بين مذاهب النحاة وأسرار التعبير القرآني
«وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ»: حينُ اللغة حينَ تضيقُ المخارج
قال الله تعالى:
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
تُعدّ عبارة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ من التراكيب القرآنية التي اجتمع فيها جلال البيان ودقّة البناء النحوي وعمق الدلالة؛ إذ تختزل في كلمات قليلة معنى فوات الأوان وانسداد سبيل النجاة. وقد استوقفت كلمة «ولات» على وجه الخصوص أئمة العربية، فتعددت في إعرابها وتوجيهها آراء البصريين والكوفيين، وتباينت اجتهادات اللغويين في أصلها وعملها وما يليها من ألفاظ الزمان. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتتتبع المسألة في ضوء أقوال النحاة وفقهاء اللغة، مع الوقوف على ما في التركيب القرآني من أسرار الحذف والإضمار والإيجاز، وكيف تتضافر الصناعة النحوية مع الدلالة لتجعل من العبارة القصيرة نصًّا بالغ الكثافة والجمال.
في هذه الآية القصيرة تتكاثف طبقاتٌ من العربية: النفي، والزمن، والحذف، والإضمار، والتقديم والتأخير، ودقّة الدلالة؛ حتى غدت عبارة «ولات حين مناص» واحدةً من أكثر التراكيب القرآنية إثارةً لاهتمام النحاة واللغويين.
فالمعنى الإجمالي: نادوا واستغاثوا، ولكن لم يكن ثمّة وقتٌ للفرار أو النجاة؛ فقد جاء الاستغاثة بعد فوات أوانها، وصار الزمن نفسه مغلقًا في وجوههم. وقد فُسِّر «مناص» بالمنجى والمفرّ، وأصلها من ناصَ يَنوصُ، أي فرَّ أو تأخّر، وقيل أيضًا: تقدّم؛ فهي من الألفاظ التي دارت في العربية على معانٍ متقابلة.
أولًا: ما «لات»؟
«لات» أداة نفي، وهي في أشهر مذاهب النحاة مشبّهة بـ«ليس»، غير أنها ليست مطلقة التصرف كـ«ليس»، بل ارتبط استعمالها ـ في مذهب سيبويه ـ بأسماء الزمان، ولا سيما «حين» وما جرى مجراها. والتاء فيها عند سيبويه زائدة، أُلحقت بـ«لا»، كما أُلحقت التاء في بعض الاستعمالات بـ«ثم» و«رب».
ومن هنا يصبح التركيب قريباً في بنيته من:
ليس الحينُ حينَ مناصٍ.
لكن العربية حذفت أحد ركني التركيب، فجاءت العبارة القرآنية في غاية التكثيف:
ولاتَ حينَ مناصٍ.
وهنا تبدأ روعة الحذف؛ لأن المتكلم لا يقول: ليس هذا حينَ مناص، وإنما يترك للسامع أن يستحضر المحذوف من سياق الكلام.
ثانياً: مذهب سيبويه والبصريين
يذهب سيبويه إلى أن «لات» محمولة على «ليس» في العمل والمعنى؛ لأنها أداة نفي، وأن اسمها مضمر في الآية، و«حين» خبرها منصوب.
وعلى هذا يكون التقدير:
ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.
أي:
ليس الحينُ حينَ مناصٍ.
وبعبارة أوضح: ليس هذا الوقت وقتَ فرارٍ أو نجاةٍ.
وهذا الوجه هو الأشهر في توجيه الآية؛ لأن القراءة المتواترة جاءت:
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
بنصب «حين». وقد نقل عن سيبويه أيضًا أن العرب قد ترفع «حين»، لكنه عدّ الرفع قليلًا.
ويتميز مذهب سيبويه بدقة نحوية لافتة: فـ«لات» لا تعمل عمل «ليس» على إطلاقه، بل يضيق مجالها، فتتصل بالزمن، ولذلك كان من أمثلتها:
ولاتَ حينَ مناصٍ.
ولاتَ أوانَ فرارٍ.
ولاتَ ساعةَ ندمٍ.
وقد أورد النحاة شواهد شعرية على هذا الاستعمال، منها:
طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ
فَأَجَبْنا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ
وهو شاهد يبرز اقتران «لات» بالزمن.
