عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

غدير الزبون: يا تُرى ماذا كان يخطر في بال مخترع الشُّبّاك؟

في هذا المساء يمدّ أيلول يده الباردة قليلًا إلى نافذتي، تسلّل من الشقّ الضيّق عطرُ ترابٍ مبتلّ، يبدو أنّ المطر القديم لم يغادر المكان تمامًا، وكأنّ الأرض خبّأت رائحته في قلبها لتستعيده كلما اشتاق الإنسان إلى شيء لا يعرف له اسمًا.

كان المساء بلونٍ بنفسجيّ خافت، تتكئ أطرافه على زرقةٍ بعيدة، فيما كانت شمسٌ نحيلة تنسحب من وراء التلال تاركةً على زجاج النافذة خيطًا ذهبيًا أخيرًا.

وقفتُ أمام الشباك طويلًا، وسألتُ نفسي، ثم سألتك أنت أيها القارئ: يا تُرى ماذا كان يخطر في بال مخترع الشباك عندما اخترعه؟

أكان يريد للبيت أن يتنفّس؟ أم كان يعرف قبلنا جميعًا أنّ الإنسان لا يستطيع أنْ يعيش داخل جدارٍ مغلق مهما كان دافئًا؟

لعلّه كان عاشقًا للحرية، فاخترع منفذًا صغيرًا كي لا يتحول المكان إلى سجن. ولعلّه كان عاشقًا للضوء، فأدرك أنّ عتمة الغرفة لا تُهزم بمصباح، وإنما بشقٍّ صغير تسمح منه الشمس أنْ تقول للظلام: لستَ قَدَرًا.

وربما كان عاشقًا للشمس، وللقمر، وللنجوم، وللمطر، وربما كان عاشقًا للعشق نفسه، فأراد أنْ يترك للغائب مكانًا كي يجيء، وللعابر فرصة كي يلوّح، وللسماء نافذة كي تنظر إلينا.

ألم يكن محمود درويش يعرف شيئًا من هذا عندما جعل من النافذة مسافةً بين المنفى والوطن، وبين ما نراه وما نحلم أنْ نراه؟ وألم تكن فيروز عندما تغني في الصباح والمساء تفتح لنا شباكًا في الروح؟ لذلك لا أظن أنّ الشباك اختراع هندسي محض، فأنا أراه فكرةً فلسفية سبقت الحجر، وإعلانًا مبكرًا بأنّ الإنسان مهما أحاط نفسه بالجدران سيظل محتاجًا إلى منفذٍ صغير نحو العالم.

ولأنك تقرأني الآن دعني أقول لك شيئًا: ربما لم يخترع الإنسان الشباك كي يرى الخارج، وإنما كي يتأكد أنّ الخارج ما زال موجودًا.

وهذه هي حُجّتي، فنحن نفتح النوافذ لأنّ أرواحنا تضيق عندما لا تجد احتمالًا آخر.

انظر إلى الشباك جيدًا سترى نصفه بيتًا يحميك، ونصفه طريقًا يحرّضك على الرحيل، إنّ نصفه أمان، ونصفه سؤال. ولهذا كان غسان كنفاني يعرف أنّ الفلسطيني لا يحتاج إلى بابٍ واسع كي يحلم بالعودة، يكفيه أحيانًا شباكٌ صغير يرى منه جهةً تشبه البلاد.

ولنفس السبب ظل ناجي العلي يرسم حنظلة واقفًا بظهره إلى العالم، ويكأنّ ظهره صار شباكًا مفتوحًا على فلسطين، فالصمت يمكن أنْ يكون أبلغ من كل الكلام.

وفي هذا المساء تتداخل رائحة القهوة مع رائحة المطر، ويصير لون السماء شبيهًا بصفحةٍ قديمة من دفتر درويش، و تبدو نجمةٌ وحيدة فوق المدينة كأنها أغنية لفيروز تأخرت قليلًا عن موعدها، ولا زلت أفكّر لعل مخترع الشباك لم يكن مهندسًا أصلًا، لعلّه كان شاعرًا، أو عاشقًا، أو سجينًا، أو إنسانًا اكتشف مبكرًا أنّ الحرية تبدأ من فتحةٍ صغيرة في جدارٍ كبير.

فقل لي أيها القارئ: ماذا كنت ستخترع لو كنت مكانه؟ بابًا للخروج؟ أم شباكًا يكفي لأنْ تدخل منه الشمس؟

أما أنا، ففي هذا المساء لا أريد أكثر من نافذةٍ مفتوحة على جهةٍ لا أعرفها، لعلّ المطر يدخل منها، أو يمرّ وجهٌ أحببناه، أو تصل أغنيةٌ من صوت فيروز، أو يطلّ درويش من جهة الغياب، أو يمرّ كنفاني حاملًا سؤالًا لم يُجب عنه بعد، ويقف ناجي العلي عند حافتها صامتًا، ليقول لنا دون أنْ يقول: كلّ جدارٍ يحتاج إلى شباك، وكلّ قلبٍ يحتاج إلى جهةٍ مفتوحة على الحرية.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين 🇵🇸

في المثقف اليوم