أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: التحول من الاسطورة الى التفكير العلمي في اليونان القديمة
كان اليونانيون القدماء أول من خاضوا في التفكير العلمي العقلاني، وبذلك انتقلوا من الميثولوجيا الى التفكير المرتكز على الدليل حول العالم. ان ظهور التفكير العلمي العقلاني في اليونان القديمة غيّر الطريقة التي فهم بها الناس العالم، وابتدأ بذلك مرحلة جديدة في القطيعة الحاسمة مع التوضيحات المتجذرة في الأسطورة والتدخل الديني وهو ما وضع الحجر الأساس للحضارة الغربية.
يشير العلماء الى هذا التحول بـعبارة "من الأسطورة الى المنطق"، يصفون بها انتقالا من المعرفة الشعبية التقليدية الى الاستقصاء العقلاني، وانها ترمز كواحدة من اكثر التحولات الفكرية في التاريخ الإنساني. قبل ظهور التفكير العقلاني، كانت الظاهرة الطبيعية تُفسّر من خلال الميثولوجيا والقوى الخارقة للطبيعة والتدخّل من قبل الآلهة. لو عدنا الى هوميروس وملحمته في الالياذة والاوديسة، نجد قصصا يتقرر فيها مسار الاحداث بقوى دينية. هذه الآلهة جرى وصفها بسمات بشرية وشخصيات ونواقص تعمل كمشرف يتدخل متى ما اتخذت القصة منعطفا غير متوقع. وفي نفس الوقت، رأى الناس في اليونان القديمة الإله منعكساً في كل ظاهرة طبيعية، في تحولات الحظ، وفي نتائج المساعي البشرية. في ملحمة هيسيود Hesiod’s Theogony، كل إله يتجسد بخصائص متميزة ومجال محدد للنفوذ، سواء في الحرب ام الحكمة او الزراعة او البحر او القمر. كل إله وإلهة مسؤول ضمن مجاله الخاص ويتلقى الدعاء والشكاوي من البشر.
بدءاً من القرن السادس قبل الميلاد، استبدل المفكرون اليونانيون التوضيحات الميثولوجية بتفكير عقلاني حول العالم الطبيعي. هذا التحول الفكري وضع الأرضية للتحقيق المنهجي العلمي ومهّد الطريق لقرون من الاستكشافات والنقاشات والاكتشافات. في ورقته (من الأسطورة الى المنطق وتطور التفكير العلمي في اليونان القديمة) يجادل اندرو جريجوري Andrew Gregory بروفيسور التاريخ وفلسفة العلوم في كلية لندن الجامعية بان اليونانيون أدخلوا تقليدا فكريا جديدا سعى الى تفسيرات علمية للعالم الطبيعي. هو لاحظ ان المفكرين اليونانيين انتجوا "اول علم متميز مقابل الخلفيات الأسطورية والسحر والتدخل الثيولوجي".
قبل ظهور الفلسفة والتفكير العقلاني، فسّر اليونانيون الاحداث الطبيعية من خلال الميثولوجيا. في ملحمتي هوميروس وهيسيود، كان العالم يُحكم بآلهة مجسمة سيطرت على القوى الطبيعية وان ظواهر الرعد والعواصف والامراض والظواهر السماوية نُسبت الى رغبة الإله بدلا من أسباب مُلاحظة. هذه التوضيحات الميثولوجية لم تكن متفردة باليونان، العديد من الحضارات القديمة اعتمدت على اطر مشابهة. فمثلا، قبل هوميروس وهيسيود، وُصفت آلهة المصريين بأجسام بشرية ورؤوس حيوانات او طيور.
