والكونية، بينما يعيد إنتاج علاقات السيطرة. وتدل هذه المقاربات مجتمعة على أن الكوني ليس حقيقة فوق تاريخية، بل بناء ثقافي قابل للمساءلة ومشروط بسياقات إنتاجه.
غير أن نقد الكونية الغربية على أهميته، لا يستنفد الرهان الفلسفي الراهن. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تفكيك المركزية الأوروبية، بل يتجه نحو استكشاف إمكان تأسيس كونية أخرى، كونية تعددية، حوارية، مفتوحة على اختلاف التجارب الإنسانية، وقائمة على الاعتراف المتبادل بدل التماثل القسري. كونية تُصاغ عبر الترجمة الثقافية، وتتغذى من تفاعل العقلانيات، وتستوعب التعدد اللغوي والرمزي، دون الوقوع في نسبوية مفرغة من المعايير أو في شمولية جديدة مقنّعة.
يسعى هذا المقال إلى إعادة التفكير في مفهوم الكونية من خلال تتبع تحوّلاته الفلسفية، وكشف ارتباطاته التاريخية بالمركزية الغربية، ثم الانفتاح على بدائل نظرية تستلهم الفكر النقدي المعاصر، والحكم غير الغربية، وإسهامات الفلسفات العربية والإسلامية الحديثة. وهو بذلك محاولة لإعادة وصل الكوني بالمحلي، والفلسفي بالسياسي، والمعرفي بالأخلاقي، انطلاقا من قناعة مفادها أن الكونية ليست نقطة بداية جاهزة، بل أفق يُبنى، وأن الحقيقة لا تُفرض، بل تتشكل داخل فضاء الحوار، وأن الإنسان لا يكتمل إلا في علاقة حية مع الآخر.
لم يكن مفهوم الكونية منذ تبلوره في الفكر الحديث، مجرد فكرة تجريدية محايدة، بل كان دوما مشدودا إلى تاريخ القوة ومشبوعا بسرديات التفوق، ومحمولا على أكتاف مشروع حضاري بعينه. فالكوني كما تشكّل في الوعي الأوروبي الحديث لم ينبثق من فراغ معرفي خالص، بل وُلد في أحضان التوسع الإمبراطوري، ونما في سياق تشكّل الدولة القومية، وتغذّى من مركزية العقل الأداتي، حتى صار في كثير من تجلياته ـ اسما آخر للهيمنة الرمزية، وقناعا فلسفيا للسيطرة الثقافية.
لقد اقترنت الكونية في صيغتها الغربية الكلاسيكية، بادّعاء امتلاك الحقيقة الإنسانية العامة، وبالزعم أن النموذج الأوروبي في العقلانية والسياسة والأخلاق هو التعبير الأرقى عن ماهية الإنسان. ومن هنا لم تعد الكونية أفقا مفتوحا للاختلاف، بل تحوّلت إلى معيار تقويمي تُقاس به باقي الثقافات، وتُرتّب وفقه الحضارات في سلم التقدم والتأخر.
يكفي أن نستحضر تصورات إيمانويل كانط عن التاريخ الكوني بوصفه مسارا عقلانيا يتجه نحو اكتمال الحرية، أو فلسفة غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل التي جعلت من أوروبا ذروة الروح المطلق، بينما وُضعت إفريقيا خارج التاريخ، وآسيا في طفولته، لنفهم كيف تماهى الكوني مع الجغرافي، وكيف تمركز العقل في نقطة واحدة من العالم. يقول هيغل بوضوح فاضح: «التاريخ العالمي يتحرك من الشرق إلى الغرب، فأوروبا هي النهاية المطلقة للتاريخ»، وهي عبارة تختزل بعمق ذلك الوعي التراتبي الذي حكم المخيال الفلسفي الغربي قرونا طويلة.
غير أن هذا الادّعاء الكوني لم يكن مجرد تنظير ميتافيزيقي، بل وجد ترجمته العملية في مشاريع الاستعمار، حيث صار «تمدين الشعوب» مبررا أخلاقيا للغزو، وصارت «رسالة الرجل الأبيض» خطابا يضفي الشرعية على اقتلاع المجتمعات من سياقاتها الرمزية، وإعادة تشكيلها وفق نموذج مستورد. لقد تحوّلت الكونية إلى أداة تطبيع للعنف، وإلى لغة ناعمة تبرر الإخضاع باسم الإنسانية ذاتها.
