أقلام فكرية

إيمان عامر: السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو.. حياة تحت الرقابة أو فلسفة حكم الحياة؟

شهد الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر تحوّلًا جذريًا في فهم طبيعة السلطة وآليات ممارستها، إذ لم تعد السلطة تُختزل في مظاهر القمع المباشر أو في سلطة السيادة التي تتجلى في الحق في القتل أو العقاب، بل غدت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، متسللة إلى أدق تفاصيل الحياة الإنسانية. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم السياسة الحيوية  Biopolitique كما صاغه ميشيل فوكو بوصفه أحد المفاهيم المركزية التي أعادت التفكير في العلاقة بين السلطة والحياة، وبين السياسة والجسد، وبين الدولة والفرد.

وتنطلق السياسة الحيوية من تصور جديد للبيولوجيا لا باعتبارها علمًا محايدًا يدرس الكائن الحي، بل باعتبارها مجالًا سياسيًا بامتياز، تُمارَس من خلاله جملة من الإجراءات والتقنيات التنظيمية التي تستهدف حياة السكان في كليتها. فالحياة، وفق هذا المنظور، لم تعد شأنًا خاصًا أو معطًى طبيعيًا فحسب، بل أصبحت موضوعًا للحساب والتدبير والتدخل، ومجالًا للاستثمار السياسي والاقتصادي. وقد عزّز فوكو هذا الطرح من خلال نحته لمفهوم البيوسياسة بوصفه شكلًا حديثًا من أشكال السلطة، يهدف ظاهريًا إلى تحسين الحياة وحمايتها، لكنه في العمق يسعى إلى إدارتها والتحكم في مساراتها.

كما تتجلى السياسة الحيوية في سياسات الدولة الصحية، وفي آليات محاربة الأمراض والأوبئة، وفي الإحصاءات المتعلقة بمعدلات الولادة والوفيات، وفي تنظيم الأمن، وضبط الفضاءات، ومراقبة الأجساد، بل وفي استثمار الجسد الإنساني داخل مخابر البيولوجيا والطب والتكنولوجيا الحيوية، بدعوى تحسينه، وتطوير قدراته، وإزالة العوائق التي تعيق أداءه الوظيفي. وبهذا المعنى، تتحول الحياة ذاتها إلى مشروع سياسي مستمر، يخضع لمنطق التنظيم والتطبيع.

غير أن هذا التوجه، وإن بدا في ظاهره تعبيرًا عن تقدم إنساني واستكمالًا لمشروع فلسفة الحداثة القائم على فكرة التقدم وتحقيق السعادة والرفاه، يطرح في العمق إشكالات أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصبح الحياة موضوعًا للسلطة، وحين يُختزل الجسد الإنساني إلى قوة إنتاجية أو رأسمال حيوي، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بحماية الحياة، بل أيضًا بحدود التدخل فيها، وبمن يملك حق تقرير ما يُعدّ حياة سوية أو نافعة أو قابلة للاستثمار.

من هنا يبرز التساؤل حول مستقبل البيواتيقا Bioéthique التي تنادي بحماية الإنسان وكرامته، في ظل هيمنة المنطق الليبرالي والرأسمالي الذي لا يتوقف عن تحقيق الكسب الوفير عبر استثمار الجسد الإنساني، والنظر إليه باعتباره مكسبًا طبيعيًا ورهانًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد. فهل نحن أمام سلطة تحمي الحياة، أم أمام نمط جديد من الحكم يُخضعها للمراقبة والتطبيع الدائمين؟

وعليه، يسعى هذا البحث إلى مساءلة مفهوم السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو، من خلال تحليل آليات اشتغالها، وكشف رهاناتها الفلسفية والسياسية، وبيان التوتر القائم بين خطاب حماية الحياة وممارسات إخضاعها. كما يهدف إلى الإجابة عن الإشكال المركزي التالي: هل تمثل السياسة الحيوية فلسفة لحكم الحياة وتدبيرها عقلانيًا، أم أنها شكل جديد من أشكال الرقابة الشاملة التي تُمارَس باسم الحياة ذاتها؟