الاساطير أنجزت عدة وظائف هامة. انها وفرت دروسا أخلاقية وصاغت الهوية الثقافية وقدمت توضيحات للظواهر الطبيعية. مع ذلك، هي لم يُقصد بها ان تُقيّم نقديا او تُختبر تجريبيا. وكما يوضح جريجوري، الاساطير تجسدت ضمن التقاليد الدينية والثقافية وكانت محصنة ضد النقاش العقلاني. بالمقابل، شجع التفكير العقلاني في اليونان القديمة التوضيحات المرتكزة على الدليل والاستدلال. جريجوري أكّد على ان اليونانيين كان مشهودا لهم بتطوير تفسيرات نظرية للطبيعة يمكن مناقشتها وتحدّيها وتنقيحها. طبقا له، اليونانيون "أعطوا لنا اول النظريات الملائمة" حول العالم حتى لو بدت هذه الأفكار المبكرة ساذجة قياسا بالمستويات الحديثة. التمييز الأساسي بين الأسطورة والتحقيق العقلاني يكمن في اتجاه التفسير. القصص الميثولوجية تنسب الاحداث لشخصيات دينية او نوايا ما هو خارق للطبيعة، بينما التفكير العقلاني يبحث عن أسباب طبيعية وغير شخصية. هذا التحول الفكري تطلّب إعادة تصور راديكالية عن الكيفية التي يمكن بها فهم العالم.
من الأسطورة الى المنطق: مولد الفكر
اول مرحلة لهذا التحول الفكري في اليونان القديمة حدثت مع فلاسفة ما قبل سقراط في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد. مفكرون مثل اناكسيماندر واناكسيمين سعوا لمبادئ طبيعية يمكنها توضيح هيكل وسلوك الكون. بدلا من نسبة الظاهرة الى الالهة، هم ركزوا على المادة الفيزيائية والعمليات كأساس للواقع. طاليس اعتُبر اول فيلسوف في الفكر اليوناني لأنه حاول توضيح الاحداث الطبيعية من خلال الفرضيات العقلانية بدلا من الميثولوجية. هو افترض ان الماء هو المبدأ الأساسي للكون وسعى لتفسيرات طبيعية للحوادث مثل الزلازل والكسوف. ورغم ان أفكار طاليس كانت تأملية وربما غير دقيقة أحيانا، لكن أهمية عمله تكمن في الطريقة وليس في الاستنتاجات. هو أظهر ان العالم يمكن فهمه من خلال التفكير العقلاني. الفلاسفة اللاحقون في اليونان القديمة بنوا على هذا الاتجاه في التفكير العلمي. اناكسماندر اقترح ان الكون نشأ من مادة لا محدودة تسمى apeiron، بينما اناكسمينس جادل بان الهواء هو العنصر الرئيسي. هذه النظريات مثّلت محاولات لتوضيح الطبيعة طبقا لمبادئ متسقة بدلا من التدخل الإلهي.
يؤكد اندريه جريجوري على ان مساهمات اليونانيين لم تكن فقط اكتشافا للحقائق وانما تطوير اطر نظرية. اليونانيون اعتقدوا بان المعرفة يمكن ان تتقدم من خلال النقاش العقلاني، والنظريات يمكنها ان تصف وبشكل هادف العالم الطبيعي. هذا الالتزام بالتفكير العقلاني ميّز الحياة الفكرية اليونانية عن التقاليد الميثولوجية المبكرة التي اعتمدت فيها التوضيحات على قصص مقدسة بدلا من فرضيات قابلة للاختبار.
التفكير العقلاني المبكر المرتكز على العلم في اليونان القديمة
ان التحول من الأسطورة الى التوضيح العقلاني لم ينل القبول عالميا في اليونان القديمة. الفلاسفة الذين اقترحوا توضيحات طبيعية عادة ما واجهوا الشك والكراهية. فمثلا، اناكسوغوراس اقترح ان الشمس كانت كتلة نارية وليست كائنا دينيا. هذه الأفكار تحدّت العقائد الدينية التقليدية واحيانا قادت الى اتهامات بالمعصية. المصادر التاريخية تشير بان العديد من الناس قاوموا هذه التفسيرات لأنها تجاهلت دور الوكيل الديني واخنزلته الى قوى غير مفكرة وأسباب طبيعية. هذا الموقف يوضح الطبيعة الراديكالية للتفكير العلمي المبكر. عبر اقتراح اتّباع العمليات الطبيعية لقوانين منسجمة، يكون الفلاسفة اليونانيون تحدّوا الافتراضات الثقافية الراسخة حول اشتراك الآلهة في العالم. وبالرغم من المقاومة، اكتسب الاتجاه العلمي تدريجيا نفوذا ضمن الحياة الفكرية لليونان القديمة.
