قراءات نقدية
نبيه القاسم: رواية "عين الزيتون" لمحمد علي طه
والثّغرةُ التي سَدَّتها في قصّة مَسيرة ثَبات وبَقاء الناس رغم النّكْبة
منذ النكبة عام 1948، وطَرْد وتَهْجير وتشْريد شعبنا العربي الفلسطيني كُتِبَتْ العشراتُ من الروايات والمسرحيات والمئاتُ من القصص القصيرة التي تناولت النكبة وما ألمَّ بأبناء الشعب الفلسطيني خلال السّبعين سنة التي عاشها في المُعاناة والعَذابات التي ظلَّت تُلاحقُه وتزيد من تشتّته وهو يتمسّك بالأمل، ويظلّ على يقين أنّ النهاية ستكون التي يرجو ويعمل لتَحقيقها.
لكن كلّ ما كُتب كان مَجزوءا ومَشطورا وناقصا، وفيه الكثير من إظهار مَشاهد الذلّ واليأس والتّسليم، ومثلها مَشاهد من العَنْتريّات والبُطولات الوهميّة التي تأخذ بمُخيّلة القارئ إلى عالم الفانتازيا والمُشتَهى بعيدا عن واقع الحياة اليوميّة.
قد نعتقد أنّ ما كُتب من روايات ومسرحيات وقصص لم يَغْفل عن أيّ صغيرة أو كبيرة، وهذا صحيح، ولكن تظلّ الأحداث التي كانت في السنتين اللتين ابتدأتا من يوم النكبة، وكيف كانت مواجهة أبناء وبنات شعبنا لهذا الاحتلال الغريب وللكيان الجديد وللقوانين الظالمة التي عملت على تقييد كلّ فلسطيني بقي في البلاد أو رغب في العودة إلى بيته وأهله وأرضه.
هذه الأيام الأولى لسقوط البلاد واحتلالها طغت عليها مَشاهدُ قوافل المُشرّدين المدفوعين نحو الحدود بعيدا عن بيوتهم ووطنهم، وكانت محورَ أكثر الأعمال الإبداعية التي كُتِبَت، وهنا كان الخَللُ في تأريخ هذه الأيام والأسابيع والأشهر، وبما جرى للذين بقوا من الأهل في وطنهم، وكيف تعايَشوا مع الحاكم الجديد وقوانينه؟
وكان إميل حبيبي قد خصّص هذه الفترة القصيرة بعد احتلال البلاد لتكون محورَ "المتشائل"، واختار الشخصيّةَ الرئيسية أو البطل للمتشائل شخصيةَ العربي الفلسطيني الفاقد لشخصيّته، المُعرِّف نفسه بالنَّدْل، يعيش حالة هزيمة روحيّة تُسيطر عليه، وتدفع به لأحضان العدوّ ليقومَ على خدمته.
وقد قال الدكتور إميل توما عن بطل المتشائل:
"إنّه نموذجٌ عَرَفَتْه جماهيرُنا العربية في شكل بارز بعد قيام الدولة يُمثّلُ الاستسلامَ والهزيمة وفي أحسن الحالات الاتكاليّة والتمسّكَ بالأحلام الغيبيّة. إنّه النموذجُ الذي ينبذُه الشعبُ ويتركه لمَصيره أو لشَتاته". (جريدة الاتحاد 13.9.1974)
وقد كان إميل توما ذكيّا ودقيقا وحَذِرا في كلماته، فقد قال:
- إنّ بطلَ المتشائل "نموذجٌ عرفته جماهيرُنا العربية في شكل بارز".
ولم يقُلْ "كان نموذجا للإنسان العربي الذي بقي في الوطن تحت حُكم الغريب". وشدّد وأكّد أنّ بطل المتشائل كان "النّموذجَ الذي ينبذُه الشعبُ ويتركه لمصيره وشَتاته". وقد يكون حنا إبراهيم الأكثرَ جرأة وتحّديا في إبراز مواقف تَحدي ومُواجهة ورفض العربي منذ الأيام الأولى التي تلت النكبة حيث قدّم لنا في قصصه القصيرة العديدَ من النّماذج الرّافضة وغير المُستَسْلمة للذي حدث، ولكنّه كان يهتم بالتأكيد على انتماء هذه الشخصية للحزب الشيوعي والالتزام بمبادئه التي تُنادي بالتعايش والتعاون ما بين الشعبَين.
بينما حافظ محمد علي طه في قصصه على تقديم النَّموذجَين من الإنسان الفلسطيني، الأول تمثّل في قصة "ليرة ولوحتان" في مجموعته الأولى "لكي تُشرق الشمس" مطبعة الحكيم الناصرة 1964 حيث يُقدّم صورة الإنسان البائس الحزين الذي على استعداد لإذلال نفسه مُقابل أن يحصلَ على الليرة التي يضمن بقيمتها توفيرَ الطعام لأسرته المنتظرة له في البيت. والنموذج الثاني المُتمثّل في شخصية الشاب الشيوعي المُواجه المُتحدّي فارس أبو عرب في مجموعة "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر" منشورات العودة عكا 1978. وقد يكون في سيرته الذاتيّة "نوم الغزلان" الأكثر مُلامَسة ومُرافَقة لمختلف المَراحل التي عاشها شعبُنا الباقي في وطنه. وقدّم في روايته "نوّار العلت" جميع الشخصيّات العربية بصورة إيجابيّة وقويّة وشجاعة وحكيمة ممّا يدلّ على التَّطوّر الكبير الذي حصل للشخصيّة العربية منذ عام النكبة حتى الآن.
