عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

نايف عبوش: العصرنة.. إيجابيات واعدة وتداعيات صاخبة

يشهد عالم اليوم تقدما متسارعا في كل المجالات، حتى بات الزمن في سيرورته، يبدو وكأنه يهرول راكضا، بحيث بات يصعب على الانسان أن يلحق بإيقاعه المتسارع.

وهكذا فرضت العصرنة نفسها كظاهرة صيرورة مستمرة، وليست حالة عابرة، لاسيما بعد أن توغلت في كل تفاصيل مفرادت حياتنا، وأعادت تشكيل عاداتنا، وطرائق تفكيرنا، وملامح أحلامنا .

ولاربب أن الإنسان استقبل العصرنة حس ايجابي ابتداءا، بما حملته له معها من وعود براقة، بعالم أكثر تواصلا، واستقرارا، وراحة، ومعرفة بلا حدود، وفرص استخدام أوسع للحياة، حيث بتقارب البعيد، وتتلاشى الحدود، ويصبح العالم بأسره قرية صغيرة، مفتوحة الجوانب على شاشة صغيرة، يحملها المرء في كفه أينما حل، وارتحل.

ومع ان وسائل التواصل قد ازدادت فعلاً، إلا ان مسافات الود اخذت تتباعد في كثير من الأحيان. وغدت المجالس التي كانت تضج بالضحكات، والأحاديث الحميمة، تستبدل بصمت الشاشات المقرف، حيث يجلس الجميع في المكان ذاته، لكن كل واحد منهم، يقيم في عالم آخر.

وفي خضم تداعيات هذا الصخب، برز ذلك التناقض الغريب، بين تفاؤل يوحي بمستقبل أكثر إشراقاً، وتشاؤم يهمس في أعماق النفوس، بأن شيئاً من دفء الحياة القديمة، والموروث، بات يتسرب بصمت، بعيداً عنا.

إنها مفارقة العصر الحديث حقاً، فقد امتلأت البيوت بالأجهزة الذكية، لكن القلوب كثيراً ما افتقدت دفء الحضور الإنساني. بعد ان تدفقت المعلومات كالسيل، وانغمس الانسان في الفضاء المعلوماتي حد الادمان، وانفصل عن واقعه الاجتماعي الحقيقي، حيث ازدادت الحيرة في معرفة ما يستحق الإصغاء إليه، بعد أن اتسعت دوائر الاتصال، حتى بات الإنسان يشعر بغربة لم يألفها أسلافه، الذين كانت بيوتهم الطينية أضيق مساحة، ولكنها أكثر اتساعاً بالمحبة والطمأنينة، حيث باتت مشكلة انسان اليوم، تكمن في عجزه أن يبقى سيد الالة، لا أسيرا لها، لاسيما بعد أن فقد القدرة على المحافظة على إنسانيته وسط زحام اتمتة صارخة، فقد معها، دفء رواحه، وسط برودة الشاشات الزرقاء.

ولا ريب إن الإنسان لا يعيش بالإنجازت وحدها، بل يحتاج إلى لحظات صمت، يتأمل فيها ذاته، وإلى وجوه يقرأ فيها الطمأنينة، وإلى ذاكرة تحفظ له جذوره، وهو يعيش الحاضر، يتطلع نحو المستقبل.

وفي زحمة هذا الضجيج الصاخب، يتطلب الأمر تناغما متوازنا مع متطلبات العصرنة، بالاستفادة من انجازاتها الإيجابية، بما يعيننا على الحياة الكريمة، والتمسك في الوقت ذاته بقيم وتقاليد الموروث، التي تحفظ للإنسان أصالة روحه، ومعناه، ودفء وجوده.

فالعصرنة، مهما تعالى صخبها، ستبقى مجرد وسيلة للتطور، في حين أن الغاية الحقيقية هي أن يظل الإنسان إنساناً، بقلبه، ووجدانه، وحنينه، وقدرته الدائمة على صناعة الجمال، وسط ضجيج العصرنة الصاخب.

***

نايف عبوش

 

في المثقف اليوم