أقلام ثقافية
نزار فاروق: عناقيد الرّحمة
إلى معلّمتي ناجية العمرّي
قبل أن أقرأ عناقيد الغضب وعن الفئران والرّجال، قبل أن تجرؤ خطاي على وطء نورمان، أوكلاهوما، لأدرّس في جامعة أوكلاهوما سنة 2014، قد بدأت أعيش عناقيدي الخاصّة من الغضب، قبل أن أعرف أن الطّرق قد تتصلّب حتى تغدو قدرا، وأن الغبار قد يصير ميراثا عائليا، وأن طفلا قد يربّى في كنف الرّحيل قبل أن يتعلّم المعنى الكامل للمغادرة. ومع ذلك، لم يكن الغبار كلّ شيء، ولا الغضب الكلمة الأخيرة؛ فقد كان، تحت هذا الرّكام كلّه، ما يلمع خافتا من رحمة، وما يحفظ القلب من الانطفاء التّام. وبالنّسبة إليّ، كان ذلك الضّوء المبكّر يتجلّى، من حيث لا أدري يومها، في طيبة معلّمتي ناجية العمرّي، رحمها الله.
ولدت في قابس، في جنوب تونس، في جغرافيا معلّقة بين الغبار والبحر والذّاكرة والتّهميش. لم يكن الطّريق 66 طريقي، ومع ذلك فأنا أعرفه: ذلك الأسى الإسفلتي الطّويل للمنبوذين، وللعنيدين، وللفقراء، وللذين لا عودة لهم. في قابس، كان ينبغي للبحر أن يفوح بالملح والرّحمة، لكنه كان في كثير من الأحيان يحمل نفس السّم. وكان المجمّع الكيميائي الوحشي قد بدأ عنفه البطيء، يلطّخ الهواء والماء والضّوء ذاته. لم يكن التّلوّث هناك فكرة مجرّدة؛ لقد كان يدخل الرّئتين، ويستقرّ على النّوافذ، ويختلط بالغبار، ويعلّمنا باكرا أن الرّيح نفسها يمكن أن تصادر. وسوف يتساءل ابن خالتي سفيان بن عون، رئيس فرع قابس لاتحاد الكتّاب التونسيين، يوما، في واحدة من قصصه القصيرة الديستوبية الموحشة: من أين يأتي هذا الغبار؟ولم يكن السّؤال أدبيا فحسب. كان الغبار يأتي من الطّرق، نعم، من الجنوب المهمّل، من تشقّقات البيوت والذّاكرة، ولكنه كان يأتي أيضا من الجرح الكيميائي في قابس ذاتها، من البحر المصاب، ومن الأرض المنهكة، ومن دولة كانت قد قرّرت منذ زمن بعيد أن بعض المدن أكثر قابلية للتّضحية من سواها.
نشأت بين امرأتين حملتا من الأعباء أكثر مما كان ينبغي لهما أن تحتملّا. أمّي، وهي مطلّقة، كانت تمشي في الحياة بكرامة مجروحة، كأنها أجبرت على أن تبدأ من جديد قبل أن يسمح لها أصلا أن تتم حياتها الأولى. وجدّتي، وهي أرملة، كانت تجمع ما تبقّى وتصوغ من الصّبر حرفة يومية. وبينهما تربّيت، لا في ظلال الوفرة، بل في يقظة دائمة، وفي حنان حدّته الضّرورة، ولم تخل قسوته أحيانا، ذلك الحنان الملتبس الذي يمتزج فيه الحبّ بالألم، كما في عالم أبناء وعشّاق. لقد تكفّلتا بي قبل أن ألتقي أبي حتى، كأن أول إرثي لم يكن النّسب بل الغياب. قبل الأب جاء فراغ الأب؛ قبل الاسم جاء الانتظار؛ وقبل كل حكاية عن الأصل، جاءت معرفة أن نساء هجرهن اليقين كنّ يبنين المأوى الهش الذي سأعيش فيه. كانت أيديهما وطني الأول. وكان تعبهما أول درس لي في التّاريخ.
لم تكن قابس، إذن، مجرّد مدينة. كانت كفاحا من أجل التّنفّس، وعالما أموميا من القوّة الجريحة، ومكانا بدا فيه البحر والغبار كأنهما يتنازعان حقهما فينا. لقد علّمني الجنوب أن الجمال والأذى يمكن أن يسكنا الشّارع نفسه. كانت أشجار النّخيل، وهواء الملح، وألفة الجيرة القديمة لا تزال قائمة، لكن الإهمال والفقر والمعرفة المرّة بأن أفق المرء قد سعّر بثمن بخس لدى قوى بعيدة، كانت قائمة أيضا. ومن الجنوب كنّا ننظر إلى تونس العاصمة، لا ببراءة، بل بحاجة. كانت العاصمة تبدو لنا لا مدينة فحسب، بل إذنا وحكما ونجاة مضفورة معا.