في سياق كهذا، ينبّه ميشيل فوكو إلى أن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، وأن الخطابات الكبرى ليست بريئة، بل تُنتج داخل شبكات القوة. فالكوني حين يُقدَّم باعتباره حقيقة فوق تاريخية، إنما يخفي شروط إنتاجه، ويطمس علاقته بالبنيات السياسية والاقتصادية التي دعمته. وهنا لا تكون مساءلة الكونية مجرد تمرين نظري فقط، بل فعل تفكيك لأنظمة الهيمنة الرمزية.
وقد مضى جاك دريدا أبعد من ذلك حين كشف الطابع الميتافيزيقي لكل خطاب يدّعي الاكتمال، معتبرا أن كل مركز يتأسس على إقصاء، وأن كل كونية تقوم على إسكات أصوات هامشية. فالكوني في نظره ليس معطى جاهزا، بل بناء لغوي قابل دائما للتشقق، لأن المعنى نفسه مؤجل ومفتوح على الاختلاف.
من جهة أخرى، بيّن إدوارد سعيد في عمله النقدي كيف أن الغرب اخترع «الشرق» بوصفه موضوعا معرفيا، لا بوصفه ذاتا متكلمة. فالاستشراق لم يكن مجرد دراسة ثقافية، بل جهازا تمثيليا أعاد تشكيل الشرق وفق حاجات المركز، وصاغ عنه صورة نمطية تبرر إخضاعه. وهكذا غدت الكونية خطابا أحادي الاتجاه: الغرب يتكلم باسم الجميع، والآخر يُختزل في صورة مصنوعة عنه.
غير أن الأزمة لا تكمن فقط في إسقاط الكونية على الآخر، بل في طبيعة العقل الذي أنتجها. فالعقل الحديث كما صاغته الفلسفة الأوروبية قام على مبدأ التماثل والتوحيد، وعلى البحث عن قوانين عامة صلبة، متناسية أن التجربة الإنسانية متعددة، وأن الوجود لا يُختزل في نموذج واحد. يشير مارتن هايدغر إلى أن الميتافيزيقا الغربية نسيت سؤال الوجود حين اختزلته في التمثّل والسيطرة، وهو ما جعل الإنسان الحديث سيدا على الموجودات بدل أن يكون ساكنا شعريا في العالم. ومن داخل هذا الأفق النقدي، بدأ يتشكل وعي فلسفي جديد يعتبر أن الكونية، إذا أُريد لها أن تكون أفقا أخلاقيا حقيقيا، لا بد أن تُعاد صياغتها من داخل التعدد لا من فوقه، ومن خلال الاعتراف بالاختلاف لا عبر محوه. فليس الكوني هو ما يُفرض باعتباره معيارا عاما، بل ما ينبثق من حوار الثقافات، ومن تفاعل التجارب التاريخية المختلفة.
لقد عبّر بول ريكور عن هذا المعنى حين تحدث عن «الكونية المترجمة»، أي تلك التي لا تتحقق إلا عبر وساطة اللغات والثقافات، حيث لا يوجد معنى كوني إلا بقدر ما يُعاد تأويله داخل أفق محلي. فالكوني ليس نقطة بداية، بل نتيجة مسار تفاعلي طويل، تُسهم فيه كل الحضارات بصيغ متفاوتة.
ويذهب يورغن هابرماس إلى أن العقل التواصلي يوفر بديلا عن العقل الأداتي، لأن الشرعية لا تُستمد من القوة أو من ادّعاء الامتلاك المسبق للحقيقة، بل من النقاش الحر ومن إمكان الوصول إلى توافق عقلاني بين ذوات متساوية. غير أن هذا التصور نفسه لا يخلو من مركزية أوروبية مستترة، ما لم يُفتح على أشكال أخرى من العقلانية غير الغربية.
