عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

نايف عبوش: ومضة اللحظة الوجدانية في الماضي

استذكار مرهف وحضور دائم

ثمة لحظات في حياة كل انسان لا تمضي، وإن غابت في ظاهر الزمن، فهي تظل متقدة في ألاعماق كجمرٍ وديع مستتر تحت رماد ركام الزمن، يتوهج بهجة، أو ألماً، أو كليهما معاً كلما لامسته نفحات الذاكرة.

تلك هي ومضات اللحظة الوجدانية الماضية، التي لا تقاس بطول بعدها الزمني، بل بعمق أثرها في الذاكرة، وامتداد حضورها في أعماق الذات.

فلاشك أن الماضي، ليس زمناً انقضى وحسب، بل هو حس وجداني، يعاود الظهور بتجلياته المتجددة، كلما استدعته الذاكرة، ولذلك تظل بعض اللحظات حيّة، نابضة، كأنها تحدث الآن.

وهكذا تظل تلك الومضات الوجدانية، تحمل بتجلياتها حسا مرهفاً، فتتسلل إلى الوجدان دون استئذان، لتسقر في اعماقه،  ما دامت تنبع من تفاعل متوهج بين الذاكرة والعاطفة، فهي لم تصطنع، بل تشكلت في ومضة لحظة، تماهى فيها الإنسان مع ذاته، ومع العالم من حوله.

ولعل هذه الومضات، تصبح ملاذاً عاطفيا داخلياً، في خضم تداعيات حياة متسارعة يستعيد الإنسان من خلالها توازنه، ويرمم بها ما تهشم فيه من معنويات، لتكون تلك الومضات أشبه بجذور خفية، تربطه بذاته الأولى، لتمنحه شعوراً باستمرارية وجوده، رغم تبدّل المعطيات، والظروف، وتغير الاحوال. ولذلك نجد أن كل إنسان يحمل في داخله، أرشيفاً وجدانيّاً خاصاً به، يضم تلك اللحظات، التي صنعت شيئاً من ملامحه النفسية، والإنسانية.

ولعل أن استذكار الماضي ليس هروباً من تداعيات الحاضر بالضرورة، بل قد يكون فعلاً واعياً، ومقصودا، لإعادة قراءة الذات، لاسيما عندما تستعاد تلك اللحظات بوعي، حيث يتحول الاستذكار من مجرد حنين، إلى فعل تأملي، يمنح الحاضر عمقاً إضافياً، ويعطيه معنى خاصا.

وهكذا نجد إن ومضة اللحظة الوجدانية، يمكن أن تمنح الحياة معنى ممتداً، فهي لا تعيش في الماضي وحده، بل تتجدد في كل مرة تستحضر فيها، لتغدو حاضرة، تعيد تشكيل المشاعر، وتلوّن النظر للأشياء، ليصبح الماضي ليس زمناً منتهياً، بل حضوراً دائماً، يسكن اعماق الوجدان، ويتمظهر كلما برزت الحاجة إليه، مادام الإنسان بحسه المرهف، ليس أبن اللحظة الراهنة فقط، بل أبن تلك الومضات التي مرت، وتركَت فيه أثرها، لا باعتبارها ذكرى عابرة، بل كجزءٍ حي من كينونته، ترافقه بصمتٍ، ودفء، في رحلة قطار الحياة.

***

نايف عبوش