وهكذا استقللت القطار شمالا. كان ذلك القطار طريقي الأول 66، وإن كان لا يحمل شيئا من أسطورة الطّريق الأميركية. لم يكن مغامرة، بل ضرورة. كان تمريني الحديدي الأول على الاغتراب. ومع كل ميل كان الجنوب يتراجع، من غير أن يتركني. كنت أحمل قابس في لكنتي، وفي صمتي، وفي تلك الطّبقة الخفيّة من الغبار التي لا يزيلها اغتسال. وكان الرّحيل إلى تونس العاصمة تمرينا مبكّرا على انشطار الذّات: أن تطلب مستقبلا في المركز نفسه الذي عاش طويلا على إهمال الأطراف. وكان القطار يشق طريقه عبر الحر والحجر والبلدات المتناثرة، ويمرّ بصفاقس، المدينة التي كنت أعرف أن أبي كان يقيم فيها، من غير أن أعرف عنه أكثر من ذلك. وحتى ذلك المرور الخاطف كان يزيد الغياب كثافة، كأن القطار لا يقرّبني منه بقدر ما يعلّمني، باكرا، كيف يمكن للقرب أن يظل بعيدا. وكنت أشعر، حتى في ذلك الحين، بأن كل وصول يحمل في أحشائه جنين رحيل آخر.
علّمتني تونس كيف يمكن لبلد أن ينفي أبناءه من غير أن يختم لهم جوازا. يمكن للمرء أن يعيش في العاصمة، ومع ذلك يظل ابن الهامش، ويظل الجنوب عالقا بحذائه، وبحروفه الصّوتية، وبخجله وكبريائه. وفي تونس تعلّمت أن الارتقاء الاجتماعي اسم آخر للتّرجمة، وأن التّرجمة اسم آخر للخسارة الجزئية. يترك المرء البيت، ثم الحي، ثم المدينة، ثم الوطن، وكل رحيل يطالب برسوم تجبى من الذّاكرة. ومع ذلك ظل الطفل الذي في داخلي هناك في قابس: مع أمّه المطلّقة، وجدّته الأرملة، وأبيه الذي لم يكن قد حضر بعد، ورئتَيه المملوءتين بالغبار والأسئلة غير المنطوقة.
ثم جاءت نيويورك. قبل ما يقرب من سبعة وعشرين عاما بلغتها، أو لعلها هي التي ابتلعت خطاي منذ اللّحظة الأولى. جئتها لأن حلمي كان، في جوهره، حلم المغادرة: أن أغادر فحسب، أن أخرج من الضّيق إلى ضيق آخر أكثر اتساعا. أما العودة أو عدم العودة، فلم تكن يوما هي السّؤال. لم يكن السّؤال إلا كيف أرحل، وكيف أواصل الرّحيل. لم أصل إلى نيويورك بقدر ما دخلت في آلتها. ابتلعتني في سرعتها، وفي معدن شتائها، وفي شهيتها التي لا تنام. وإذا كانت قابس قد علّمتني معنى الجرح، وكانت تونس قد علّمتني معنى المنفى الدّاخلي، فإن نيويورك أتقنت الدّرس بجعل الحركة قانونا. هناك لا يسألك أحد أين تشكّلت وحدتك؛ إنما يسألونك فقط: هل تستطيع أن تواكب الإيقاع؟ ومع ذلك، تحت هدير المترو والأبراج، كنت أسمع سككا أخرى: القطار من الجنوب إلى العاصمة، والأصوات المنزلية القديمة لامرأتين تبقيان ثلاثة صغار على قيد الحياة، والنّفس المسموم لقابس، وسؤال الغبار، والسّؤال المعلّق عن أب لم أكن قد التقيت به بعد.
ألّا تعود، ليس إعلانا واحدا يقال دفعة واحدة. إنه تراكم بطيء للمسافات. ترحل أولا. ثم تعود على فترات أقل. ثم يبدأ الذين كانوا يجعلون العودة ممكنة في التّلاشي. ثم تتغيّر الشّوارع، وتتبدّل البيوت، ويتكاثر الموتى، وتصبح الذّاكرة أدق من الجغرافيا. وفي النّهاية يدرك المرء أن العودة ليست مستحيلة لأن الطّائرة لا تستطيع الهبوط، بل لأن الذّات التي غادرت، والمكان الذي ترك وراءها، كليهما قد تعرّضا لمراجعة لا رجعة فيها. الطفل الذي كان في قابس لم يعد موجودا إلا بوصفه راسبا في الرّجل، وقابس نفسها، الملوّثة، المهمّلة، المحبوبة، تواصل من بعيد أن تتهم وتحتضن في آن.