وظلّت الصورة البانورامية للعربي في البلاد ناقصة، وفترة من حياته، حتى ولو كانت قصيرة لا تتعدّى الثلاث سنوات بعد يوم النكبة وتشريد أغلبية الشعب خارج حدود الوطن، مُهملةً لا يتناولُها أحدٌ بالتّفصيل والأمانة والتّوثيق.
وكانت رواية " عين الزيتون" مفاجأة محمد علي طه التي يسدُّ بها هذه الفَجْوة، ويُكمل الصورة الكاملة لتاريخ شعبنا منذ الساعات الأولى للنّكبة التي حلّت به حتى يومنا هذا.
قد يرى البعضُ مُبالغةً فيما أصف به الرواية، ولكنّني أترك الحُكمَ النهائي والتّقييم للقارئ ليقول كلمتَه الفَصْل بعد قراءته للرواية برَوِيّة وتمعُن ومُتابعة.
البداية المُختلفة والصُّدفة غير المُتوَقَّعة
اختار الكاتب محمد علي طه في روايته الجديدة "عين الزيتون" التي صدرت عن "الأهلية للنشر والتوزيع عمان 2025" أنْ ينأى بنفسه، وأنْ لا تكون له أيّةُ صله براوي هذه الرواية وبطلِها، ولا بناقلِها وموصلِها للقرّاء.
ويخبرُنا ناقلُ الرواية أنّه منذ انتقل ليعيشَ في مدينة عكا قبل عدّة أشهر تاركا بلدته القريبة ووالدَيْه العجوزَين اعتاد أنْ يزور "مقهى السلطان" حيث يلتقي بالعديد من الزبائن، ويستمع إلى مختلف القصص والطُرَف والنّكات. وصَدَف في زيارته الأخيرة أن كان يرتشف القهوة عندما سمع صوتا خارج المقهى، وشاهد رجلا على العَتَبة يرقصُ ويُغنّي، وانضمّ إليه العديدُ من الحاضرين. وبعد أنْ هدأ وعاد الحضور إلى مقاعدهم سأل صاحبُنا النّادلَ عن هويّة هذا الرجل فأخبره بأنّ اسمه فارس وقد اعتاد كلّما حضر جنازةَ أحد عاد إلى هنا ودخل يرقصُ ويُغنّي لأنّه لم يكن في التّابوت وما زال حيّا في هذه البلاد.
فاستغربَ ممّا سمع وطلب من النادل أنْ يُرتّبَ له جلسة معه.. وهكذا كان.
وكانت القصّة سيرةَ شعب يُصرُّ على الحياة
وكان اللقاء.. وبعده لقاءات. وتعرّف صاحبُنا ناقلُ القصّة، على فارس ابن قرية عين الزيتون الذي تختلف ولادتُه عن ولادة الآخرين كما قال، خرجتْ قدماه من رَحْم أمّه قبل أنْ يخرجَ رأسُه، ولامست قدماه هواءَ الوطن فترابه قبل رأسه. فقد ولد بالَمقْلوب أو بالشَّقْلوب. وسوف نجدُ أنّ هذه الولادةَ الغريبة ليست إلّا إشارة لما قد يحدثُ في المستقبل حيث لن يبقى شيءٌ على حاله.
و "عين الزيتون" هي بلدة فارس بطل القصّة، قرية عربية فلسطينيّة تبعد عن مدينة صفد ميلا واحدا، ويفصلُها عنها وادي الحمم، وأقربُ أحياء مدينة صفد إليها كان حيُّ اليهود، وامتازت بجَوْدة أراضيها المغروسة بالزيتون وبالكَرمة. وفارس ابن عائلة قاومت الإنكليز وقاتلت اليهود، ووالدُه إبراهيم الخطاب معروف في كلّ الشمال، وسَمّاهُ "فارس" على اسم رفيق سلاح له استشهد في معركة خاضاها معا ضدّ الإنكليز..
فارس أنهى الصفَّ الرابع وحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة من عمره، ورفض والدُه نصيحة الأستاذ بإرساله إلى مدرسة في صفد لمُواصلة تعليمه مُبَرّرا رفضه بقوله:
-عندنا رزق، والرزق لله، يكفيه ويكفي ولَدَه وولَدَ ولَدِه.
وعندما ذهب الرّاعي خميس الذي يعمل عندهم في رعاية قطيع الماعز في إجازة لزيارة أهله للاطمئنان عليهم في هذه الأوضاع الصّعبة نتيجة للمُصادَمات في كلّ البلاد ما بين اليهود والعرب، أُوكل إلى فارس رعاية قطيع ماعز العائلة والمُحافظة عليه.