من هنا تبرز ضرورة الانتقال من كونية معيارية مغلقة إلى تعددية فلسفية مفتوحة، تعترف بتكافؤ المسارات الحضارية، وبأن كل ثقافة تمتلك مواردها الخاصة في التفكير في الإنسان والعالم والمعنى. فالحكمة ليست حكرا على جغرافيا معينة، ولا الحقيقة وقفا على تقليد فلسفي بعينه.
لقد عبّر أستاذنا محمد عابد الجابري عن هذا الوعي حين دعا إلى تفكيك العقل الموروث دون استنساخ العقل الغربي، مؤكدا أن النهضة لا تكون بالذوبان في الآخر، بل بإعادة بناء الذات من داخل تراثها النقدي. بينما شدّد طه عبد الرحمن على ضرورة تأسيس كونية أخلاقية تنطلق من القيم الروحية، لا من البراغماتية التقنية، معتبرا أن الحداثة الغربية فصلت بين العقل والأخلاق، فدفعت الإنسانية نحو أزمة معنى شاملة.
وفي أفق موازٍ، يرى عبد الله العروي أن الكونية لا تُنال بالانتقاء الانتقائي، بل بالانخراط التاريخي الواعي في مفاهيم الحداثة، مع إدراك شروطها وسياقاتها. وهو موقف يعكس توتر الفكر العربي المعاصر بين مطلب الأصالة وضغط المعاصرة.
إن إعادة التفكير في الكونية اليوم لم تعد ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية في عالم يتفكك تحت وطأة الصراعات الهوياتية، ويتآكل بفعل الرأسمالية المعولمة، ويكاد يفقد بوصلته الأخلاقية. فالكونية التي لا تعترف بجراح الاستعمار، ولا تُصغي لأصوات الجنوب، ولا تحتضن التعدد اللغوي والرمزي، ليست سوى إعادة إنتاج للمركزية بصيغ جديدة.
يقول ألبير كامو: «الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو عليه»، وهي عبارة تختزل مأساة الكوني الحديث: سعي دائم إلى تجاوز الذات دون مصالحة معها، وإلى تعميم نموذج واحد دون الإصغاء لتنوع التجارب.
هكذا يتبدّى أن الكونية إذا لم تُعاد صياغتها من داخل التعدد، ستظل مجرد خطاب سلطوي مغلّف بلغة إنسانية. أما الكونية الممكنة فهي تلك التي تُبنى ببطء عبر الاعتراف المتبادل، وترجمة القيم وتقاطع الحكم وإشراك الهامش في صناعة المعنى.
ذلك هو أفق التعددية الفلسفية، ألا يكون العالم نسخة واحدة، بل فسيفساء غنية، وألا تكون الحقيقة صوتا منفردا، بل جوقة إنسانية متعددة النبرات.
إذا كان نقد الكونية الغربية قد كشف تواطؤها التاريخي مع منطق الهيمنة، فإن الرهان الفلسفي المعاصر لا يقف عند حدود التفكيك، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة شروط إمكان كونية بديلة، كونية لا تنبني على الامتلاك ولا على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل وعلى تعدد سبل العقل، وعلى الحوار بين الذاكرات الحضارية. فالكوني لم يعد يُتصور باعتباره نقطة انطلاق ميتافيزيقية، بل أفقا إنسانيا يُبنى عبر التفاعل، ويتشكل داخل صيرورة تفاوضية طويلة، تتداخل فيها التجارب، وتتصارع فيها التأويلات.
لقد أبانت تحولات الفكر النقدي خلال العقود الأخيرة أن أزمة الكونية ليست في مضمونها القيمي المجرد، بل في بنيتها الإقصائية، وفي نزعتها إلى تحويل الجزئي الأوروبي إلى معيار كلي. وهنا كان لا بد من الانتقال من منطق التعميم القسري إلى منطق الترجمة الثقافية، ومن تصور أحادي للعقل إلى الاعتراف بتعدد العقلانيات. فكما يقول رايمون بانّيكار: «لا توجد كونية دون حوار بين الثقافات، ولا حوار دون قبول متبادل بالاختلاف».
