عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مصطفى غلمان: أدونيس والتأويل المفقود للنص المقدس

في فضاء الفكر العربي المعاصر، يظل القرآن نصًا مركزيًا، ليس فقط في بعده الديني، بل بوصفه مادة للجدل والتأمل والفكر النقدي. ويبرز في هذا المقام اسم أدونيس كرمز للجرأة النقدية والابتكار الشعري، غير أن قراءته للقرآن تكشف، في العمق، عن مأزق مزدوج، محاولة نقد الانغلاق من جهة، واختزال النص في سردية جامدة من جهة أخرى. هذه الثنائية تكشف عن أزمة الحداثة العربية في علاقتها بالنصوص المقدسة، حيث يتحول النقد إلى شكل آخر من الانغلاق، والجرأة إلى انعزالية تختزل تاريخًا غنيًا من الاجتهادات الفكرية في صورة ضيقة. إن المشكلة ليست مجرد موقف شخصي أو اجتهاد فردي، بل انعكاس لصراع أكبر بين الاجتهاد والتبسيط، بين حرية الفكر وضغوط الإيديولوجيا، بين التاريخ والحداثة.

حين يصف أدونيس القرآن بأنه "رهين للسجون الفقهية" ويضعه في خانة النصوص الجامدة، فهو يتجاهل ما أفرزته الثقافة الإسلامية عبر قرون من جدلية عقلية ونسق متكامل من الاجتهاد والتأويل. فالقرآن لم يكن يومًا نصًا يُستسلم له بلا نقد، بل كان دائمًا متنفسًا للفكر، أداة للمجادلة العقلية، وساحة للتأمل الفلسفي والكلامي والصوفي. إن اختزاله في سردية أحادية لا يقدّم خدمة للتاريخ ولا للحاضر، بل يحجب عن المتلقي تنوع القراءات وإمكانات الاجتهاد التي جسدت العقلانية الإسلامية، كما يظهر في اجتهادات فلاسفة مثل ابن سينا، والرازي، وابن رشد، وابن طفيل، والكندي، والسهروردي، وغيرهم كثير، من الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي، بين التجربة الفلسفية والالتزام الديني، مبدعين جسورًا بين المحلي والكوني، بين التأصيل والنقد، بحيث يظل النص مجالًا حيًا للفهم وليس مجرد مرجع ثابت أو أداة سيطرة.

يمكن استلهام نظر عميق في هذا الشأن من ميشيل فوكو، الذي يرى أن النصوص ليست محايدة، بل هي ميدان للصراع بين المعرفة والسلطة، وأن أي اختزال للنصوص في صورة جامدة هو نوع من الهيمنة الرمزية، يخفي التنوع الداخلي ويغفل الصراعات الفكرية التي أفرزتها الثقافة. فالنصوص الكبرى، وفق فوكو، لا تنفصل عن التاريخ ولا عن الحركات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ولا عن علاقات القوة التي تحدد من يقرأ ومن يُقرأ، ومن يفسر ومن يُفسر. وعليه، فإن اختزال القرآن في سردية أحادية يحجب هذه الدينامية، ويحوّل النص من أفق مفتوح للتفكير إلى أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يزعم النقد ضده.

من جهة أخرى، يظهر دور جاك دريدا في توسيع الأفق التأويلي، من خلال فكرة التفكيك، التي تسمح للنص بأن يبقى مفتوحًا على قراءات لا نهائية. فالتفكيك يكشف أن النصوص الكبرى لا تُستنفد في قراءة واحدة، وأن أي ادعاء بالإحاطة الشاملة بالمعنى هو وهم معرفي. بهذا المعنى، يمكن اعتبار ما يقدمه أدونيس من اختزال للنص في سردية جامدة ضربًا من التجاهل للفرص التأويلية التي يوفرها القرآن، والتي تمثل إمكانات فكرية غنية يمكن للحداثة العربية أن تنطلق منها.

وإذا انتقلنا إلى يورغن هابرماس، نجد دعوة واضحة لفضاء تداولي، وهو أن النقد مشروع حين يكون جزءًا من حوار مستمر، لا مجرد إعلان موقف أو تأكيد أحادية الرؤية. فهابرماس يعلّمنا أن المعنى يتكون في التفاعل بين العقلاء، وأن النصوص تصبح حيّة حين تُعرض على النقد العقلاني والتداول الفكري، لا حين تُحاصر في صورة جامدة أو اختزال أحادي. وعليه، فإن موقف أدونيس، الذي يعلن رفض الانغلاق بينما يغفل الاجتهادات السابقة، يقع في نوع آخر من الانغلاق الفكري، إذ يمنع المتلقي من إعادة اكتشاف النص في ضوء إمكانات العقل.

هذه الأزمة تكشف مأزق الحداثة العربية نفسها، في السعي إلى التحرر الفكري وإعادة بناء التجربة الثقافية في ظل إرث ضخم ومعقد من الاجتهادات، حيث التحدي هو عدم الانزلاق إلى التجاهل أو التقديس الأعمى للتراث. فالتراث العربي الإسلامي، في اجتهاداته المتعددة، أتاح تجارب عقلية متنوعة، من الفلسفة إلى الكلام إلى الصوفية، كل منها يسهم في إبراز النص بوصفه أفقًا حيًا للفكر. وعليه، فإن قراءة القرآن بوصفه نصًا جامدًا تغلق عليه إمكانات الفهم والتأويل، وتغفل النقاشات العقلية التي أفرزها التراث.

