أقلام فكرية
غالب المسعودي: النقد الماركسي للميتافيزيقيا والذرائعية في إدارة الوجود
صراع الأنساق وفلسفة الممارسة
يُعد النزاع الفلسفي القائم بين فكر "ما وراء الطبيعة" والنزعة "الذرائعية" واحداً من أكثر الصراعات الفكرية عمقاً وتأثيراً في تاريخ المعرفة البشرية. إذ لا يمثل هذا النزاع مجرد سجال أكاديمي حول تعريفات الوجود أو ماهية الأشياء، بل هو صراع محتدم حول ما يُعرف بـ "إدارة الوجود" ذاته؛ أي الكيفية التي ينظم بها الإنسان حياته، ويتخذ قراراته المصيرية، ويصيغ سياساته العامة، ويفهم مكانته في هذا الكون. من المنظور الماركسي، تظهر هذه التكوينات الفلسفية ليس كحقائق مجردة، بل كمنظومات فكرية تعكس شروطاً مادية وصراعات طبقية محددة في سياق تطور المجتمعات البشرية. إن تشريح هذا الصراع يستوجب استكشاف كيف تحولت إدارة الوجود من البحث عن "الجواهر الثابتة" في الفلسفات التقليدية إلى استكشاف "النتائج العملية" في النزعة النفعية، وكيف يطرح النقد الماركسي بديلاً جذرياً يقوم على "الممارسة الواعية" كأداة لتغيير العالم بدلاً من مجرد وصفه أو التكيف معه.
الفلسفة التقليدية وسطوة الجوهر في إدارة الوجود
تأسست فلسفة "ما وراء الطبيعة" بوصفها "الفلسفة الأولى" كما أسماها أرسطو، على البحث في الوجود من حيث هو موجود؛ أي في الوجود المطلق وأحوال الكليات المجردة. في هذا السياق، كانت إدارة الوجود تعني استنباط القواعد الأخلاقية والسياسية من "جواهر الأشياء" ومن النظم الفطرية التي أودعت في العقول، مثل مفاهيم النفس، والزمان، والعلية. يفترض هذا التصور وجود "نظام حقيقي" ونهائي للكون، يكون فيه دور الإنسان هو المكتشف الذي يجب عليه الامتثال لهذا النظام بمجرد إدراكه.
تؤكد الرؤية الوجودية التقليدية على وجود مسافة موضوعية بين الذات العارفة والموضوع المعروف، حيث تعمل اللغة والفكر كمرآة تعكس مقولات الواقع بدقة. هذا النوع من الفلسفة يميل إلى تقديم المعرفة كشيء يتجاوز قدرة العلم المادي على الإمساك به، مما دفعها للجوء إلى "نظريات التطابق" التي تفترض تماثلاً بين البنية المنطقية للفكر والبنية الوجودية للعالم.
إن النقد الماركسي لهذا الفكر ينطلق من اعتباره تمثيلا "للتفكير السكوني" الذي يفصل الأشياء عن سياقها التاريخي والمادي. يرى ماركس في كتابه "أطروحات حول فيورباخ" أن هذه الفلسفات، بتركيزها على المطلق، تعمل كأداة لتغييب الوعي بالواقع المتغير، حيث يتم تصوير العلاقات الاجتماعية التاريخية كأنها قوانين طبيعية أبدية لا يمكن زحزحتها. هذا "الجمود الفكري" هو ما سعت المادية الجدلية لتحطيمه عبر مفهوم "الصيرورة" الذي استلهمه ماركس من هيجل بعد تخليصه من غلافه المثالي، مؤكداً أن الوجود ليس جوهراً ثابتاً، بل حركة دائبة من التناقضات.
أزمة التمثيل وحدود العقل الكانتي
في محاولة لإنقاذ الفلسفة من عقمها، رأى إيمانويل كانت في "نقد العقل الخالص" أن العقل البشري يفرض قوالبه الخاصة على التجربة، لكنه ظل عاجزاً عن الوصول إلى "الشيء في ذاته". من المنظور الماركسي، يمثل هذا التردد الكانتي انعكاساً لعجز الفكر البرجوازي الصاعد آنذاك عن حسم الصراع بين العلم والمادة من جهة، وبين التصورات المثالية للحرية والروح من جهة أخرى. إن الفشل في الوصول إلى "الشيء في ذاته" يعود أساساً إلى فصل النظرية عن الممارسة؛ فالماركسية تؤكد -كما أوضح لينين لاحقاً في "المادية والمذهب النقدي التجريبي"- أننا نعرف حقيقة الأشياء من خلال التدخل الفعال فيها وتحويلها في العملية الإنتاجية، فالممارسة هي المحك النهائي للحقيقة.
