قضايا

ابتهال عبد الوهاب: الازدواجية الاخلاقية في الخطاب الديني المعاصر

من نقد الغرب الى تبرير الذات

ليست قضية إبستين، في جوهرها، معركة بين الشرق والغرب، ولا صداما بين العلمانية والدين، ولا دليلا على انحطاط الحداثة كما يتوهم بعضهم. هي قضية واحدة بسيطة في معناها، ثقيلة في دلالتها: انتهاك الجسد البشري، وسحق براءة الطفل، وتحويل الانسان الى سلعة.

إبستين في الوعي الغربي ليس رمزا ثقافيا ولا شيخا ولا مرجعا اخلاقيا، بل متهم وجانح، سقط اجتماعيا واخلاقيا وقانونيا. وما يثار حوله من فضائح وملفات هو تعبير عن صدمة مجتمع، لا عن تبرير جريمة. الفعل هناك مدان لذاته، لا لكون فاعله ينتمي الى معسكر بعينه.

اما المأساة الاكبر، فهي حين يصبح الفعل ذاته، اذا ما عبر حدود جغرافيتنا الملعونة، قابلا للتقديس، لا للادانة. لا لان جوهره تغير، بل لان الغطاء تغير. فالجريمة حين تتدثر بعباءة الشريعة، تتحول من انتهاك الى حكم، ومن اغتصاب الى زواج، ومن قتل الى حد، ومن سبي الى فقه.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فُعل؟ بل: تحت اي اسم فُعل؟

فالطفلة التي تغتصب تصبح  زوجة. والمرأة التي تقتل تصبح عارا مغسولا. والمرتد الذي يعدم يصبح خطرا عقائديا. والطفل الذي يذبح يختفي خلف قاعدة فقهيه جافة: لا يؤخذ الاصل بالفرع

لم يكن سبي الايزيديات حدثا شاذا، ولا خطف الدرزيات والعلويات استثناء، ولا بيع الكرديات اليوم مفاجأة. كلها حلقات في منطق واحد: تحويل الانسان الى غنيمة حين يخرج عن الهويه السائدة، وتطبيع الوحشيه حين يوقعها نص، او يباركها شيخ، او يسكت عنها مجتمع.

الفرق الجوهري بين ما حدث مع إبستين، وما يحدث هنا، ليس في الفعل، بل في الموقف منه. هناك، يحاسب الفعل لانه جريمة ضد الانسان. هنا، يبرر الفعل لانه منسوب الى الله. وهناك، ينهار الفاعل اخلاقيا مهما علا شأنه، وهنا، يرفع الجاني الى مرتبة الصلاح كلما ازداد دمه على يديه

العلمانية لم تخلق هذه الجرائم، والحداثة لم تبررها. على العكس، كل منظومة قانونية حديثة تعتبر المساس بالطفل جريمة مطلقة، لا يخففها عقد، ولا يبررها عرف، ولا يغسلها نص. الجسد الطفولي هناك خط احمر انساني، لا ماده فقهية قابلة للاجتهاد.

الفلسفة الاخلاقية، منذ كانط، وضعت مبدأ لا يحتمل الالتفاف: الانسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات الاخرين ولا مادة لاختبار النصوص. والطفل بوصفه اكثر اشكال الانسان هشاشة، هو الاختبار الحقيقي لاي منظومة اخلاقية. فمن يفشل في حماية الطفل، يفشل في ادعاء الاخلاق، مهما علت لغته، او تقدست مراجعته

المفارقة المؤلمة ان من يدين إبستين لا يدينه لان الفعل قبيح، بل لانه فعل خارج منظومته. ولو ان إبستين كان شيخا، او مسلما، او حمل توقيعا فقهيا، لوجدوا له الف مخرج، والف فتوى، والف تأويل. فالمشكله ليست في الجريمة، بل في مرآتها.

نحن لا نعيش ازمة اخلاق، بل ازمة تعريف الاخلاق. حين يفصل الضمير عن الانسان، ويلصق بالنص، يتحول كل شيء الى مباح، شرط ان يحمل اسما مقدسا. وهنا تصبح البيدوفيليا شريعة، والقتل فضيلة، والسبي سنة، والاعتراض كفرا.

القضية، في حقيقتها، ليست إبستين، بل نحن. ليست الغرب، بل المعايير. ليست العلمانية، بل الانسان.

ان اخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود العنف، بل تطبيعه، ولا ارتكاب الجرم، بل منحه قداسة رمزية تحصنه من المساءلة.

ان اي منظومة اخلاقيه لا تضع كرامة الطفل، وحق الحياة، وسلامة الجسد فوق كل اعتبار ديني او ايديولوجي، هي منظومة تعيد انتاج الجريمة باسم الفضيله، وتستبدل العدالة بالتأويل، والضمير بالطاعة. ومن هنا، لا يكون تجاوز هذه الازمة ممكنا الا باستعادة الانسان بوصفه معيارا، والقانون بوصفه حدا، والعقل النقدي بوصفه ضمانه، ضد كل عنف يرتدي ثوب المقدس.

واعتقد ان كل مجتمع لا يحسم هذه القضية لصالح الإنسان، انما يعلن، صامتا، افلاسة الأخلاقي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم