شهادات ومذكرات

عبد الجبار الرفاعي: نقد العقل التراثي.. جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق

قدم الأستاذ الباحث علي المدن أطروحة دكتوراه في تاريخ 3/2/2026 بالعنوان أعلاه في جامعة الاديان والمذاهب / كلية الاداب والعلوم الإنسانية وقد كتب الدكتور الرفاعي شهادته حولها بعد الاطلاع عليها وهذا نص شهادته:

تعود العلاقة الأخوية بيني وبين علي المدن إلى سنة 1994 م أي إلى ما قبل 32 سنة، عندما بادر هو فهاتفني إلى بيتي، من أحد هواتف الشارع، بعد قراءته العدد الأول من مجلة "قضايا إسلامية" التي أصدرتها بمعية أخي المرحوم الشيخ مهدي العطار، قبل اصدار مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" سنة 1997. أعرب علي وزميله سرمد الطائي عن رغبتهما بزيارتي، شابان لا يتجاوز عمرهما 16 عاما، شغوفان بالمعرفة خارج التراث. لبث علي وفيا لهذه الصلة، كما هو معروف عن أخلاقه وتهذيبه، وصار يحضر "المنتدى الثقافي المفتوح" الذي ينعقد في بيتي بقم لعدة سنوات، عصر كل جمعة لطلاب الحوزة المهتمين بالثقافة من العراقيين. لا أقدم في هذا المنتدى لهم محاضرة، كما جرت العادة في مثل هذه المنتديات، أكتفي دائما بالإصغاء إليهم، أفتح لهم قلبي وأنصت إلى همومهم، وأزودهم بما يرغبون مطالعته من مكتبتي، وأتعاطف مع غربتهم ومواجعهم، وأقدم لهم كل ما أستطيع. تميز هؤلاء الأحبة بالذكاء الحاد، والأخلاق والنبل والتهذيب. اللافت كان كثير منهم من البصريين، فتذكرت كيف تأسس الاعتزال في البصرة في القرن الثاني الهجري، وكيف نشأت مدارس المناظرة في علوم الدين في البصرة، وكيف ظهر اخوان الصفا في البصرة، وولد النحو وازدهرت علوم اللغة في هذه الحاضرة العلمية العريقة.

تلمست تفرد علي المدن مبكرا، كان يغيب مدة، ليغرق في الدراسة والمطالعة والبحث والكتابة، كلما التقينا أراه يتطور معرفيا وثقافيا بشكل يبهرني. رابطَ المدن في الحوزة ولم يغادرها نحو 35 عاما، وأضحى من المجتهدين المغمورين في علوم الدين، والمتبحرين في التراث الإسلامي، والخبراء براهن الفكر العربي، خاصة مشاريع المفكرين الكبار، مثل: عبد الله العروي، المفكر النادر الذي يكتب متنا لا هامشا في الفكر العربي المعاصر، وإن كان هذا المفكر مجهولا للأسف في ايران حتى اليوم، العروي مفكر فذ لذلك أهداه علي اطروحته، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وعبدالمجيد الشرفي، وحسن حنفي، وعشرات المفكرين العرب. كما أصبح المدن من ذوي الرأي النقدي بالفكر الديني في ايران، وتحولاته المدهشة في نصف القرن الأخير.

يتميز علي المدن بعقل نقدي عميق، وقدرة استثنائية على استيعاب وتمثل وتجاوز ما يقرأ. لا يقرأ علي لينبهر، بل يقرأ ليفكك ويغور في البنية اللامرئية لفكر الكاتب ومرجعياته المضمرة ليفككها. أنا وعلي المدن نجتهد في علوم الدين، لكن كل واحد منا يفكر على شاكلته، لذلك طالما اختلفنا في النظر، من دون خلاف أو سوء فهم، لأننا ندرك معا أن الاجتهاد يعني الاختلاف لا التطابق.

كنت وما زلت متيما بالاهتمام بالأذكياء ورعاية مواهبهم. أقول بحق كان علي المدن خلاصة تلامذتي، بعد رحلة في التدريس ورعاية الموهوبين لعشرات السنين. أنا بهذا العمر فخور بمنجزه، وأترقب أن يكون تأثيره فاعلا في الفكر الديني في العراق والعالم العربي غدا. أشرفت على وناقشت أكثر من 80 أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير، ولو لم تكن من ثمرة لرحلتي الطويلة في التدريس والاشراف إلا هذا المفكر الشاب لكفاني فخرا.