احتلال القوّات اليهوديّة لعين الزيتون
وحدث الذي كانوا يخافون منه، حيث هاجمت القواتُ اليهودية في الأوّل من أيار 1948 قريتي بيريا وعين الزيتون المُتجاورَتين تمهيدا لاحتلال مدينة صفد، وكان فارس مع قطيع الماعز في الزريبة عندما احتُلَّت عين الزيتون ولم يُشاهد ما جرى فيها. كان يسمع وهو في الزريبة مع قطيعه صوتَ الرّصاص ودَويَّ القنابل، ويرى الغُبارَ المُتصاعدَ من القرية، فقلق على والدَيه وأخته وعلى حبيبته بديعة. وكان من داخل الزّريبة يرى قوافلَ الراحلين من البلدات المُجاورة شيوخا وشبّانا ونساء وأطفالا، يسيرون إلى الشمال.
وبعد ثلاثة أيام من احتلال القرية عاد فارس للبلدة مُتسَلّلا فلم يجد فيها أحدا، لا طير ولا حيوان ولا إنسان، بحث عن بيته، دار حوله وجد حصانَ والده قتيلا. رائحة الموتى تفوح من شوارع القرية. وظلّ يتساءل: هل رحل أبي؟ أم أنّه قتيل؟ أين أمي وأين أختي؟ وأخذ يسير بين أطلال البيوت فسمع صوتا، وفوجئ أنْ وجد جارتَهم أم محمود خديجة التي راحت تحكي له ما جرى للناس في عين زيتون:
-بعينيَّ الثّنتين شُفْتهم. شبان مثل نَصْبات الزيتون والسنديان طَخّوهم، واحد ورا واحد، حفَروا جورة ورموهم فيها، في ناس هربوا، ركضوا والرصاص وراهم. شو بتعمل أنت هون، شو بعدك هون، امزط بريشك. يا قبّاري ما عاد شي يحكي إلّا الرّصاص. قصفوا كل شيء بالقنابل. قصفوا كلّ القرى وطردوا أهلها.. إمّا الرحيل إمّا الموت. أبوك وأمك رحلوا قبل المذبحة وأختك زهرة راحت معهم. كان العسكر يصرخون: روخوا على سورية، على لبنان.. روحوا عند قاوقجي، عند عبد الله، ويطلقوا الرصاص فوق رؤوسهم وبين إجْريهن. (ص42)
وشعر فارس عندما رجع إلى الزّريبة ولم يجد قطيعَ الماعز أنّه وحيدٌ، فلا إنسان ولا حيوان ولا طير. الناس يهربون شمالا وشرقا والدّروب مملوءة بالغيلان.
وأخذ الرّصاص يتساقط حوله، والبلادُ تسقطُ البلدة بعد الأخرى والعساكر في صفد وغيرها يَطْرُدون الناس شرقا وشمالا. ويشعر فارس أنّه وحيدٌ وكلّ ما على الأرض يقول له:
-أنتَ وحدك.
السّنديان والقَنْدول والصّخور والتراب والجبال والوديان، بنات آوى والطيور، وليس أمامه من خيار:
إمّا الحياة وإمّا الموت.
وكانت النّكبةُ، كان التّهجيرُ والطَّرْدُ والقَتْلُ. وكما شاهدت الجارةُ خديجة أم محمود شاهد فارس أيضا من المَرعى ومن الزريبة قوافلَ الرّاحلين من البلدات المجاورة شيوخا وشبّانا ونساء وأطفالا يسيرون إلى الشمال. شاهدهم يمتطون الحميرَ والبغالَ والخيولَ مُتْعَبين يسيرون إلى المجهول. (ص39). وكان التّدمير لكلّ مَعالم الحياة في البلدات العربية التي احتلَّتها القواتُ اليهودية. نهبوا بيوتها من الأثاث والخزائن والملابس وأدوات الطعام وأباريق القهوة والفناجين، نهبوا كلّ ما وجدوه. نهبوا القمحَ والعدسَ وزيتَ الزيتون. هدموا البيوت ولم تسلم المساجدُ والكنائس. والبيوت التي ما زالت مُتماسكة كانت دون أبواب ودون شبابيك. سرقوا الأبوابَ والشبابيك وتركوا البيوت عرضة للرياح. وظلّت عين الزيتون موحشة. لا إنسان ولا حيوان. نعيبُ البوم ونعيقُ الغربان يملأ فضاءَها. (ص152-154).
وأمام هذا الواقع غير المعقول كان على فارس أنْ يحسمَ أمرَه ويتّخذَ القرارَ فليس أمامه إلّا أنْ يختار: إمّا الحياة وإما الموت.
وكان قرارُه الحازم:
إمّا الحياة وإمّا الحياة، فما زال في الظَّهْر أوْلادٌ سيُنْجَبون ويُعَمّرون عينَ الزيتون. (ص46)
وشاهد على مَقربة من قدَمَيه فَسيلَتي زيتون وسنديان خضراوين جذورهما راسخة في تراب عين الزيتون ورؤوسهما تنشدان السماء. فصرخ:
-لا بدّ من أن أبقى. سأحيا. سأحيا. لا بدّ أن أبقى في الوطن. العسكر في الشمال والعسكر في الجنوب والرّصاص يُلعلعُ حولي. مشيتُ غربا. يسير الناس شرقا وشمالا، وأنا أسير غربا. أسير بالمَقلوب وأنشد الحياة والبقاء هاربا من الموت.. والرّصاصُ يئزُّ ويئز.
