أقلام ثقافية
ناجي ظاهر: سحر البيان
يجمع قراء كتاب" الضوء الازرق" بحق، في مقدمتهم الشاعر محمود درويش في تظهيره الثري للكتاب، على أنه يضم نصا يستعصي على التأطير، ففيه من الرواية ومن السيرة الذاتية، بالضبط كما فيه من التأملات الصوفية، والمشاهد المتناثرة، تناثر الندي على بتلات الورد، كما يقول مؤلف الكتاب ذاته، في احدى صفحاته الجزلة الثرية. ويرى كاتب هذه السطور أنه هذا الكتاب ينتمي إلى الكتابة التجريبية، بمفهومها المسرحي، بمعنى أنها تتوجه إلى القارئ الخاص، ذلك القارئ الذي يغريه التفكر الجاد، ويجذبه سحر البيان العصي المتحدي أو البيان الساحر.
مؤلف هذا الكتاب الخاص والمميز في أدبنا العربي الفلسطيني، هو الكاتب والشاعر الراحل حسين البرغوثي( ١٩٥٤-٢٠٠٢) ،ابن قرية كوبر قضاء رام الله، وقد تلقى دراسته الأكاديمية العليا في هنغاري والولايات المتحدة الامريكية، وعندما عاد إلى ارض الوطن عمل محاضرا للأدب في جامعة بير زيت، تضم تركته الأدبية ١٤ عملا تتوزع على السرد، النقد الادبي ، وله فيه كتاب هام جدا عن "أزمة شعرنا المحلي"، التراث الشعبي والتوثيق. وقد كان كما يشهد كتابه هذا/ الضوء الازرق، وكما سبق وشهد مجايلوه ومعاصره، منهم الشاعر الوطني فوزي البكري.. الذي اعتز طوال الوقت بلقب صعلوك القدس، يشهد هؤلاء على أنه كان شعلة متقدة من الثقافة، المعرفة وثراء الاطلاع.
ضمن معاينة متأملة لعنوان هذا الكتاب، نقول إن الضوء الازرق، وفق تعريفه العلمي ايضا، هو ضوء عالي الطاقة ويشبه الأشعة السينية، القادرة بعينها المتمكنة على معاينة الاشياء ورؤية ما وراءها، من هكذا منطلق يمكن للقارئ المتمعن، ملاحظة أن الضوء الازرق يرافق صفحات الكتاب وأحداثه متتالية التداعي، ابتداء من مفتتحه حتى منتهاه. فالكاتب يصول ويجول برفقة هذا الضوء، ويذهب بداية إلى حكاية زرقاء اليمامة المشهورة في تراثنا العربي، متنقلا من حكاية الطائر الازرق، إلى اخرى وتالية مثل مرحلة الابداع الفني التشكيلي/ المرحلة الزرقاء في حياة الفنان الاسباني الشهير بابلوبيكاسو، وكأنما هو يحاول أن يوجد آصرة توصل ما بين اشتاته ومتناثراته رابطة ما بينها، ضمن رغبة واضحة في إقناع القارئ بأنه لا يقرأ معميات ومبهمات، يؤكد هذا الفصل الثاني الذي يختلف عن الاول، ففي حين يقوم الفصل الاول على التداعي الحر، فإن الفصلين المتبقيين، الثاني والثالث يقتربان من السرد واضح الرؤى والمعالم، لكن دون التنازل عن السرد المتتالي المختلط نوعا ما بشيء من التداعي المغري والمقرب إلى نفسية المؤلف وثقافته المتعمقة الواسعة، عربيا واجنبيا، كما يتضح من هذا الكتاب ذاته أيضا.