التحول الذرائعي: الفكر كأداة للتكيف وحل المشكلات
تعتبر الذرائعية، التي صاغ أركانها تشارلز بيرس ووليام جيمس وجون ديوي، أن الفكر ليس وسيلة لاكتشاف حقيقة مخبأة وراء الظواهر، بل هو عملية "تكيف نشط" للكائن الحي مع بيئته. هنا يبرز مفهوم "إدارة الوجود" بوصفه عملية إجرائية بامتياز؛ فالباحث الذرائعي لا يهدر وقته في سؤال "ما هو جوهر هذا الشيء؟"، بل يسأل "ما الذي يمكنني فعله به؟" و "ما هي الآثار المترتبة على تبني هذا المفهوم؟"
هذا التحول من "الوجود النطقي" (التأمل الصرف) إلى "الوجود الكياني" (الممارسة الإجرائية) يمثل ثورة على التقاليد المنطقية القديمة التي سجنت العقل في ثنائيات مثل (الذات والموضوع) أو (الروح والمادة). في الفكر الذرائعي، يتم تعريف الحقيقة بناءً على نفعها العملي، مما يجعل إدارة الوجود نوعاً من "الذكاء الإبداعي" الذي يصيغ حلولاً ملموسة لمواقف مشكلة، بدلاً من الامتثال لكتالوج جاهز من الحلول الجاهزة.
الذكاء الإبداعي وإدارة الأزمات في الفكر الذرائعي
يعتبر جون ديوي أن إدارة الوجود تعني الانتقال من "سلطة النصوص الميتافيزيقية" إلى "سلطة البحث الذكي". فالديمقراطية في نظره ليست مجرد نظام سياسي، بل هي "طريقة للحياة" ومنهج لإدارة الوجود الجماعي عبر الحوار العقلاني. ترفض الذرائعية "المبدئية المتصلبة" التي تعتمد على مبادئ أخلاقية كونية متعالية، وتقترح بدلاً منها "الذرائعية السياقية" التي ترى أن الحلول يجب أن تنبع من تحقيق جماعي تشاركي يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان.
النقد الماركسي للذرائعية: الفلسفة كغطاء لليبرالية
يقدم المفكر الماركسي جورج نوفاك، في كتابه "الذرائعية مقابل الماركسية"، نقداً تفصيلياً يعتبر فيه الذرائعية بمثابة التعبير الفلسفي عن الطبقة الوسطى والبرجوازية الليبرالية في المجتمع الصناعي. يرى نوفاك أن الذرائعية تعكس عقلية الإصلاح التدريجي الذي يسعى لتحسين النظام الرأسمالي دون المساس بأسسه الجوهرية. إن النقد الماركسي هنا يركز على أن الذرائعية، رغم ادعائها العلمية، تظل "منطقاً يفتقر إلى المبادئ الراسخة"، حيث تستبدل القوانين الموضوعية للواقع بأساليب "ارتجالية" تعتمد على ما يُعتقد أنه مفيد في اللحظة الراهنة، مما يخدم بقاء الوضع القائم.
الذرائعية والهروب من الصراع الطبقي
تؤكد الماركسية أن الذرائعية تتجاهل حقيقة أن المجتمع ليس مجرد "نسيج من المجموعات المتداخلة" كما يراه ديوي، بل هو كل عضوي منقسم طبقياً. إن إدارة الوجود بروح ذرائعية تؤدي إلى "تقديس" التجربة الفردية المحدودة على حساب الوعي بالقوانين التاريخية العامة. ويرى نوفاك أن الذرائعية هي أداة "قاصرة" بالنسبة للطبقة العاملة لأنها لا توفر رؤية شاملة للعالم، بل تدفع نحو "إصلاحات تقنية" جزئية لا تمس جوهر الاستغلال المادي.
التشيؤ والاغتراب: إدارة الوجود تحت سلطة رأس المال
ينتقل النقد الماركسي من مستوى النظريات الفلسفية إلى تشريح الكيفية التي تُدار بها الحياة فعلياً. يُعد مفهوم "الاغتراب" عند ماركس، وتطويره لاحقاً كمفهوم "التشيؤ" عند جورج لوكاش في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، مفتاحاً لفهم كيف تتحول إدارة الوجود إلى حالة يصبح فيها الإنسان غريباً عن ذاته. في ظل الرأسمالية، لا تُدار الأشياء لتلبية الاحتياجات الإنسانية، بل يُدار البشر أنفسهم كأنهم "أشياء" أو سلع. هذا يجعل العلاقات الاجتماعية تبدو كأنها "قوانين طبيعية" خارجة عن سيطرة الإنسان؛ وهذا "التشيؤ" هو ما تحاول فلسفة ما وراء الطبيعة تبريره والذرائعية التكيف معه.
إدارة الأشياء أم حكومة الأشخاص؟
في المجتمعات الطبقية، تتحول "إدارة الوجود" من تنظيم تقني للإنتاج إلى "حكومة للأشخاص" تهدف لضمان استمرار الهيمنة، كما حلل ذلك أنطونيو غرامشي في حديثه عن "الهيمنة الثقافية". يرى النقد الماركسي المعاصر أن "الذكاء الإبداعي" الذي تتغنى به الذرائعية قد تم استيعابه داخل الآلة الرأسمالية، حيث أصبح "المدير الخبير" هو الشخصية المحورية التي تدير عملية "تراكم المعلومات" كشكل جديد من أشكال تراكم رأس المال. هنا، لا يعود الإبداع ملكاً للفرد، بل يصبح "ملكية فكرية" للشركات، ويتحول الإنسان المبدع إلى مجرد "ترس" في آلة بيروقراطية كبرى.