وبدأتْ ملحمةُ البقاء في الوطن
ويؤكّد فارس لجَليسه أنّه اتّخذ قرارَه:
-أنا باق في الوطن، لن أسيرَ شمالا ولا شرقا وإنّما غربا لألتقي الناسَ الذين آثَروا البقاءَ على الرّحيلِ والغُربةِ والشتات.
وأنّه كان على وَعْي تامّ ومَعرفةٍ وإدراك أنّ الأرض التي ولد فيها وحَبا عليها وأمّنَتْ له مصادرَ المَعيشة لا يُمكن أنْ تتخلّى عنه في هذه الأيام الصّعبة، وستكون له نعم الحاضنة والحامية والمُبْعِدَة عنه كلَّ خطر.
وبدأ فارس رحلةَ البقاء بأنْ وجد الحمايةَ في كلّ صخرة وسنديانة. وشعر بالأمان وهو يتنقلُ من مكان لآخر، وبالنَّشوة والفرح وهو يقف على صخرة تُحيط بها أشجارُ السنديان والسرّيس والخروب البرّي، ورأى مدينة صفد كما يعرفها خلفه وعين الزيتون بلدته في فؤاده، وفراضية تتهادى أمامه مُرَحِّبة مُنتظرة.
وكما الأرض هكذا أيضا كلّ مَن التقاه من الناس مدّ له يدَ المُساعدة، فالمرأة الشابّة أعطته رغيفَين من الخبز وإبريق ماء (ص 66)، والشيخ من الرامة حذّره من دخول القرية لأنّ الجند يملأون شوارعَها، والراعي من دير الأسد قاسَمَه الرغيفَ وأرضعه الحليبَ من عنزته، ودلّه على الطّريق الموصل إلى مقام الأسد في دير الأسد. والرّجال في دير الأسد تسابقوا على استضافته في بيوتهم رغم العواقب الوخيمة التي سيلقاها مَن يُضْبَطُ عنده. والرّاعي من كفر العكوب شاركه طعامَه وعلّمه كيف يكسبُ رضا المختار ليساعدَه في الحصول على الهوية الزرقاء التي تضمن له البقاء. كما كان موقفُ المُختارة حاسما في جعل الحاكم العسكري يمنحه الهويّة، كذلك الرجل من شفاعمرو ورئيس بلديتها الذي نجح في تَواصل فارس مع والده في لبنان. والراعي من حرفيش الذي أطعمه ودلّه على الطريق القريب الموصل إلى ترشيحا ومنها إلى عكا، والمرأة من معليا التي ناولته الخبز والزيتون عندما طرَقَ بابَ بيتها، وكذلك سادن جامع الجزّار أبو الخير ومساعداته الكثيرة لفارس حتى أمّنَ له العملَ والسَّكَن والبقاءَ في عكا.
المرأةُ الرّافضةُ للواقع المُتَغَيِّر
يُبرز فارس دورَ المرأة المهمّ في الصّمود والبقاء، فكلّ امرأة قابلها في مسيرته الطويلة كانت تُقَدِّم له ما يحتاج من طعام وماء وتدعو له بالسلامة. وكانت هناك مَنْ لم تكتف بتقديم المساعدة العاديّة من طعام وماء وإنما أخذت على عاتقها إبقاء العربي راسِخا في وطنه وبين أهله:
فسَعدية زوجة صفوان التي فرحت باستضافة زوجها لضيف غريب شاب وسيم متكامل الجسد، وجدت الفرصة لتحلّ مشكلتَها وزوجها العَقيم الذي بكى عندما أخبرهما الطبيب الألماني الذي زاراه في عيادته في مدينة حيفا وأجرى لهما فحصا بالنتيجة القاسية. بأنْ انتهزت فرصة ذهاب زوجها للعمل وقد أوصاها بالاعتناء بالضيف بأن قامت بإغراء الضيف الشاب وضاجعته على أمل أنْ تحملَ منه وتُنجب طفلا يفرحهما. (ص88-89) ولم تجد في فعلتها خيانة لزوجها الذي اعتقدت أنه أراد ذلك وهيَّأ لها وللضيف الفرصة بتركهما معا في البيت، ولطالما تساءلت:
-لماذا اصطحب صفوان الضيف الصّفدي إلى بيتنا؟ ولماذا تركنا وحدَنا في البيت؟ وتعود وتؤكّد لنفسها:
-ما خُنْتُه. وما حدث مع الضيف في ذلك الصباح كان من أجل صفوان. (ص230-233)
وقالت مُعترفة لزوجها صفوان:
-أنت رجلي يا صفوان. ما خُنتُك مع الصفديّ. أردتُ أنْ أفرحَك، رغبتُ أنْ أطردَ الهمّ والقلقَ من رأسك ودنياك. رغبتُ أنْ أعيدَ لك ثقتَك برجولتك.
وسعدية ذات الشخصية القويّة حتى لا تدع الشكوك تُطاردُها بعد قَتْل الجنود لصفوان وهو عائد من رحلته التجارية على الحدود اللبنانية أعلنت ساعة رفع جثمانه أنّها حامل. وبعد أنْ ولَدَت رفضت كلّ مَن طلب يدَها، وتَحدّت الإشاعات والأقاويل وتركت بيتَها في دير الأسد، وجاءت مع ابنها إلى عكا لتبحثَ في ليلها ويقظتها ومَنامها عن الضَّيف الصّفدي الذي تناولت البيضَ المَقلي في الفطور معه في ذلك الصباح البعيد في بيتها في دير الأسد.