"السلطة هي عبارة عن علاقات قوى لا حصر لها " هكذا يعبر ميشيل فوكو عن مفهوم السلطة، الذي لا يشبه المفاهيم الأخرى ذات الطابع القانوني والتقليدي لاغير، انطلاقًا من تصوره لهذا المفهوم "السلطة" بوصفها شبكة من العلاقات المنتشرة في الجسد الاجتماعي، سعى ميشيل فوكو إلى تتبّع آثارها العميقة على الإنسان، مبرزًا كيف تحوّلت من ممارسة قمعية مباشرة إلى تقنيات دقيقة لضبط الأجساد والحياة. ففي كتابه المراقبة والمعاقبة يكشف فوكو عن الانتقال من التعذيب الجسدي العلني، الذي كان يُمارَس باسم سلطة السيادة، إلى أشكال أكثر لطفًا ونجاعة عبر مؤسسة السجن، حيث لا تقوم السلطة على العقاب بقدر ما تقوم على التهيئة والمراقبة والتطبيع، بما يؤدي إلى انضباط السلوكات ذاتيًا. وفي هذا السياق، تم خلال العصر الكلاسيكي اكتشاف الجسد بوصفه موضوعًا وهدفًا للسلطة، جسدًا يُدرَّب ويُطوَّع وتُنمّى قواه ليصبح نافعًا ومطيعًا، سواء داخل المؤسسات العقابية أو ضمن أجهزة الدولة. ومع تطور العلوم والتقنيات، انتقل هذا الاستثمار من مستوى الجسد المنضبط إلى مستوى الحياة البيولوجية ذاتها، ليغدو الاهتمام بالسكان، بالصحة، والولادة، والمرض، والموت، هاجسًا سياسيًا مركزيًا. ويرى فوكو أن هذا التحول له جذور تاريخية عميقة، إذ لم تنفصل الحياة البيولوجية عن المجال السياسي منذ القدم، بفعل الأوبئة والمجاعات والكوارث التي فرضت تدخل السلطة في تنظيم الحياة. غير أن الحداثة كرّست منعطفًا حاسمًا، حيث لم تعد السلطة تتعامل مع رعايا قانونيين يكون الموت أقصى حدود تأثيرها عليهم، بل مع كائنات حية أصبح تأثيرها موجّهًا نحو الحياة نفسها، من خلال إدارة الأجساد والتنظيم الحسابي للسكان. وتكشف العلاقة التاريخية بين السياسة الحيوية والرأسمالية أن هذا التحول يستهدف تحقيق أكبر قدر من المنافع من الجسد والسكان بأقل كلفة سياسية، بحيث أصبحت السياسات الحديثة انشغالات حيوية تهدف إلى الاستثمار الاقتصادي في العنصر الحيوي بوصفه رهانًا استراتيجيًا للحكم.

اذن، تفهم السياسة الحيوية، بوصفها مجموعة من الظواهر والآليات التي تكتسب أهمية بالغة، من حيث إنها تمثل جملة من الميكانيزمات التي غدت من خلالها السمات البيولوجية الأساسية للنوع الإنساني موضوعًا لاستراتيجية سياسية شاملة، أي لاستراتيجية عامة للسلطة. وتعكس هذه السياسة الكيفية التي أخذت بها المجتمعات الغربية الحديثة، منذ القرن الثامن عشر، الحقيقة البيولوجية القائلة بأن الكائنات البشرية ليست مجرد ذوات قانونية أو أفرادًا أخلاقيين، بل هي قبل كل شيء كائنات حية تنتمي إلى نوع إنساني، يمكن تنظيمه، وضبطه، وإدارته وفق منطق علمي وإحصائي يخدم رهانات الحكم.

وتُعرَّف السياسة الحيوية أيضا، بحسب فوكو، بأنها اهتمام السلطة بالإنسان بوصفه كائنًا حيًا، أي ما يشير إلى حدوث نوع من دولنة البيولوجي، أو على الأقل بروز اتجاه عام نحو إدخال الحياة البيولوجية في مجال تدخل الدولة 1. فالدولة الحديثة لم تعد تكتفي بتنظيم الأفراد من منظور قانوني أو سياسي فحسب، بل اتجهت إلى الاهتمام بالبيولوجيا الحياتية والمخبرية، من خلال انخراطها المباشر في حياة الإنسان بوصفه جزءًا من نوع إنساني يعيش في جماعات، يتكاثر، وينمو، ويمرض، ويفنى. وبهذا المعنى، أصبحت الدولة فاعلًا مركزيًا في مراقبة هذه التفاصيل الحيوية الدقيقة، وضبطها عبر آليات إحصائية، وصحية، وأمنية، تجعل من الحياة ذاتها مجالًا للمعرفة والتدخل والتنظيم.