إن الفلسفة ما بعد الكولونيالية قد أسهمت بعمق في إعادة فتح هذا الملف، حين أبرزت أن الحداثة الأوروبية لم تكن تجربة داخلية خالصة، بل تشكّلت عبر الاحتكاك العنيف مع الآخر، وأن ما يسمى “الكوني” هو في كثير من الأحيان حصيلة تاريخ غير متكافئ. لقد بيّن فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل المخيال، ويزرع في المستعمَر شعورا بالنقص الوجودي، ويقنعه بأن خلاصه يمر عبر تقليد المستعمِر. لذلك فإن تحرير الذات يقتضي أولا تفكيك هذه البنية النفسية العميقة التي تجعل الكونية مرادفا للتشبه بالمركز.
وفي الاتجاه نفسه، يرى هومي بهابها أن الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل فضاء هجين يتشكل في مناطق التماس، وأن الثقافات لا توجد في عزلة نقية، بل في حالات تداخل دائم. ومن هنا تصبح الكونية ممكنة فقط بوصفها إنتاجا مشتركا، لا باعتبارها تصديرا أحاديا للقيم.
أما غياتري سبيفاك فقد طرحت سؤالا حادا: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» وهو سؤال يعرّي وهم الكونية التمثيلية، حيث يتكلم المركز باسم الهامش، ويصوغ عنه خطابا لا يتيح له الظهور بذاته. فالكونية، حين لا تتيح للآخر أن يتكلم بلغته، تصبح مجرد إعادة إنتاج للصمت.
هذا التحول النقدي دفع كثيرا من المفكرين إلى إعادة تعريف العلاقة بين المحلي والكوني. فلم يعد المحلي نقيضا للكوني، بل شرطا له. إذ لا معنى لأي قيمة إنسانية ما لم تتجسد في سياق ثقافي ملموس. يقول تشارلز تايلور إن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية ليس تهديدا للكونية، بل هو الطريق الوحيد إليها، لأن الهوية لا تُبنى في الفراغ، بل داخل أفق جماعي من المعاني.
ومن داخل هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى تجاوز الثنائية الساذجة بين النسبية المطلقة والكونية الصلبة، نحو تصور دينامي للكوني بوصفه شبكة علاقات، لا منظومة مغلقة. فالتعددية الفلسفية لا تعني تفكيك كل معيار، ولا السقوط في نسبوية عديمة الأفق، بل تعني الإقرار بأن المعنى يتولد من التفاعل، وأن الحقيقة تُبنى عبر تعدد وجهات النظر.
إن الفكر الآسيوي على سبيل المثال، يقدم موارد مفهومية غنية في هذا الباب. ففي الحكمة الكونفوشية، كما عند كونفوشيوس، لا تُفهم الأخلاق بوصفها قوانين مجردة، بل علاقات حيّة داخل شبكة اجتماعية، حيث يتحدد الإنسان من خلال مسؤوليته تجاه الآخر. أما في البوذية كما تتجلى في تعاليم سيدهارتا غوتاما، فإن الذات ليست جوهرا مستقلا، بل كيانا علائقيا، يتشكل عبر الاعتماد المتبادل، وهو تصور يقوّض جذريا النزعة الفردانية التي قامت عليها الكونية الليبرالية الحديثة.
وفي الفلسفة الهندية، خصوصا في تقليد الأوبانيشاد، نجد تصورا للكوني قائما على وحدة الوجود، حيث يتداخل الفردي والكلي في حركة روحية عميقة. وهو ما يجعل الكونية هنا تجربة داخلية قبل أن تكون مشروعا سياسيا أو قانونيا.
أما في التراث الإسلامي، فإن مفهوم “العالمين” القرآني يفتح أفقا كونيا تعدديا، لا يختزل الوجود في نموذج واحد، بل يعترف بتعدد العوالم واللغات والشعوب. جاء في القرءان الكريم في سورة الحجرات: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا»، وهي آية تؤسس لكونية قائمة على التعارف لا على الاستيعاب القسري. وقد عبّر ابن عربي عن هذا المعنى بقوله الشهير: «قلبي قابل لكل صورة»، معلنا انفتاح الذات العارفة على كل أشكال التجلي.
وفي السياق نفسه، يرى أبو حامد الغزالي أن الحقيقة لا تُنال بالعقل المجرد وحده، بل بتكامل العقل والذوق، وأن المعرفة التي لا تُثمر تواضعا أخلاقيا ليست سوى حجاب جديد. وهو تصور يعيد وصل الفكر بالفعل، ويجعل الكونية مشروطة بتحققها في السلوك.