والتقت بفارس صدفة في الشارع، وبعد مدّة تزوّجا وأقاما أُسْرة سعيدة. كما أنّ سعدية لم تكتف بكونها زوجة وأمّ أولاد وإنما شاركت في المظاهرات ووقَّعتْ العرائض وتحدّت الشرطة واعتُقلتْ وقامت بتعليم النساء القراءة والكتابة ودَفْعهن للعمل النّضالي لتحصيل الحقوق بتوقيع العرائض وتوزيع المناشير والخروج في مظاهرات حاشدة، وكانت السّندَ القويَّ لزوجها فارس، والرّاعية لولدَيها وتأمين حياة كريمة وآمنة لهما. (ص262-264)
كذلك زوجة مختار بلدة كفر العكوب رغم خيانتها لزوجها مع الحاكم العسكري (111-112) إلّا أنّها كانت تبتزُّه وتفرضُ عليه وعلى ضابط الشرطة القاسي أن يُساعدَ فارس ويُعطيه الهوية الزرقاء الضّامنة بقاءَه في البلاد. فعندما سمعت الضابط أبو خضر يصرخ على فارس ويقول له: يعني أخذت الهوية وطيّزت علينا. طيّب يا فارس أنا أبو خضر. والمنطقة بتعرفني. أنا وايّاك والزّمن طويل بَسْ هات الهوية.
وصاح به بعد أنْ أخذ الهوية منه: انصرف يا عكروت.
قالت له بصوت عال:
-أبو خضر. أنت عارف إنّو فارس في بيتنا. وهذا الشُّغْل اعتداء على حُرْمة البيت. هات الهوية.. بقول لك: هات الهوية هاتها.
وتناولتها منه وأعطتها لفارس. (ص106)
وكانت تستغلُّ علاقتَها بالحاكم العسكري لمُساعدة كلَّ طالب حاجة منها أو من زوجها بحَثِّ ضابط الشرطة والحاكم العسكري. لتسريع معالجة الطَّلَب والمُوافقة عليه.
ويظل فارس إنسانا قد يضعف، ولكن في سبيل البقاء في الوطن
وفارس الذي قرّر البقاء في الوطن، ورفض اللحاق بجموع المُشرَّدين المَطرودين إلى ما وراء الحدود، وواجه المَصاعب والمَخاطر بشجاعة وثبات يعترف بحالات الضّعف التي تملَّكته واضطرته للتّراجع والتّذلّل وحتى القيام بأعمال غير مقبولة مثل وقوفه أمام مختار كفر العكوب واستعطافه وطلب مساعدته "أنا على استعداد لأعملَ قطروزا، أُطعِم الحصانَ وأسقيه وأحضّر البذار وأحرث، وأنْ أعملَ في أشغال البيت، وأن أُعِدّ لك القهوة السّادة، وأنْ أجلي الأباريق حتى يلمعَ نحاسُها الأصفر، وأنْ أرتّب لك الديوان. وكل ما أريدُه هو أن تُساعدَني، فكلمة منك كما قال لي حرّاثكم ذياب تكفي لأحصلَ على الهويّة الزّرقاء وأبقى في البلاد. فكلمتُك نافذة عند الحاكم العسكري، وكلمتُك لا تنزل على الأرض. (ص95)
وعمل خادما في بيت المختار يُساعد المختارة فيجلب لها الحطبَ إلى المَوْقد، ويملأ الجرارَ من البئر، ويجمع البيض من قنّ الدّجاج، ويبذر حبوبَ القمح كي تأكل الدّجاجات والدّيوك، ويجمع الغسيل عن الحَبْل بما فيه ملابس المختارة. (ص100) والتّغاضي عن إهانات مردخاي وشتائمه (ص146) وحتى الرضوخ لنزواته وقبول مُمارسة اللواط معه (ص148-150) والتَّجاوب مع مفتش المعارف في كلامه وطلباته المهينة في جلسته معه كي يَقبل به ويوظّفه مدرسا في وزارة المعارف (245-250). وكل ذلك ليحصل على الهوية والبقاء في الوطن وإيجاد العمل.