ثالثاً: الكوفيون واتساع النظر في «لات»
أما المدرسة الكوفية فلم تتعامل مع المسألة على النحو نفسه الذي استقر عند البصريين؛ فقد نُقلت عن نحاة الكوفة أوجه متعددة في «لات»، من بينها القول بإمكان جرّ ما بعدها في بعض الاستعمالات، مع توجيهات مختلفة لطبيعة التاء ووظيفتها. وقد نقل الطبري عن بعض نحويي الكوفة أنهم أجازوا أن تُضاف «لات» وأن تُخفض بها في بعض الشواهد.
وهنا تظهر سمة مهمة من سمات الخلاف بين المدرستين:
البصريون يميلون إلى ضبط القاعدة وتقعيدها، والكوفيون أوسع احتفاءً بما ورد عن العرب من شواهد واستعمالات.
ولا يعني ذلك أن البصريين يرفضون السماع أو أن الكوفيين يهملون القياس؛ وإنما هو اختلاف في منهج بناء القاعدة النحوية وحدود الاحتجاج بالشاهد.
رابعاً: الأخفش يفتح باباً آخر
وتزداد المسألة ثراءً عند الأخفش؛ فقد نُقل عنه أكثر من توجيه، ومن ذلك أن «حين» يمكن أن تكون اسم «لات»، ويكون خبرها محذوفًا.
وعلى هذا يكون التقدير:
ولاتَ حينَ مناصٍ لهم.
أي إن «حين» اسم، والخبر محذوف دلّ عليه السياق.
كما نُقل عنه وجه آخر يجعل «لات» مهملة، ويُقدَّر عامل آخر في «حين».
وهذا الاختلاف ليس مجرد تمرين إعرابي؛ إذ يكشف لنا أن النحاة كانوا يتعاملون مع النص العربي بوصفه بنية مفتوحة على احتمالات التقدير، ما دام المعنى والسماع يسمحان بذلك.
خامساً: هل «حين» اسم «لات» أم خبرها؟
هنا لبّ المسألة.
على مذهب سيبويه:
لاتَ: نافية تعمل عمل ليس.
اسمها: محذوف، تقديره «الحين».
حين: خبر «لات» منصوب.
مناص: مضاف إليه.
فيكون التقدير:
ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.
وعلى بعض أوجه الأخفش:
لات: عاملة.
حين: اسمها.
خبرها: محذوف، تقديره «كائنٌ» أو «حاصلٌ لهم» ونحو ذلك بحسب التوجيه.
وهناك وجه آخر يجعل «لات» غير عاملة، و«حين» مبتدأ، وخبره محذوف. وقد عرضت كتب إعراب القرآن هذه الأوجه وربطتها باختلاف النحاة والقراءات.
وهكذا تتحول كلمة واحدة ـ «حين» ـ من خبر إلى اسم، بحسب المدرسة النحوية والتوجيه الذي يتبناه المعرب.
سادساً: لماذا قال القرآن «ولات حين مناص»؟
هنا تنتقل المسألة من النحو إلى البلاغة.
لم يقل القرآن الكريم:
فنادوا وليس حينَ مناص.
ولم يقل:
فنادوا فلم يكن لهم حينٌ للمناص.
بل جاء التركيب مكثفاً:
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
فإذا كان «حين» خبر «لات» واسمها محذوف، فإن الحذف نفسه يصنع إحساسًا بالعجلة والانقطاع.
لقد نادوا، لكن النداء جاء بعد انغلاق الزمن.
كأن اللغة نفسها تقول:
كان يمكن أن يكون للمناص وقت، لكن ذلك الوقت مضى.
وهنا يصبح الزمن فاعلًا في المأساة.
ليس العجز في القوة وحدها؛ بل في فوات اللحظة.
فالإنسان قد يملك القوة، لكنه إذا فقد اللحظة فقد النجاة.
ومن هنا يمكن أن نفهم العمق البلاغي لعبارة:
ولات حين مناص.
فهي لا تعني فقط: لا فرار الآن، وإنما تحمل معنى أعمق:
لقد جاء النداء بعد انقضاء زمن الاستجابة.
سابعاً: «مناص» بين الفرار والتأخر
واللافت لغوياً أن «مناص» من مادة ن و ص، وقد ذكر اللغويون أن ناصَ يَنوصُ يأتي بمعنى فرَّ أو تأخر، ونُقل أيضاً معنى التقدم، ولذلك عُدّت المادة من الألفاظ التي احتملت معاني متقابلة بحسب السياق.
