ظلٌت أمٌه في كل عيد إضحى تجمع له من الأقرباء سبعة ألسن ليأكلها على بركة اللّه مع الأمل أن تحُلَّ الألسن السّبعة عُقدة لسانه ولكن وبعد أن عادت أعياد عديدة ثم مضت ولا جديدٌ اِستسلمت الأمّ إلى القضاء والقدر يائسة حينا راجية أحيانا فما نفعت تلك الألسن السّبعة لسانَ ولدِها الوكواكِ بشيء
(2)
في حيّ الغُبار والشّمس وعلى مشارف صحراء الجنوب يُخبّئ الولد لسانه الثقيل عن الناس فلا يشارك في الكلام بينهم بل كان يكتفي بالبسمة مرة وبإشارة الرأس مرّة وبضرب الرِّجْل على الأرض تعبيرًا عن المكان القريب او برفع اليد إلى الأمام مشيرا بإصبعه كناية عن المكان البعيد... هكذا تعلم الولد الصّمت والإنصات واِستغنى بقليل الكلام اليسير عن كثيره العسير وآمن بالطّبع أن البلاغة في الإيجاز فتجنّب ـ والحمد الله ـ الثرثرة ورُبّ ضارّة نافعة
(3)
وكان ذلك اليومُ العظيم وما أدراك ما ذلك اليومُ ! يومُ الدّخول إلى المدرسة فزاد لسانُ الولد ثِقَلا على ثِقَل وها هو يُزَحزحُه في فمه بين فكّيه يَمنةً ويَسرةً وأسفل وأعلى فلا يَقدر على الرٌاء والظاء والدّال وقد يسُدّ لسانه عليه الهواء إن هو حاول في الحلق إخراج القاف من الأعماق أمّا عندما تهُمّ به الباءُ أو التاء أو الفاءُ فإنّ الدّنيا تنسَدُّ عليه وما أدراك ما التأتأة التي يعقبها البكاءُ يُطفئ به جمرةً في القلب
(4)
الولدُ الذي جلس في الشّمس
ونام في المغارات
مازال يجلس فى الصّمت
يقف في القلق
يُراقب جدرانا مُشقّقة
وحوافر مفلّلة
وفوارس مُثخنة
وهوادج ...بلا زغردة
فالولد حزين حزين
جفّت بسمتهُ
كالطّين
(5)
معَ سيلان أعوام العمر بالصّبر والعذاب وبالمُجاهدة صارت الأبجدية سَلِسَلة على لسانه ...نعم إنٌ سيزيف أوصل هذه المرّة الصّخرة إلى القمّة ولم تتدحرج كالعادة نحو السّفح فجَرى الكلامُ على لسانه طَيّعا يدعُوه فيستجيب له ولكنّه اليومَ حينما يسقط حرفٌ من نصّه أو حينما تحتجب جريدة من الجرائد أو حينما يُمنع كتاب من الكتب فإن تلك الحالة القديمة تعود إليه فيثقل لسانه كما كان وتتعسّر الحروف وتضطرب في كلامه حتى يكاد يختنق فيتأكّد أنّه ليس وحده الذي لم يستطيع إبلاغ صوته ....نعم ليس وحدَه الوكواك !؟
***
سُوف عبيد - تونس