حبُّ فارس للوطن هو الدّافعُ والمُثَبِّت
ويظلّ حبُّ فارس وعشقُه للوطن الدّافعَ والمُثبّتَ له فوق تراب الوطن وفي أحضانه، فقد كان يعرفُ الأشجارَ البريّة من رائحتها على الرّغم من ظلام الليل وظلام الغابات وظلام الوادي. ويعرف رائحة السرّيس المُنعشة ورائحةَ البُطم ورائحةَ السنديان ورائحة الميرميّة الوعرية القويّة. (ص53) وتسحرُه قريةُ فراضية بكروم زيتونها الخضراء وكروم العنب والتين والرمّان وعين النَّبْع (ص55) وكانت رائحة أشجار السرّيس والبطم العطرة تُخفِّفُ من مُعاناته وهو يصعد نحو قمة جبل حيدر ويتّجه غربا ويمشي بين الصخور والأشجار الحرشية ويمشي على الحصى وعلى الشوك وتتجرّح ساقاه. وغمرته السعادةُ وهو يرى من فوق قمّة الجبل قرى الشاغور مثل عقد جواهر على عنق الوطن ويرى مدينة حيفا وجبل الكرمل ويتساءل باستغراب، كيف تركوا هذا الوطنَ الجميل؟ كيف تركوا الجبلَ الأخضر والسّهلَ الخصب والبحرَ الأزرق؟ وكيف تركوا جبلَ الكرمل الرائع وأحياءَ عروس البحر والشاطئ الذهبي وسوقَ الشوام؟ (ص67)
ويزيدُ حبُّ فارس للوطن وتعلّقه به لأنّه على ثقة أنّ الوطنَ يحمي أبناءه ويُوفِّر لهم الأمان والرّاحة والمعيشة الكريمة، فقد كان فارس خلال تَحدّيه أوامرَ الجند له بالرّحيل يجدُ الحماية في كلّ صخرة وسنديانة. ويشعر بالأمان وهو يتنقل من مكان لآخر، وبالنَّشوة والفرح وهو يقف على صخرة تُحيط بها أشجارُ السنديان والسرّيس والخروب البرّي. وبعدما عاد من الحدود اللبنانية حيث دفعه الجُند ليذهب إلى لبنان، أصرّ على العودة إلى بيته وزوجته وابنه وابنته وعكا، وقد فعل. ووجد نفسه وهو يجلس على برندة المنزل يتنشّق نسيمَ البحر ويشربُ الشاي بالنَّعْنع مع سعدية زوجته أنّه يمتلئ بالفرح والسّعادة والرّاحة النفسيّة، وشعر أنه يسند ظهرَه إلى صخرة حطين القويّة في صباح كلّ يوم، وإلى رأس الكرمل الجميل عند الظهيرة، وإلى سور عكا الحِصْن الحَصين في المساء. وراح في غَفْوَة عميقة. (ص289)
محمد علي طه الرّاوي والبطل والمُتلقّي والمُشرف من عَلٍ
نجح محمد علي طه أن ينأى بنفسه ويترك فارس بطل روايته يحكي ويروي قصّته الطويلة للمُتلقّي الصّامت المُكتَفي بتسجيل ما يسمع فقط، فلم يطرح أسئلة ولم يتدخّل في كلام ولم يُعلّق على كلمة أو مشهد أو موقف، اكتفى فقط بدَوْر المُسجِّل الأمين المُحايد. وفي هذا ترك المَشهدَ بكامله للبطل الراوي، له حرية الكلام والصّمت والسير والجلوس والتّصرّف بحريّة دون رقيب.
وأعطى الكاتب محمد علي طه لنفسه دورَ المُبدع الصّامت، وترك فارس بطل الرواية ليقوم بدور النّاطق المُبْلِغ قصّة مُعاناته التي هي قصّة نكبة شعبه الفلسطيني، وترك للمُتلَقي دور المُسَجِّل المُحايد ليحفظَ للأجيال القادمة سيرةَ هذا الشعب العظيم.
ومن كَوْنه المُبدعَ المُحرِّك للجميع صاحبَ النصّ الموحي به للناطق المُقْرِئْه للمُتَلقّي الموصله لجمهور القراء يتركُنا الكاتب محمد علي طه في جوّ لغته الغَنيّة الجميلة الرّشيقة التي يتفنّن في إغنائها بالاقتباسات من الطُّرَف الأدبية والأمثال الشعبية والأحاديث النبويّة والقصص الدينية بأسلوب سلس ناعم يشدّ القارئ ليُواجهَ مواقفَ صعبة توقظ كلّ حواسِّه ومن ثم تجعلُه يضحك من قلبه لزَلّة قَدَم أو تلعْثُم في كلمة أو سَرْد قصّة وثم تأخذه في مَتاهة أجدّ ما يقرأ أم بعضٌ من الهَزل فتتناوب البسمة مع عبوسة الوجه فيأتي بكلمة عامية مُتداوَلة بين عامّة الناس فتُخْرجه من حَرَجه لينسابَ مع النصّ ويُتابعَ الأحداث وتصرّفات الشخصيّات بين مُعجَب بها ومُنْتقد.