ومنها:
ناصَ عن الأمر: ابتعد عنه أو فرّ منه.
استناص: طلب المفرّ أو النجاة.
وعليه فإن:
مناص يساوي مفرّ، مهرب، منجى.
فتكون الآية الكريمة:
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
أي:
ليس ذلك وقتَ فرارٍ ولا مهرب.
وهذا ينسجم تمامًا مع سياق الهلاك؛ فقد جاءهم النداء والاستغاثة حين انقطعت إمكانية الخلاص.
ثامناً: هل التاء في «لات» تاء التأنيث؟
هذه من المسائل الطريفة التي شغلت النحاة.
ذهب سيبويه إلى أن التاء زائدة في «لات»، وحُمِلت على ما ورد في العربية من زيادة التاء في بعض الأدوات، بينما رأى آخرون فيها وجوهًا أخرى متصلة بالتأنيث أو بالبنية الصوتية للكلمة.
ومن هنا جاءت مسألة الوقف:
هل يُوقف على:
ولاتْ
ثم يُستأنف:
حين مناص
أم تُوصل الكلمة بما بعدها؟
وقد نقلت المصادر أن سيبويه والفراء وابن كيسان والزجاج ذهبوا إلى الوقف على «ولات»، في حين نُقل عن الكسائي وجه الوقف بالهاء: «ولاه»، وهو خلاف يكشف مقدار العناية التي بذلها علماء العربية في ضبط الصوت والوقف والرسم والأداء.
تاسعاً: أمثلة تطبيقية
يمكن أن نتصور عمل «لات» في تراكيب عربية فصيحة على النحو الآتي:
١. ولاتَ حينَ ندمٍ
أي:
ليس الوقتُ وقتَ ندمٍ.
٢. ولاتَ ساعةَ فرارٍ
أي:
ليست الساعةُ ساعةَ فرارٍ.
٣. ولاتَ أوانَ اعتذارٍ
أي:
ليس هذا أوانَ الاعتذار.
٤. ولاتَ حينَ رجوعٍ
أي:
ليس هذا الزمن زمنَ الرجوع.
وهذه الأمثلة تكشف خاصية «لات»: أنها لا تنفي مجرد وقوع الشيء، وإنما تنفي صلاحيّة الزمن له.
فحين تقول:
ليس وقتُك وقتَ الرحيل
فأنت تنفي مناسبة الزمن للرحيل.
أما حين تقول:
ولات حين رحيل
فإن في العبارة إيحاءً بأن الزمن نفسه قد أغلق أبوابه.
خاتمة: حينُ النحو يصبح فلسفةً للزمن
ليست «ولات حين مناص» مسألةً نحويةً عابرة، ولا مجرد خلاف بين البصريين والكوفيين حول عاملٍ محذوف أو اسمٍ مضمر؛ إنها نموذج بديع لكيف تستطيع العربية أن تحمل في تركيب صغير تاريخًا طويلًا من التفكير اللغوي.
فسيبويه يرى فيها أثر «ليس»، والأخفش يفتح لها بابًا آخر في الإعراب، والكوفيون يوسّعون دائرة السماع والتوجيه، واللغويون يتتبعون أصل «مناص»، والمفسرون يستخرجون من العبارة معنى الفوات وانغلاق أبواب النجاة.
لكن وراء كل هذه الدقائق النحوية يقف المعنى الأكبر:
أن للإنسان وقتًا يستطيع فيه أن يفرّ، ووقتًا يستطيع فيه أن يعتذر، ووقتًا يستطيع فيه أن يعود؛ فإذا انقضى الوقت، لم تعد كثرة النداء تصنع مخرجًا.
ولهذا جاءت العبارة القرآنية في غاية القصر:
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
كأن العربية نفسها أغلقت بابها عند آخر كلمة.
فالـ«لات» تنفي، و«حين» يحدّد الزمن، و«مناص» يفتح معنى النجاة؛ ثم يأتي الحذف ليقول، بصمتٍ أبلغ من الكلام:
لقد انتهى الوقت.
وهنا تبلغ العربية واحدةً من أصفى لحظاتها: (حين يتحول الإعراب إلى معنى، ويتحول الحذف إلى دلالة، ويتحول الزمن من ظرفٍ في الجملة إلى قدرٍ لا فكاك منه).
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








