عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

جورج منصور: قراءة عميقة من الكاتب والمترجم جودت هوشيار

عندما يكتب عن كتابك في السيرة "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" كاتب ومترجم مرموق مثل الدكتور جودت هوشيار، فإن الأمر يتجاوز حدود القراءة العابرة أو الإشادة التقليدية. فالكتاب لا يكون أمام مراجعة عادية، بل أمام مرآة دقيقة تُعاد فيها صياغة نص الكاتب على يد قارئ محترف، يعرف كيف ينصت لما بين السطور، لا لما كُتب فيها فقط.

هوشيار لا يقرأ ليحكم، بل ليكشف. كأنه ينقّب في طبقات الذاكرة التي حاولتَ أن ترتّبها أو حتى أن تخفي بعض شقوقها. فهو يلتقط التفاصيل الصغيرة التي ظننتها عابرة، ويعيد وضعها في سياق يمنحها معنى أعمق، كأنها كانت تنتظر قارئاً مثله لتُولد من جديد.

في هذه اللحظة، تشعر أن سيرتك لم تعد ملكك وحدك. لقد أصبحت نصاً حيّاً يتنفس في وعي آخر، يتأملها بعين ناقدة، ولكن أيضاً بعين من يعرف ثقل التجربة الإنسانية وتعقيداتها. لا يجامل، لكنه لا يقسو؛ لا يبالغ، لكنه لا يبخس.

أن يكتب عنك كاتب مثله، هو نوع من الاعتراف غير المعلن: أنك كتبت ما يستحق التوقف عنده، وأن تجربتك لم تكن مجرد حكاية شخصية، بل جزء من سردية أوسع، تهم القارئ كما تهمك أنت.

وهكذا، لا تعود القراءة حدثاً عابراً، بل تصبح حواراً صامتاً بين كاتبين: أحدهما كتب الحياة كما عاشها، والآخر أعاد قراءتها كما فهمها.

وإليكم ما كتبه:

متعة السرد في «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا"

جودت هوشيار

يُعدّ كتاب «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» للكاتب جورج منصور من السير الذاتية التي تمزج بين الاعتراف الشخصي والسرد الروائي، في تجربة قراءة آسرة تتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الحكي المشوّق. فالكتاب لا يكتفي بسرد وقائع من حياة الكاتب، بل يحوّلها إلى مادة سردية نابضة، تتداخل فيها الذاكرة مع التأمل، والواقع مع البعد الإنساني الأعمق.

ينطلق منصور من تجربة شخصية حساسة، تتمحور حول اقترابه من عالم ديني وثقافي مختلف، في منطقة «غيمري» ذات الدلالات التاريخية والروحية، حيث كاد – كما يشير العنوان – أن يسلك مسارًا مغايرًا تمامًا لحياته. هذا المنعطف يشكّل العمود الفقري للنص، ويمنحه توترًا داخليًا يجعل القارئ مشدودًا منذ الصفحات الأولى، إذ يتابع رحلة التحوّل الفكري والوجداني بشغف متصاعد.

تكمن جاذبية الكتاب في أسلوبه السلس وقدرته على بناء مشاهد حية تنبض بالتفاصيل. فالسرد هنا ليس تقريريًا، بل أقرب إلى رواية تتكشّف تدريجيًا، حيث يُحسن الكاتب توظيف الإيقاع والتشويق، فينتقل بالقارئ بين لحظات التأمل العميق والمواقف الدرامية التي تحمل مفارقات إنسانية لافتة. كما أن الصدق العاطفي في الطرح يعزّز هذا التأثير، ويجعل التجربة قريبة ومؤثرة.

ولا يقلّ البعد الثقافي أهمية عن الجانب الشخصي، إذ يقدّم الكتاب نافذة على عوالم فكرية ودينية قد تبدو بعيدة عن القارئ، لكنه ينجح في تقريبها من خلال لغة واضحة وحكايات مشوقة، مما يضفي على النص طابعًا استكشافيًا يزيد من متعته.

في المحصلة، يبرز «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» كسيرة ذاتية مشوّقة لا تُقرأ بوصفها سردًا لحياة فرد فحسب، بل كتجربة إنسانية غنية بالتحولات والأسئلة، تُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم، وتمنحه متعة القراءة بقدر ما تثير فيه التفكير.

***

جورج منصور