أبارك لجامعة الأديان والمذاهب تفوقها بإعداد أطروحة دكتوراه علي المدن في فضائها الأكاديمي، وأبشر هذه الجامعة بأن هذه الاطروحة ستكون أثمن هدية تقدمها للفكر الديني العراقي والعربي، وأتطلع بعد نشرها أن تصبح إعلانا متميزا في موضوعها، يعرف بهذه الجامعة في كل مكتبة في الشرق والغرب يطلع عليها أي باحث مهتم بموضوعها. كما أبارك لحوزة قم انجاز المدن، وهو أحد العلماء غير المعروفين فيها لهذا العمل الاستثنائي، كذلك أبارك لوطني العراق ولادة مفكر ديني مجدد، مفكر تلتقي في شخصيته الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة بجوار التكوين التراثي الراسخ في علوم الدين.

أمضينا علي المدن وأنا عدة سنوات ونحن نفكر معا في الموضوع الذي يكتب فيه الدكتوراه، وأنا أعرف جيدا موهبة علي وعقله النقدي الحاد، منذ أن أشرفت قبل نحو 20 عاما على رسالته الماجستير، التي كانت أول رسالة أصررت على لجنة المناقشة بمنحها درجة كاملة لاستحقاقها بجدارة. بعد مدة اقترح المدن أن يكتب عن مشروع الصديق العزيز المفكر العراقي يحيى محمد، فاستبشرت خيرا بهذا الاختيار. يحيى محمد إنسان زاهد، يعيش في قرية بالمغرب، كما أخبرني في آخر اتصال معه قبل أشهر. لا يعرف مشروع يحيى محمد إلا القليل من القراء الشغوفين بملاحقة المشاريع الفكرية الجادة. وبعد تسجيل المدن أطروحته وتقديمه الخطة التفصيلية، واجتماع لجنة الدكتوراه لتقييمها، ارتأت اللجنة توسيع البحث ليستوعب مشاريع فكرية عراقية لمجايلي يحيى محمد.

 كنت أقرأ كل شيء يكتبه المدن، يبعث لي مباشرة ما يكتب وأنا أقرأ. لا أزعم اني ساهمت في كتابة الاطروحة أو حذف بعض ما كتبه المدن أو اضافة ما هو أساسي، أقول بصراحة: تعلمت من هذه الاطروحة أكثر مما تعلم كاتبها مني، وأفدت منها أكثر مما أفدت كاتبها، عملت اطروحة المدن على إعادة بناء رؤيتي في اكتشاف هوية الفكر الديني العراقي الحديث وخارطته المتميزة، ومساره التكاملي.

تميزت اطروحة علي المدن بأنها ابتكرت موضوعا لم يسبقه إليه أحد من جيل أساتذته ومن سبقهم، ولا من جيله في مختلف الجامعات. علي اكتشف خارطة وهوية للفكر الديني العراقي الحديث، ورسمها ببراعة ريشة فنان يري التفاصيل والجزئيات بجلاء ويعيد تركيبها في اطار نظري واضح. تميزت هذه الاطروحة بتحقيب التطور التاريخي للفكر الديني العراقي الحديث وتجييله في محطات زمنية تعكس تطور هذا الفكر وترصد مشاغله لأكثر من قرن. تحدث المدن عن الجيل الأول وأعلامه: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد اللاغي، ومحمد حسين كاشف الغطاء. والجيل الثاني وأعلامه: محمد رضا المظفر، ومحمد أمين زين الدين، ومحمد باقر الصدر. والجيل الثالث وأعلامه: عمار أبو رغيف، وكمال الحيدري، ويحيى محمد، وعبد الجبار الرفاعي.

كي يبدع هذا المنجز قرأ علي المدن عشرات الأعمال في تاريخ العراق الديني والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للقرون الثلاثة الأخيرة، في رحلته البحثية التي تجاوزت ثلاث سنوات، كنت معه نتناقش في كل ما يقرأ، ويبوح لي باكتشافاته لمعطيات تاريخية من شأنها أن تغير معلومات شائعة زائفة. يستند في كل ذلك إلى ما هو مطمور في بطون الكتب، تحجبه معرفة شائعة خاطئة، تغدو مسلمات وبداهات راسخة لا تناقش بمرور الزمان. مع هذه الاطروحة يحق للفكر والمفكر الديني العراقي أن يعلن عن مساهمات استثنائية لفقهاء ومفكرين عراقيين لم تسلط الأضواء بالشكل المطلوب على مساهماتهم.

 

في المثقف اليوم