الجرجاني والزمخشري وأسامة بن منقذ في أفق البلاغة العربية
لم تكن البلاغة العربية ترفاً لغوياً، ولا استعراضاً لزخارف القول، بل كانت سعياً إلى اكتشاف الأسرار التي تجعل الكلام يتجاوز ألفاظه إلى طاقاته الدلالية والجمالية، وتمنح اللغة قدرةً على تشكيل المعنى وإعادة بناء الوعي به. وفي هذا الأفق المعرفي تتجاور جهود عبد القاهر الجرجاني، والزمخشري، وأسامة بن منقذ، بوصفها مسارات متمايزة تتكامل في الكشف عن عبقرية البيان العربي.
أرسى عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز تصوراً عميقاً للنظم، قوامه أن بلاغة الكلام لا تنبع من الألفاظ مفردةً، وإنما من العلاقات التي تنتظم بينها وفق معاني النحو ومقتضيات السياق. فالكلمة لا تستنفد دلالتها في ذاتها، بل تتشكل قيمتها من موقعها في التركيب، ومن صلاتها بما يجاورها، ومن الأثر الذي ينشأ عن تآلف عناصر الخطاب. وهكذا نقل الجرجاني البحث البلاغي من النظر إلى المفردات بوصفها وحدات مستقلة إلى تحليل العلاقات التي تصنع المعنى وتمنحه فرادته.
أما الزمخشري، فقد جعل من كتابه الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل ميداناً تطبيقياً واسعاً للتحليل اللغوي والبلاغي للقرآن الكريم؛ فكشف، من خلال النحو والبيان والمعاني، عن دقائق التعبير القرآني ووجوه اختلاف الدلالة باختلاف الصياغة والتركيب. وإذا كان الجرجاني قد عني بتأصيل النظرية وتفسير آلياتها، فإن الزمخشري أظهر طاقتها في قراءة النص القرآني، مستنطقاً علاقات التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتصوير والاستعارة، وما تنطوي عليه من أسرار بلاغية.
وفي مسار آخر، أسهم أسامة بن منقذ، ولا سيما في كتابه البديع في نقد الشعر، في وصل المعرفة البلاغية بالممارسة النقدية، متناولاً فنون البديع وطرائق التعبير والصور التي تمنح الشعر خصوصيته الفنية. وتبرز أهمية تجربته في انتقال البلاغة من تصنيف الظواهر الأسلوبية إلى معاينة حضورها في النصوص الأدبية، وإن اختلف منهجه وغاياته عن مشروع الجرجاني النظري وعن المنحى التفسيري للزمخشري.
إن القيمة العلمية لهذه التجارب لا تكمن في جمعها تحت عنوان واحد، بل في إدراك الفروق المنهجية بينها: الجرجاني يؤصّل علاقات النظم، والزمخشري يكشف تجليات البيان في التفسير، وأسامة بن منقذ يدرس وجوه الصنعة البلاغية في النقد الأدبي. ومن هذا التمايز تتشكل صورة غنية لتطور التفكير البلاغي العربي، حيث يتفاعل التنظير مع التطبيق، ويتجاور النص القرآني مع الإبداع الشعري، وتتسع اللغة من أداة للتواصل إلى موضوع للتأمل والتحليل.
وهكذا يتبدّى الإعجاز البياني، في هذا الأفق، سؤالاً عن العلاقة بين اللفظ والمعنى، لا مجرد تعداد للمحسنات؛ وتغدو البلاغة علماً يبحث في كيفية تشكّل الدلالة، وفي السر الذي يجعل العبارة أكثر اتساعاً من مفرداتها، وأعمق أثراً من ظاهرها.
فاللغة لا تبلغ ذروة جمالها بما تختزنه من ألفاظ، بل بما تنشئه بينها من علاقات؛ هناك، في المسافة الخفية بين الكلمة وموقعها، يولد المعنى، ويشرق البيان.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