ورغم أنَّ الكاتبَ خَصّ فارس بطل الرواية بالنُّطق والسّرد، وحَيَّدَ المُتَلقي من أيّ مهمّة غير تَسْجيل ما يسمعُ من البطل، فإنّه ترك حريّةَ الظّهور والتّصرّف والكلام لعشرات الشخصيّات التي التقى بها فارس خلال مسيرة معاناته الطويلة، وجعل من كل شخصيّة بطلا قائما بذاته له دورُه وأهميتُه في صُنع الأحداث، ابتداء من والد فارس الذي حدّد له مستقبلَه، وأستاذه الذي غرس فيه حبّ العلم والمعرفة، والرّاعي خميس الذي أكسبه الكثيرَ من صفات الشجاعة والقوّة والأمانة، وأم محمود التي روت له ما شاهدت من مآس ومجازر وتدمير على أيدي الجنود الذين احتلوا بلدة عين الزيتون وغيرها من البلدات. والنساء اللاتي مرّ ببيوتهن في مساره فأكرمنه وزوّدنه بالطعام والماء، والرعاة الذين قاسموه خبزَهم وساعدوه في التّعرّف على الطرقات ونبَّهوه من مخاطرها، وحتى قاطع الطريق الذي أراد سرقة خاتم أمّه منه، والمختار الذي تعاون مع الضابط والحاكم العسكري، وزوجة المختار التي خانت زوجها مع الحاكم العسكري، وسعدية التي ضاجعت فارس الضيفَ الشاب لتُنجبَ منه ابنا لزوجها العقيم، وأبو الخير سادن جامع الجزار الذي اهتمَّ بتأمين المَسْكن والعمل والحماية لفارس، وحتى الحاكم العسكري والضابط أبو خضر سَيّء السُّمعة ومردخاي المُنحرف جنسيا، كلّهم جعل منهم الكاتب محمد علي طه شخصيّات نابضة مهمّة ممّا أضفى على مُجمل الرواية في كل مشاهدها المِصداقيّةَ والمُصَوِّرة الأمينة لبطولة معظم الناس الذين بقوا في وطنهم وتحدّوا القوانين الظالمة وتصدّوا لكلّ عمل وُجّه ضدّهم بوحدة وقوّة، وتشبّثوا بالبقاء في بيوتهم ووطنهم، فكان الكلّ يساعدُ الكل في الثَّبات والبَقاء.
وأظهر الكاتب أنَّ حتى الذين تعاونوا مع رجال السلطة واستفادوا من علاقتهم من مَخاتير ورؤساء بلديات ووجهاء طوائف وعائلات كانوا على اقتناع أنَّهم بمَواقفهم هذه يخدمون أبناءَ بلدتهم في تأمين بقائهم ومَعيشتهم وعملهم، وأنّهم يعرفون بأنّ هذا الذي يتعاونون معه هو الذي احتلّ بلدتهم وطرد أهلَهم وهجّرهم وشرّدهم، ولكن من مُنطلق المسؤولية وللمحافظة على الناس الباقين في الوطن يتعاملون مع الحاكم العسكري وضابط الشرطة وموظف المكاتب الحكومية.
قد يقبلُ البعضُ، ويرفضُ آخرون من القُرّاء باقتناع ورَجاحة عقل وبَصيرة مَنْ تَعاملوا مع رجال السلطة والحاكم العسكري وضابط الشرطة من مخاتير وزعماء عائلات وطوائف بأنّ على مَن يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه، وأنّ الله قال "أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر". وبقول المختار لفارس: -لولا أنّي سَلّمْت البلدة لأصابَنا ما أصاب بلدات عديدة. أنا استعملتُ عقلي.. قلتُ العرب خسرانين الحرب.. اتّصلت بالضابط ليزر في المنطقة وسلّمتُ البلدة وتعهدتُ بتسليم البواريد وكلّ قطع السلاح شرط يحافظ على عرضنا وأملاكنا ويبقى أهل البلد فيها. أنا حافظتُ على بلدي وسكّانها بالعقل يا فارس. (ص107)
وهذا صحيح بالنسبة لما قالته سَعدية تبريرا لخيانتها زوجها ومُضاجعتها لفارس عندما دعاه زوجُها صفوان إلى بيته بأنّها فعلت ذلك من أجل صفوان وطَرْد الهمّ والقلق من رأسه ودنياه ولتُعيدَ له ثقتَه برجولته وتلبيةً لرغبته لأنّه كان عقيما لا يُنجبُ. (ص230) كذلك دوافع خيانة المختارة لزوجها مع الحاكم العسكري. (ص111-112). فقد يقبل البعضُ به ويرفضه البعضُ الآخر.
لكنّ معظمهم سيتّفقون على أنّ المُبالغة في التّذلّل والتَّوَسُّل، كما في الوقوف أمام مختار كفر العكوب (ص95) وفي الخضوع لانحراف مردخاي (ص149-150) ومسايرة المفتش (ص249-250) غير مقبولة، وإنْ كان القَصْدُ منها إظهارَ مدى الوضع السَّيِّء الذي وصلت إليه حالةُ الناس في معيشتها وتدبير أمورها اليومية.
وقد تكون هناك بعض الملاحظات على مشاهد الغناء والرّقص التي قام بها فارس خلال مسيرته الطويلة الصّعبة، رغم جمالها، حيث كانت تبدو دخيلة لا مكان لها في مسار الأحداث وسَرْدها. (ص47-48) و(ص69)
ولم تخمُد جذوة التّحدّي والرّفض
وما يُؤكّدُ عليه الكاتب ويُصوّرُه في مشاهدَ مُتفرِّقةٍ وفي أزمنة وأمكنة مُتعدّدة أنَ الخوف لم يُعَشّش في قلوب الناس، ولم يُخضعهم ويذلّهم رغم ما جرى للوطن والناس وما شاهدوا من تدمير وقَتْل وتشريد وتهجير ونَهب وحصار وقوانين ظالمة ونظام حكم عسكري شديد، فسرعان ما استوعب مُعظمُ الناس ما جرى، واهتمّوا بالتَّثبّت في بيوتهم وأرضهم ووطنهم والعمل للمحافظة على ما بقي لهم. وكانوا أذكياء مع تعاملهم مع القوانين المفروضة فيستغلون الثَّغرات القانونية ليكسبوا قضية هنا وأخرى هناك، وكانت الأصواتُ المُتحَدِّيةُ الرّافضةُ تعلو وتزدادُ، والناسُ تدفعُهُم مُتَطَلَّبات المَعيشة وقلّة العمل للمُطالبة والخروج في مظاهرات تُطالب بحقّ توفير العمل وتأمين المعيشة للناس (ص257-262)، وكما الشباب، خرجت النساءُ أيضا في مظاهرات صاخبة مُتصدية للشرطة (ص263). وهذا الحراك الشعبي أثمر بتَحْسين ظروف المَعيشة وتوفير أماكن عمل. ومواصلة المظاهرات وإيقاظ الشارع اليهودي واستغلال الصّراعات الحزبية أدّى إلى إلغاء الحكم العسكري عام 1966.