غير أن التحدي الأكبر أمام أي مشروع كوني تعددي يظل سياسيا بامتياز. فالعالم المعاصر رغم خطابه المعولم، يعيش لا تكافؤا صارخا في توزيع السلطة والمعرفة والثروة. والرأسمالية المتأخرة كما حللها ديفيد هارفي، لا تنتج فقط تفاوتا اقتصاديا، بل تعيد تشكيل الفضاء الثقافي نفسه، وتفرض نموذجا استهلاكيا موحدا يُفرغ الخصوصيات من محتواها.
في هذا السياق، تغدو الكونية الليبرالية القائمة على حقوق مجردة للفرد، عاجزة عن معالجة الجراح التاريخية للشعوب، وعن الاعتراف بالذاكرة الاستعمارية، وعن إنصاف الجماعات المهمشة. لذلك يدعو أشيل مبيمبي إلى التفكير في “سياسات الحياة”، بدل الاكتفاء بخطاب الحقوق، أي إلى إعادة مركزية الكرامة الإنسانية في عالم تحكمه تقنيات الموت والإقصاء.
إن التعددية الفلسفية لا تعني فقط تنويع المرجعيات النظرية، بل تستلزم أيضا إعادة هيكلة المجال المعرفي العالمي، بحيث لا تبقى الجامعات ومراكز البحث أسيرة سردية واحدة، ولا تُختزل الفلسفة في تاريخها الأوروبي الحديث. فكما يقول بوآفينتورا دي سوزا سانتوس، نحن في حاجة إلى “إيكولوجيا المعارف”، تعترف بتكافؤ أشكال المعرفة المختلفة، وتفتح المجال أمام حوار بين العلم الحديث والحكم التقليدية، وبين الفلسفة الأكاديمية والتجارب الشعبية.
وفي هذا الإطار، يصبح للمثقف دور مزدوج: تفكيك المركزيات القائمة، والمساهمة في بناء جسور جديدة بين الثقافات. فالمثقف ليس مجرد ناقل للأفكار، بل وسيط حضاري، مطالب بأن يصغي بقدر ما يتكلم، وأن يترجم بقدر ما ينتج.
لقد كتب أنطونيو غرامشي أن كل إنسان فيلسوف بطريقته، لأن لكل فرد رؤية ضمنية للعالم. وهذه العبارة تذكّرنا بأن الكونية لا تُصنع فقط في الأبراج الأكاديمية، بل تتشكل أيضا في الحياة اليومية في مقاومات الشعوب، وفي سرديات الذاكرة، وفي أشكال التضامن الصامت.
وهكذا يتضح أن الكونية المنشودة ليست صيغة نهائية، بل مشروع مفتوح، يتطلب تواضعا معرفيا، وشجاعة أخلاقية، واستعدادا دائما لمراجعة الذات. إنها كونية بلا مركز ثابت وبلا وصاية فكرية، وبلا ادّعاء امتلاك الحقيقة. كونية تُبنى من الأسفل، من الهامش، من تعدد الأصوات، ومن الاعتراف بأن الإنسان أكبر من أي تعريف أحادي.
يقول بول فاليري: «الحضارات فانية»، وهي عبارة تختزن درسا عميقا: لا نموذج يدوم، ولا مركز يبقى. وما يبقى هو القدرة على التعلم من الآخر، وعلى تحويل الاختلاف إلى مصدر غنى، لا إلى ذريعة صراع.
إن إعادة التفكير في الكونية ليست مجرد مراجعة لمفهوم فلسفي، بل هي إعادة تأسيس لعلاقتنا بالعالم وبالآخر وبالذات. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق السيادة إلى منطق المشاركة، ومن وهم التفوق إلى أخلاق التواضع، ومن كونية مفروضة إلى كونية متفاوض عليها.
فالكوني الحق ليس ما يُملى من فوق، بل ما يُنسج بين البشر خيطا خيطا، في صبر التاريخ وفي هشاشة المعنى، وفي أمل الإنسانية المشتركة.
***
د. حمزة مولخنيف