من الصعب جدا تقديم مختصر مفيد لهذا الكتاب الخاص، غير أنه ليس من الصعب التوقف عند شخصيات تكرر ذكرها واراد لها المؤلف أن تشاركه في تقديم أفكاره ورؤاه المخصوصين، فشخصيات مثل " دون"، "سوزان" و "بري"، تلك الشخصيات التي يهدي المؤلف كتابه في صفحة الكتاب الأخيرة اليهم، تبدو بتعقلها وجنونها حينا وباستاذيتها وعقلانيتها حينا اخر، طاغية على الأجواء العامة للكتاب.. ومن الصعب العصي نسيانها. أما على مستوى الاحداث، فهناك في الكتاب مواقف واحداث لا يمكن أن تنسى ايضا، واعتقد انها يمكن أن تشكل مادة دسمة لفيلم روائي من طراز رفيع في حال توفر كاتب سيناريو، دراماتورج، مؤيد للقضية الفلسطينية اولا ومتمكن من هواها ثانيا. من المشاهد التعبيرية البارز ة في هذا الكتاب، الذي نفضل أن ننعته بصفة النص الادبي، على طريقة الكاتبة المصرية اعتدال عثمان، فاذا ما كان هذا الكتاب قد استعصى على التجنيس الادبي، فبإمكاننا أن نطلق عليه صفة النص المذكورة بكل يسر وسهولة. اقول من المشاهد البارزة في هذا الكتاب مشهد وداع الكاتب، أو الراوي لوالده وهو مسجى تمهيدا لغيابه الاخير وعدم اقتراب ابنه منه، رهبة وخشية من الموت. الماثل أمامه. فهذه الرهبة تذكر كاتب هذه السطور بما شعر به من رهبة الموت خلال وقوفه قريبا من جثامين الكثيرين من اعزائه الراحلين، من بينهم والداه وشقيقاه، فان هذه الوقفة المرتعبة تشبه وقفة بطل رواية "الجبل السحري"، للكاتب الألماني توماس مان، خلال توديعه الاخير لإنسان عزيز جدا عليه. واذا كان هذا الموقف يضج بالرهبة، فهناك في الكتاب، مشاهد أخرى تحفل بالسخرية السوداء مثل ذلك المشهد الذي يستعرض فيه لقاءه الاول إبان طفولته الأولى في بيروت بالمصعد، فهو يرى بعين الطفل المصعد الذي يقل مستقليه إلى شققهم متعددة الأدوار، مجرد خزانة، وهو عندما يرى إحدى ساكنات العمارة " ام مروان، تستقل ذلك المصعد، ليعود إلى حيث هو يقف منتظرا، ناقلا فتاة صغيرة يراها حسين الطفل بعينه المحدودة..، يعتقد أن تلك الخزانة/ المصعد، ما هي إلا خزانة سحرية تحول الشيخ إلى طفل والطفل إلى شيخ. هذا التعبير مجازي أردت أن اجسد بواسطته رؤية الكاتب. أن ذلك الطفل، حسين البرئ الذكي، ما يلبث أن يكتشف حقيقية المصعد فيهتدي إلى زر إيقافه وتشغيله، فيمارس الامرين، متنقلا بينهما، وهارعا الى من علقوا، أو علقهم هو ذاته في المصعد لينقذهم، وليجود عليه بعض منهم ببعض من الاكراميات.
المشاهد التي يحفل بها هذا الكتاب العصي على القراءة إلى حد ما.. كثيرة، وليس من المستحب ولا المطلوب أن نتحدث عنها مجتمعة، بيد أنه من المفضل في رأينا أن نشير إلى واحد من المشاهد خفيفة الدم وذات المعنى العميق، ذلك المشهد يتمحور حول ارتباط الكاتب أو الرواي بالفتاة الأمريكية سوزان، تلك الفتاة / المرأة، التي ترفض أن تكون خادمة له كما تهتف به، فيضطر، خلافا لكل ما تربى عليه والفه في قريته البعيدة هناك في الضفة الغربية، إلى أن يقتسم معها طاولة القهوة أو الطعام، كل منهما، هما الاثنين، يقوم بتنظيف نصف الطاولة المستعمل من قبله والقريب منه!!.
تبرز في الكتاب إضافة واغناء له ولما تضمنه من سرد أو سرديات، تلك النقاشات الفلسفية التأملية الدالة على فعالية الضوء الازرق، تلك الفعالية الخارقة في قوتها وتبصرها، بين مؤلف الكتاب أو راويه، وبين ذلك العاقل المجنون المدعو بيري، الذي يفضل التشرد على الاستقرار، ربما بهدف الوصول إلى أعماق الحس الإنساني، ممثلا بحسه الذاتي للحياة. أما الجمل التي يتوقف عندها المؤلف، مثل جملة جبران خليل جبران القائلة؛" أن الإنسان يقاس إلا بإنجازاته لا بما بتوق إليه" (ص ٩٥)، أو مقولة هيراقليطس: "إن كثرة المعلومات لا لا تؤدي إلى الفهم". أو مقولته "أن اللوجوس خزان يتسع"- لكل شيء ( ص ١٠٧)، أقول إن مثل هكذا جمل واقوال، انما تضيف إلى هذا الكتاب الخاص والمميز.. قيمة أخرى فائضة.
***
ناجي ظاهر