ولذلك نعم، عناقيد الغضب. ونعم، الطّريق 66. لا لأن أوكلاهوما هي قابس، ولا لأن كاليفورنيا هي نيويورك، بل لأن فقراء كل الخرائط يعرفون شيئا عن الطّرق التي لا تعد بالخلاص. لكل عصر قوافله من المقتلعين، ومهاجروه الدّاخليون، وأبناؤه القادمون من الهامش صوب مراكز لا تكترث، وأطفاله الذين تربّيهم النّساء فيما يحجب التّاريخ الأب والدّولة والمستقبل. لقد جئت من جنوب تونس إلى العاصمة، ومن العاصمة إلى نيويورك، وأنا أحمل لا الطّموح وحده، بل أيضا ما حملته معي: الهواء الكيميائي، وحزن البيت، وجلَد الأمومة، وحماية الجدّة، والوجع الأول لحياة بدأت ناقصة.
وما تزال قابس تقيم في داخلي: لا بحرها ونخيلها فقط، بل شاطئها المسموم، وغبارها، وكدح نسائها، ووصول الأب المؤجّل، والجرح القديم الكامن في أن تتشكّل على أيدي أولئك اللواتي لم يكن العالم ينتظر منهن سوى الاحتمال. وما يزال سؤال ابن خالتي يلاحقني: من أين يأتي الغبار؟ إنه يأتي من المصانع، ومن التّخلّي، ومن القطارات، ومن الرّحيلات، ومن تكسّر البنى العائلية، ومن احتقار الدّولة الطّويل للجنوب، ومن الذّاكرة نفسها وهي تحتك بالمسافة. يأتي من كل ما ترسّب علينا، ومن كل ما حملناه معنا.
وهكذا يواصل الطّريق امتداده في داخلي، قاسيا ومضيئا. قابس خلفي، وتونس أمامي، ونيويورك أبعد منّي، ولا عودة حقيقية إلى أي مكان. ليس ثمّة إلا هذا الطّريق الدّاخلي الطّويل، طريق الإدراك المتأخّر، وأنا أتيقّن، شيئا فشيئا، أنّني ربحت أشياء كثيرة وأنا أخسر، في الآن نفسه، كل ما كان يصنع ذلك الكائن الذي كنت أريد أن أكونه. ومع ذلك، رغم الغبار، ورغم عناقيد الغضب التي ظلّت تظلّل طفولتي في حيّنا المتواضع بباب بحر في قابس، ما تزال بعض الوجوه تنجو من الخراب، وتبقى كأنها آخر ما يربطني ببراءة بعيدة. ان طفلًا بريئًا، يتراوح عمره بين الخامسة والسادسة، يتعثّر في أسئلته عن أبيه، ويتلعثم وهو يحاول أن يبوح للمعلّمات والمعلّمين بسرّ غيابه، غير أنّ ذلك البوح الصغير قلّما وجد أذنًا تُصغي أو قلبًا يكترث، سوى "آنيستي" ناجية العمري، رحمها الله، التي غمرته بلطفها وحنانها، لأنّ بعض الغياب يفوق احتمال الطفولة نفسها، ولا سيّما حين تجد القلوب الصغيرة نفسها محاطة بأناسٍ قساة. كانت تشتري لي "آنيستي" ناجية قطع البسكويت من حانوت عمّي التوهامي، وتصغي إلى أسئلتي الصّغيرة في رفق ومحبة، حتى إذا بلغنا محل والدها، عمّ الحسين، كانت تناولني شطر كسكروت. وما زلت أحن إلى رائحته ومذاقه، كأن في تلك اللّقمة البسيطة ما تبقّى من طفولة كاملة.
وقبل أيام أخبرتني أمّي برحيل "آنيستي" ناجية بعد أن اختطفها السّرطان. غير أن رحيلها لم ينتزع طيبتها منّي، بل بقيت في داخلي أثرا خفيّا ومضيئا. وما أزال أراها، قبل سبع وأربعين سنة، توصلني إلى باب الكنيسة في حومتنا. وما أزال أستعيد تلك التّفاصيل الآن، من مكتبي في جامعة فرجينيا، على بعد آلاف الأميال ومئات آلاف السّاعات، كأن الزّمن لم يمض تماما، وكأن الطفل الذي كنته ما يزال حيّا في داخلي، تحرسه تلك اللّمسة الأولى من الرّحمة. وكأن كل ما عبرته من غبار ومنفى وفقد لم يكن، في سرّه البعيد، إلا طريقا طويلا إلى تلك اللّمسة الأولى. لذلك، كلّما استعدت وجهها، أدركت أن ما أنقذني حقا لم يكن سوى هذا: عناقيد الرّحمة.
***
نزار فاروق هِرْمَاسْ - جامعة فيرجينيا
.....................
* عناقيد الغضب (The Grapes of Wrath) وعن الفئران والرّجال (Of Mice and Men)، لجون شتاينبك (John Steinbeck).
*أبناء وعشّاق (Sons and Lovers)، لد. هـ. لورنس (D. H. Lawrence).
*سفيان بن عون، من أين يأتي الغبار؟: قصص، تونس، 2001.