هذا لا يفترض ان الفلاسفة المبكرين والعلماء كانوا ملحدين، لم يكونوا كذلك. هم طوروا اتجاها نقديا وعالميا غير مسبوق في الثقافة اليونانية. وكما لاحظ اكسينوفان، ان هوميروس و هيسود نسبا للالهة كل السلوك المخجل للناس مثل السرقة والزنا والخداع. البشر تصوروا الالهة مولود يلبس ويتحدث ويتجسد كما هم انفسهم.
ابقراط والطب في اليونان القديمة
ان الاتجاه العلمي والتفكير العقلاني في الطب كان واحدا من أوضح الأمثلة للتحول من التوضيحات الميثولوجية الى الاستدلال العلمي وهو ما حصل في الطب اليوناني القديم، وخاصة في الاعمال المرتبطة بابقراط الذي سُمي بأبوا الطب. قبل طب ابقراط، كانت الامراض تُعزى الى أسباب خارقة للطبيعة مثل العقوبة الإلهية او حيازة شيطانية، والشفاء كان يتم عبر اللجوء الى الطقوس والادعية وممارسات المعبد الموجهة الى الإله اسكليبوس. ابقراط واتباعه ادخلوا منظورا راديكاليا مختلفا. بدلا من لوم الالهة، هم جادلوا ان المرض له أسباب طبيعية يمكن فهمها من خلال الملاحظة الدقيقة والتحليل. ابقراط اكّد على الملاحظة السريرية الدقيقة والتفسير العقلاني رافضا تفسيرات الامراض المتجاوزة للطبيعة.
في رسالة شهيرة حول المرض المقدس، التي تناقش الصرع، يزعم الكتاب الايبقراطيون ان الظرف ليس الهيا وانما طبيعيا. النص ينتقد أولئك الذين يعزون المرض الى آلهة ويصر على ان المرض له أسباب فيزيقية يمكن دراستها ومعالجتها. هذا يمثل رفضا واضحا للتفسيرات الميثولوجية. الايبقراطيون الأوائل أيضا باشروا ما اعتُبر اول هجوم مؤرخ على السحر كتفسير للمرض. هم نبذوا الأسباب الأسطورية والخارقة للطبيعة لأنها غير موجودة وان العالم يمكن فهمه كمكان طبيعي محكوم بقوانين طبيعية. في مثال مثير، هم فحصوا ماشية تعاني من مرض مشابه للصرع. عندما وجدوا رائحة كريهة للدماغ استنتجوا ان الاعراض نتجت بفعل مرض طبيعي وليس تدخلا الهيا. بعمل كهذا، هم حددوا الأساس الفيزيقي للمرض – وهو مثال مبكر وواضح للتفكير العلمي.
التفسيرات التاريخية توضح كيف ان ابقراط دمج التوضيحات الطبيعية ضمن دراسة الامراض. هو جادل ان الامراض حتى تلك التي تُعتبر الهية، لها "ظروف فيزيقية" وأسباب طبيعية يمكن ملاحظتها وفهمها. الاتجاه الايبقراطي تطور الى طريقة منهجية لدراسة الامراض. الفيزيائيون سجلوا الاعراض بدقة، وحللوا العوامل البيئية مثل المناخ والغذاء وبحثوا عن نماذج يمكنها توضيح المرض. من خلال هذا التحقيق المنهجي، طور ابقراط نظرية بان الصحة تعتمد على التوازن بين أربعة اخلاط للجسم: الدم، البلغم، الصفراء، السوداء. وبينما جرى استبدال هذه النظرية مؤخرا بعلم طب حديث لكنها جسدت خطوة حاسمة نحو الممارسة الطبية العقلانية.