يرى ميشيل فوكو أن العمليات المرتبطة بالسياسة الحيوية تتجه أساسًا إلى النوع البشري بوصفه واقعًا بيولوجيًا جماعيًا، وذلك من خلال جملة من الإجراءات التي تمسّ ظواهر أساسية مثل الولادة، والوفاة، والخصوبة، والإنجاب، وهي ظواهر لم تعد تُفهم بمعزل عن الإشكالات الاقتصادية والسياسية التي تتقاطع معها2.  فالدول الحديثة تهتم بهذه العمليات عبر تقنيات دقيقة تستند إلى علوم مثل الإحصاء، والديمغرافيا، والبيولوجيا، بهدف ضبط توزيع السكان، وتنظيم معدلات المواليد والوفيات، وتحقيق معرفة شاملة بالسكان باعتبارهم موردًا استراتيجيًا. ومن خلال هذه المعرفة، تصبح الدولة قادرة على اتخاذ تدابير سياسية مناسبة، سواء في اتجاه تشجيع النمو السكاني حين يُنظر إليه بوصفه عامل قوة، أو في اتجاه الحدّ من الانفجار الديمغرافي حين يُعدّ تهديدًا للتوازن الاقتصادي والاجتماعي، كما هو الحال في بعض السياسات السكانية التي انتهجتها دول مثل الصين. وهكذا تتحول الحياة البيولوجية للسكان إلى مجال للتدخل السياسي المنظم، ضمن منطق تدبير الحياة وحكمها.

اذن يضعنا فوكو أمام مفارقة أساسية: فالسياسة الحيوية تقدم نفسها بوصفها فلسفة لحكم الحياة، تهدف إلى تحسين شروط الوجود الإنساني، والرفع من مستوى الصحة والأمن، لكنها في الوقت ذاته تؤسس لحياة خاضعة للرقابة الدائمة، حيث تُقاس الأجساد، وتُصنَّف، وتُقوَّم وفق معايير النفع، والإنتاج، والنجاعة. فالحياة التي تُدار هي حياة مراقَبة، والحياة التي تُحمى هي في الآن نفسه حياة مُخضَعة لمنطق السلطة والمعرفة.

ولا يقف تحليل فوكو عند حدود الوصف، بل يحمل في طياته بعدًا نقديًا عميقًا، خاصة حين نربط السياسة الحيوية بتطور الرأسمالية الحديثة. فالعلاقة التاريخية بين السياسة الحيوية والرأسمالية تكشف أن الاستثمار في الحياة والجسد لم يكن بريئًا، بل ارتبط بالحاجة إلى تعظيم الإنتاج، وضمان استمرارية القوى العاملة، وتحقيق أكبر قدر من المنافع بأقل كلفة سياسية ممكنة. وهنا يتحول الجسد الإنساني إلى رأسمال حيوي، وتغدو الحياة ذاتها رهانًا اقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد.

أمام هذا الواقع، تطرح السياسة الحيوية أسئلة أخلاقية وسياسية ملحّة، تتعلق بحدود تدخل الدولة في الحياة، وبمستقبل الحرية الفردية، وبإمكانات مقاومة هذا النمط من الحكم. فهل يمكن الحديث عن حماية للحياة دون إخضاعها؟ وهل يمكن للإنسان أن يحتفظ بكرامته في ظل تحويله إلى موضوع للقياس والتدبير؟ إن هذه التساؤلات تفتح المجال أمام التفكير في البيوأخلاقيات بأنواعها بوصفها محاولة لمواجهة النزعة الاختزالية التي تختزل الإنسان في بعده البيولوجي والوظيفي.

وعليه، فالسياسة الحيوية عند ميشيل فوكو هي في آن واحد حياة تحت الرقابة وفلسفة لحكم الحياة؛ إنها نمط من الحكم يبرّر تدخله باسم حماية الحياة وتحسينها، لكنه في الوقت نفسه يوسّع من دائرة السيطرة ليشمل أدق تفاصيل الوجود الإنساني. ومن هنا تكمن أهمية الفكر الفوكوي، لا في تقديم حلول جاهزة، بل في إيقاظ الوعي النقدي، ودفعنا إلى مساءلة أنماط السلطة التي تُمارَس علينا باسم الحياة ذاتها.

***

د. إيمان عامر

.........................

1-Michel foucault, il faut défendre la société, éditions- CD-Rom, France, 2012, page 233

  2-Idid, page 236

في المثقف اليوم