أقلام ثقافية
جمال العتابي: أغنية مشحونة بالسادية!!
حضيري أبو عزيز الشاب القادم من ريف الشطرة، موهبة فريدة في الغناء منذ أيام صباه، صوت ريفي جنوبي ممتلئ عذوبة في الأداء واللحن، اختلف عن زملائه من مغنّي هذا اللون، كان يتطلع نحو التجدد، فامتلك جسارة ابن المدينة ليسافر إلى بلاد الشام، غنّى هناك، ومثّل في أفلام بزي مدني.
حضيري ابو عزيز حالة فنية شديدة الخصوصية في الغناء العراقي. فهو مطرب ريفي الجذور، لكنه حاول أن ينقل صوته من الفضاء القروي إلى أفق المدينة: غير أن هذا التحول الشكلي لم يُلغِ البنية النفسية العميقة التي تشكّل وعيه الغنائي، بل جعلها أكثر توتراً، وأكثر انكشافاً.
أغنية "أحميّد" تمثل ذروة هذا التوتر، لأنها لا تُغنّى بوصفها سرداً غزلياً، بل تُبنى كـ "حوار" نفسي صراعي بين عاشق ومحبوبه، بين ذات مهووسة وذات تحاول الانفلات.
العاشق: يطارد، يتوعد، يقسم، يبالغ، ويحوّل الحب إلى فعل امتلاك.
- الحبيب ينسحب خائفاً. خوفاً من “العاذل” و”الأهل” و”الفضيحة”.
نحن أمام دينامية نفسية قهرية:
كلما ابتعد الحبيب ازداد إصرار ابو عزيز ملوحاً بالعنف..
العنف الرمزي
والتهديد بوصفه تعويضاً عن العجز متوعداً (احميّد): آنه لك وانت لي.
يلجأ حضيري إلى التهديد الخيالي بوصفه تعويضاً عن فقدان السيطرة.
في «أحميد» تتخذ هذه الآلية أشكالاً أسطورية:
گتله لون بين السما والأرض
اطّير
اصعدلك منو اليعترض؟
گال إذا حبل الوصل ينگرض
گتله أشدّه وحگ الفرض خمسه العباد
واوصل لغايتي حميد يا مصايب الله
يتحول الحب من رغبة في اللقاء إلى هاجس مطاردة، ومن وعد بالعشق إلى تهديد مبطّن بالاستحواذ ؛
گلي إذا طبيت ارض الفلا
گتله أشگ بطن الارض بقنبلة
وانزل عليك ولا هاب البلا
وألزمك من ياختك لو تنجمع كل الملا متخلصك من إيدي
متخلصك وتفل حسبتي
حميد لو موش انته؟
هنا تتصاعد السادية العاطفية، ابو عزيز يمسك برقبة الحبيب يشدد الخناق، فلا خلاص يمكن ان ينقذ الحبيب المسكين من قبضة حضيري.
گلي إذا صرت طير وطرت
گتله اصعد لجوف السما لو طرت
گلي إذا سمچه أصير وغرت
گتله اغور وياك لو ابحرت
هذا العشق القهري يختلط فيه الحب بالخوف، والغيرة، الرغبة بالعدوان، وم ثم التوسل ليس امام الحبيب سوى السؤال وهو غير مصدق: گلي صدگ هذا الحچي بداعتي؟
هنا تكتمل المفارقة النفسية
مع كل التهديدات الخارقة التي يطلقها العاشق – وتصاعد الخيال العنيف، تراجع الأمان الداخلي. ليخاطب قلبه:
"يگلبي بيمن بعد تأمن يا ويلي يا خايب"
نكتشف أن كل تلك التهديدات لم تمنحه يقيناً، بل استنزفته.
فالعاشق الذي توعد، ينتهي إلى ذاتٍ تشكّ في أبسط ما تملك.
ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقاً بين أرض لا تجيب، وسماء تسأل: حميد إنت لو موش انته؟ تنغلق أمامه السبل كلها.
حضيري:
لا يحجبك جدار نحو الآفاق تنادي:
على درب اليمرون أريد اگعد وانادي
من يخفف عنك حرقة الشوق ويبعث فيك السلوى؟ غير صنوك داخل حسن يشاركك النواح في ثنائية لعاشقين معذبين: يحضيري بطل النوح شالت هديه !
***
د. جمال العتابي