الرهان على إعادة فتح القرآن يغدو كنص حي، ليس فقط كقضية دينية، بل كمسألة فلسفية ثقافية، تتيح للحداثة العربية أن تستعيد توازنها بين العقل والنص، بين التراث والابتكار، بين الاجتهاد والنقد. فالقرآن يمكن أن يكون أداة لفهم الإنسان في سياقه الاجتماعي والثقافي، لكنه يمكن أيضًا أن يصبح أرضًا للإبداع الفكري إذا ما أُعيد النظر فيه عبر فضاءات حوارية نقدية، تتيح للتراث أن يتفاعل مع أسئلة الحاضر والتحديات المعرفية الجديدة.

وعند النظر إلى التاريخ، نجد أن التوتر بين النص وتأويلاته لم يكن يومًا عيبًا في الثقافة الإسلامية، بل كان مصدر حيويتها. فقد شهدت هذه الثقافة صراعات فكرية عميقة حول طبيعة النص وحدود العقل، من ابن رشد وابن سينا إلى الغزالي وابن طفيل، وهي صراعات أفرزت نقاشات ثرية حول العلاقة بين العقل والوحي، بين الحداثة والتقليد، بين المحلي والكوني. وهذا التنوع هو ما يجعل القرآن أفقًا متجدّدًا، وليس مجرد نص جامد أو أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يُزعم نقده.

إن مأزق خطاب أدونيس يكمن في أنه، وهو يهاجم الانغلاق، يقف في مواجهة الاجتهادات العقلية والتأويلية السابقة، فيسقط في نوع آخر من الانغلاق (الانغلاق على منظور أحادي يهمّش تاريخًا كاملًا من الجدل الفلسفي والتأويلي)، إذ يصبح النقد الذكي مسؤولية، لا يكفي رفض الماضي أو الإيديولوجيا، بل يجب إعادة فتح النص إلى إمكانات التفكير المتجددة، بحيث يكون القرآن أفقًا للحوار، ووسيلة لإعادة تأسيس الفهم في زمن يتطلب قدرة على التجاوب مع التغيرات المعرفية والاجتماعية.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن القرآن ليس مجرد نص جامد أو وثيقة تاريخية، بل فضاء حيّ للتجربة الفكرية، يتيح للإنسان إعادة اكتشاف نفسه من خلاله، كما يتيح للحداثة العربية فرصة لإعادة بناء جسور بين التراث والفكر النقدي، بين العقل والتاريخ، بين الدين والثقافة. فالرهان لا يكمن في قطيعة أو تقديس، بل في الانفتاح على إمكانات التأويل المستمرة، على الجدلية بين الاجتهاد والنقد، على الحرية الفكرية المرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية، وعلى قدرة النص على التفاعل مع أسئلة الإنسان في كل زمن ومكان.

وبهذه الطريقة، يتحول القرآن من مجرد نص تاريخي إلى أفق مستمر للمعرفة، ومن أداة للهيمنة الرمزية إلى فضاء للإبداع الفكري، ومن سلعة للخطاب الإيديولوجي إلى حقل حيّ للتفكير النقدي المستمر. إن إعادة اكتشاف النص من هذا المنظور ليست مجرد تمرين فكري، بل ضرورة استراتيجية لإعادة تأهيل العقل العربي في مواجهة التحديات المعرفية والثقافية الحديثة، وإطلاق إمكاناته في بناء فهم موسع، قادر على الجمع بين التراث والحداثة، بين الاجتهاد والفلسفة، بين العقل والوحي.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الرؤيوي، بعيدًا عن التجني أو الاختزال، أداة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والنص، بين الفكر والدين، بين الحداثة والتراث، بحيث يمكن للتراث أن يظل حيًا، والنص أن يظل مفتوحًا، والعقل أن يظل متفاعلًا. فالقرآن، كما يُظهر التاريخ والفلاسفة الحداثيون، ليس مجرد نص للقراءة السطحية، بل مجال للفكر النقدي، وساحة للحوار المستمر، وفضاء لإعادة تأسيس الثقافة العربية الإسلامية في أفق عالمي متجدد.

وبذلك يصبح النقد الحقيقي مسؤولية معرفية، حيث لا يكتفي بتحديد الانغلاق، بل يسعى لخلق فضاء للتفاعل بين النص والعقل، بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والتاريخ. وعندما يتحقق هذا التوازن، يتحول القرآن من إرث جامد إلى تجربة معرفية حية، قادرة على إثراء الفكر العربي المعاصر، وتجديد إمكانياته في مواجهة تحديات العصر، سواء كانت معرفية، ثقافية، فلسفية، أو اجتماعية. إنه بذلك يتحول إلى نص حيّ، متنفس للفكر، أداة لإعادة اكتشاف الإنسان في ضوء إمكانات الاجتهاد والنقد، ومفتاح لفهم أعمق للتاريخ والحضارة والحداثة في آن واحد.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان