تجديد وتنوير
ابتهال عبد الوهاب: الشيطان البريء.. قراءه فلسفيه في أخلاقيات الشر
منذ فجر الحكاية حين همس النص المقدس بأول صراع في الوجود، وضع الشيطان على منصة الاتهام الأبدي. ذاك المنفي الأزلي في الوعي البشري، الكائن الذي لم نره يوما ولم نسمع صوته، ومع ذلك جعلناه عدوا مطلقا، رمزا لكل خطايانا، وظلا لكل انكساراتنا.
نرجم صورته بالحجارة كل عام، كأننا نغسل أيدينا من الدماء التي لوثتها اختياراتنا، كأننا نعلن براءتنا أمام السماء. لكن لنسأل بصدق: هل كان الشيطان حقا مسبب الشرور أم أنه صار كبش الفداء الأزلي الذي علقنا عليه كل أوزارنا لننجو من مواجهة حقيقتنا؟ أيكون الشيطان قاتلنا أم يكون شاهدا على جريمتنا؟
ربما لم يكن يوما ذلك الكائن المتمرد الذي نتصوره، ربما كان ضحية أول قرار حر في الكون، دفع ثمن كلمة "لا" أمام سطوة الأمر، فصار منفيا خارج النور، مطرودا من رحمة الوعي البشري قبل رحمة الإله.
لم يكتب دفاعا عن نفسه، ولم يطلب استئنافا في محكمة الوجود، ولم يصدر بيانا ليقول: لست أنا من أشعل الحروب ولا أنا من سلح الكراهية ولا أنا من سرق الخبز من أفواه الفقراء
هو يعرف سرنا الذي نخاف الاعتراف به.. أن الشر فينا أعمق من وساوسه وأن الخراب الذي نراه في العالم ليس إلا مرآة لخراب نفوسنا. نحن الذين صنعنا الأصنام ثم سجدنا لها، نحن الذين اخترعنا الكراهية ووزعناها كالأعياد، نحن الذين خلقنا الشيطان في وعينا لننجو من مواجهة أنفسنا
ربما يكون الشيطان أكثر براءة منا جميعا، فهو لم يقتل باسم الله، ولم يبرر الطغيان بالنصوص، ولم يزرع الحدود في الجغرافيا ولا الأسلاك في العقول. إنه في صمته الطويل ضحية وعينا الجمعي، ضحية خيباتنا التي ألقيناها فوقه حتى تفرغنا من ذنوبنا، وها نحن نرجم وهما صنعناه، وما زال الخراب فينا لا فيه.
كانط في فلسفته الأخلاقية يقرر أن الشر الأصلي ليس في الشيطان بل في إرادة الإنسان، فالإنسان بقدرته على الاختيار يملك الحرية الكاملة في أن يفعل الخير أو يزرع الخراب. الشر إذن قرار داخلي وليس همسا خارجيا، لكننا نتمرد على هذه الحقيقة لأن مواجهة أنفسنا أصعب من لعن الشيطان. فنخلق وهما مريحا، نؤمن أن هناك كائنا خفيا غامضا يدفعنا إلى الخطيئة، وبذلك نبقي أيدينا نظيفة أمام الله والتاريخ.
أما نيتشه فيرى أن فكرة الشيطان ليست إلا اختراعا ثقافيا صنعه الضعفاء ليبرروا عجزهم، فعندما يعجز الإنسان عن السيطرة على غرائزه أو يقمع شهواته باسم الدين أو الأخلاق، يحمّل الشيطان مسؤولية كل ما لا يستطيع الاعتراف برغبته فيه، وهكذا يصبح الشيطان مرآة لرغباتنا المكبوتة لا مصدرا لها.
نحن نلعنه ليلا ونهارا، نرجمه في طقوسنا. نحمله خطايانا. نعلن براءتنا على حسابه. بينما يظل صامتا لا يرد. إنه الضحية الصامتة لخيباتنا، ضحية خوفنا من مواجهة أنفسنا، ضحية عجزنا عن الاعتراف بأن الشر فينا أعمق من أي وسوسة غيبية.
ربما لو توقفنا عن البحث عن الشيطان في الخارج، وبدأنا مواجهة الشيطان الذي يسكننا، لاكتشفنا أن أول خطوة نحو الخلاص ليست في رجم الآخر، بل في تحرير وعينا من وهم البراءة
في الاعتراف بأننا لسنا أبرياء كما نحب أن نصدق. فحين نكف عن البحث عن الشر في الخارج، ونبدأ تفكيكه في أعماقنا، عندها فقط يسقط القناع، ويتحرر الوعي من وهم البراءة، ويصبح الإنسان – لأول مرة – مسؤولا عن إنسانيته
***
ابتهال عبد الوهاب