ريتشارد رورتي والذرائعية الجديدة: نهاية الحقيقة أم نهاية النقد؟
يمثل ريتشارد رورتي نقطة تحول حاسمة في الفكر الذرائعي المعاصر من خلال كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، حيث يدعو إلى التخلي التام عن فكرة أن الفلسفة يمكن أن تكتشف "الحقيقة". يرى رورتي أن الماركسية، بتركيزها على "كشف الأقنعة" والبحث عن "ما يحدث حقاً" تحت السطح، هي مجرد بقية من مخلفات فلسفة التمثيل القديمة. بالنسبة لرورتي، لا توجد حقيقة موضوعية، بل مجرد "أوصاف" مختلفة للعالم، والمفاضلة بينها تعود لمدى قدرتها على خلق مجتمع أكثر تضامناً.
ينتقد الفلاسفة الماركسيون، مثل ريتشارد برنشتاين، موقف رورتي لكونه يفرغ النقد الاجتماعي من أساسه الصلب. فإذا كانت كل الأوصاف متساوية ولا توجد حقيقة بنيوية (مثل حقيقة الاستغلال الطبقي)، فإن مقاومة الظلم تصبح مجرد "خيار بلاغي" أو ذوق شخصي. إن إنكار رورتي لـ "الحقيقة" يخدم، في نهاية المطاف، القوى المهيمنة، لأنه يسحب البساط من تحت أقدام الحركات الثورية التي تحتاج إلى تحليل علمي موضوعي لمواقع القوة لتغييرها.
الذكاء الإبداعي واقتصاد المعرفة: استلاب جديد أم أفق للتحرر؟
في العصر الراهن، تبرز مقولة "الذكاء الإبداعي" كعنصر أساسي في إدارة المؤسسات والوجود الفردي. من وجهة نظر ماركسية، يمثل هذا "الذكاء" تحولاً في شكل القيمة الزائدة؛ فبينما كان ماركس يتحدث عن العمل العضلي، أصبح "العمل الذهني" هو المصدر الرئيس للثروة في "اقتصاد المعرفة". ومع ذلك، فإن هذا الإبداع يظل محاصراً بـ "الملكية الفكرية" التي تحول الأفكار إلى سلع.
تؤكد الدراسات الماركسية المعاصرة أن "إدارة الوجود" عبر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تمثل أقصى درجات الذرائعية، حيث يتم اختزال السلوك البشري في خوارزميات تهدف للتنبؤ والتحكم. إن "الذكاء الإبداعي" هنا لا يُستخدم لتحرير البشر من الكدح، بل لتعميق "الاغتراب الرقمي"، حيث يقضي الفرد وقته في إنتاج بيانات تزيد من ثروة أصحاب المنصات الكبرى دون أن يملك سيطرة على مصيره.
نحو "ممارسة" واعية لإدارة الوجود
إن الصراع الفلسفي بين ما وراء الطبيعة والذرائعية قد انتهى، في أفضل تجلياته المعاصرة، إلى نوع من "الهدنة" التي تحاول الجمع بين عمق السؤال الفلسفي ومرونة الحل العملي. ومع ذلك، يظل النقد الماركسي هو الوحيد الذي يكشف الجذور الطبقية والمادية لهذا الصراع، مؤكداً أن "إدارة الوجود" لا يمكن أن تكون عادلة أو إنسانية ما دامت محكومة بمنطق تراكم رأس المال.
إن مستقبل الوجود البشري يعتمد على القدرة على تجاوز الأنساق الأيديولوجية الميتافيزيقية والذرائعية نحو ممارسة تضع "الحياة الإنسانية" و "الحرية الحقيقية" كغاية قصوى، بعيداً عن وهم الجواهر الثابتة أو استلاب الأدوات الوظيفية.
***
غالب المسعودي
...................
مراجع:
كارل ماركس: أطروحات حول فيورباخ (خاصة الأطروحة الحادية عشرة حول تغيير العالم).
فريدريك إنجلز: لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية (لنقد السكونية الميتافيزيقية).
جورج لوكاش: التاريخ والوعي الطبقي (لتعزيز مفهوم "التشيؤ").
جورج نوفاك: الذرائعية مقابل الماركسية (المرجع الرئيسي لنقد البراغماتية الأمريكية).
ماكس هوركهايمر: خسوف العقل (لنقد "العقل الأداتي" والذرائعية).
ريتشارد رورتي: الفلسفة ومرآة الطبيعة (كمرجع للذرائعية الجديدة).