هذه السنوات الأولى التي تلَت النكبة كانت غنيّةً بأحداثها، مهمّةً في تأثيرها وفَعّالةً في العمل على بلورة الهوية العربية للذين بقوا في وطنهم. فرغم الصَّدمة الكبيرة التي حدثت لكل إنسان والشعور بالفَقْد والضّياع سرعان ما استعاد الإنسان العربي الفلسطيني الباقي في وطنه وعيَه، واستوعبَ الذي حدث له ولشعبه ووطنه، واتخذ قرارَه أنّ على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة، وأنّ عليه أنْ يستعيدَ ثقتَه بنفسه، ويواجهَ الواقعَ بكل ثقة وعزيمة، وأنْ لا يضعفَ ويعرفَ كيف يُواجه الحاكمَ الجديد، ويستفيدُ من الثَّغرات في قوانينه الفارضها عليه. وهكذا كان، وازداد التّحدّي وكثُرَت المظاهرات ووقعت الاشتباكات واعتُقِلَ المئات كما حدث في "معركة الزّيت" في قريتي الرامة عام 1952 حيث هاجمت قوة من الشرطة مُرافقة لموظفين من وزارة التَّمْوين لمُراقبة ومُصادرة ناتج موسم الزيتون فتصدّى لهم أهلُ البلدة، واشتبكوا معهم وقامت إحدى النساء بضرب الضابط أبو خضر ورمَته على الأرض ممّا أدّى إلى استحضار قوّة كبيرة من الشرطة واعتقال العشرات من أهل الرامة. وقد وثّق الشاعر سميح القاسم هذه المعركة بمسرحيته "موسم زيتون" التي كتبها باللغة المحكيّة، كما قمت قبل سنة بكتابة قصة قصيرة أستعيد فيها تلك المواجهة الكبيرة. ومثل هذه الأحداث والمواجهات أيقظت الشارع اليهودي، واستغلتها الأحزاب المُتصارعة.
وهذه السّنوات، بكلّ ما فيها، هي التي أهملها المُبدعون في قصصهم ورواياتهم، وإذا ما تناولوها كما رأينا في "المتشائل" لإميل حبيبي فكانت الصورة كما وصفها الدكتور إميل توما تُمثِّل الاستسلام والهزيمة، وفي أحسن الحالات الاتّكاليّة والتّمسّك بالأحلام الغيبيّة. ويؤكّد إميل توما "إنّه النّموذج الذي ينبذُه الشعبُ ويتركه لمَصيره وشَتاته". (جريدة الاتحاد 13.9.1974)
أبو الهول ينبهر ويشهد على بطولة هؤلاء الناس
وسكت فارس عن الكلام، وانتهت قصّتُه التي رواها، وهي قصّةُ الثلاث سنين التي عاشها الباقون من الشعب الفلسطيني في وطنهم بعد النكبة، وكان فارس بطلَها وشاهدَها الرّئيسي. وراح فارس في غفوة عميقه وهو يجلس مُطمئنّا مرتاحا سعيدا مع زوجته سعدية على البَرَندة يشرب الشاي ويتنشّق نسيم البحر وإذا به أمام أبي الهول يسأله:
-يا فارس، كيف بقيتُم في عكا وفي الناصرة وفي حيفا وفي يافا وفي اللد وفي الرملة وفي قرى الجليل الغربي وقرى الشاغور، وقرى مرج ابن عامر وفي المثلّث من كفر قاسم حتى اللجون الحاضر الغائب؟ (ص289)
ولم يتلعثم فارس في الإجابة لأنّ هناك مئات القصص التي يُمكنه سردَها.
وحقّقت رواية "عين الزيتون" ما كتُبَتْ من أجله
أراد الكاتب محمد علي طه في هذا المشهد الأخير الذي جمع بين أبي الهول، رَمْز الخلود والبَقاء، وفارس بطل المَسيرة الطويلة الشّاقَّة، أنْ يُؤكِّدَ على عَراقة وثبات الشعب الفلسطيني فوق تراب وطنه، وأنه بشجاعته وصُموده بهر أبا الهول رمز الخلود والشاهد على التاريخ الطويل.
وبهذا كانت أهميّةُ وتفرُّد رواية محمد علي طه "عين الزيتون" التي سدّت هذه الثَّغْرة في قصة مَسيرة شعبنا الفلسطيني منذ اليوم الأوّل للنكبة الكبرى وحتى هذه الأيام.
***
د. نبيه القاسم -الرامة