ان الأهمية لطب ابقراط تكمن ليس فقط في نظرياته وانما أيضا في منهجيته. عبر التأكيد على الملاحظة الدقيقة والدليل التجريبي والتوضيح العقلاني، تمكّن الأطباء الابيقراطيون من تأسيس مبادئ للتفكير العلمي بقيت مركزية للممارسة الطبية اليوم.
التطور الواسع للعلوم
ان التحول من الأسطورة الى التحقيق العقلاني امتد ليتجاوز الفلاسفة الأوائل والاطباء. في اليونان القديمة، استمر التفكير العلمي بالتقدم في حقول علم الفلك والرياضيات والفلسفة الطبيعية. مفكرون مثل فيثاغوراس حقق في البناء الرياضي للكون، بينما الفلاسفة اللاحقون بمن فيهم افلاطون وارسطو طوروا اتجاهات منهجية للمعرفة والفهم. ارسطو بشكل خاص، لعب دورا مركزيا في تحديد الفكر العلمي. هو اجرى دراسات مفصلة في البايولوجي والفيزياء والمنطق مركزا على الملاحظة الدقيقة والتصنيف. وبالرغم من التنقيحات التي أجريت لاحقا على استنتاجاته، فان اتجاهه المنهجي أثّر بعمق على التحقيق العلمي امتد لقرون. العلم اليوناني ازدهر أيضا اثناء الفترة الهلنستية عندما أحدث علماء مثل اقليدس وارخميدس وارسطوخوس تقدما هاما في الرياضيات وعلم الفلك. هذه التطورات توضح كيف وضعت التحولات الفكرية التي بدأت مع فلاسفة ما قبل سقراط الأساس لتقاليد ثرية ودائمة للتحقيق العلمي في اليونان القديمة.
طبقا لاندريه جريجوري، أسّس المفكرون اليونانيون اول شكل متميز للعلوم عبر تطوير نظريات متماسكة سعت الى وصف العالم من خلال التفكير العقلاني. عملهم اتسم بتبنّي تفسيرات منهجية ونقاشات فكرية. جريجوري لاحظ ان اليونان القديمة كانت سبّاقة في توليد أفكار علمية ضمن ثقافة وثقت طويلا بالتفسيرات الميثولوجية. العلماء المعاصرون يستمرون بالنقاش حول المدى الذي بدأ به العلم حقا في اليونان القديمة. البعض يجادل ان الحضارات القديمة مثل المصرية وما بين النهرين صنعت مساهمات هامة للرياضيات وعلم الفلك. مع ذلك، العديد يؤكدون ان اليونانيين ادخلوا اتجاها فريدا تأسس على استدلال نظري وتحقيقات منهجية. مؤرخون مثل ديفد ليندبرج و جي أي لويد يؤكدان على أهمية الفلسفة الطبيعية اليونانية في تطور العلوم الغربية. لويد،خصيصا، يسلط الضوء على التقليد اليوناني في النقاش النقدي الذي شجع التوضيحات المتنافسة والحجج العقلية. ضمن هذه البيئة الصارمة فكريا كانت الأفكار العلمية قادرة على التطور واكتساب تأثير مستمر.
ان ميراث اليونان القديمة ليس فقط مجرد مجموعة من الاكتشافات العلمية المبكرة وانما اتجاه ثوري لفهم العالم من خلال التحقيق العقلاني. هذا الاتجاه وضع الأساس لتطوير العلم الحديث وطرح مبادئ للتحقيق تستمر في صياغة اتجاهنا الحالي في المعرفة.
***
حاتم حميد محسن






