عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

‏ حمزة مولخنيف: عبد الله العروي وسؤال العقل التاريخي

هل الوعي بالتاريخ شرط للعقلانية الحديثة؟

‏يُعَدّ سؤالُ العقل عند عبد الله العروي من أعقد الأسئلة التي شغلت الفكر العربي المعاصر، لأنّه لا يُطرح عنده باعتباره تمرينا ذهنيا مجرّدا أو بحثا منطقيا معزولا عن حركة المجتمعات أو مجرّد استعادة تراثية لمباحث الفلاسفة في حدودها المدرسية، وإنما ينهض في قلب المعضلة الحضارية التي تعيشها الذات العربية الحديثة تحت ضغط التأخر التاريخي ووطأة الانفصال عن منطق العصر والتردّد بين الوفاء لصور الوعي الموروث والانخراط في مقتضيات الحداثة. لذلك يغدو العقل في أفق العروي اسما لإشكال مركّب تتداخل فيه المعرفة بالزمن والقدرة على فهم التحولات والاستعداد لقبول التاريخ باعتباره سلطةً موضوعيةً تُعيد ترتيب الأفكار والقيم والمؤسسات. فالعقل هنا لا يُقاس بحدّة البرهان فحسب ولا بسلامة الاستدلال وحدها، بل يُقاس أساسا بمقدار ما يملكه الوعي من قدرة على استيعاب الصيرورة التاريخية وعلى إدراك أن الأفكار الكبرى لا تُولد في الفراغ وأن المفاهيم لا تكتسب مشروعيتها من صفائها النظري وحده وإنما من انغراسها في شروط إنتاجها ومن اتصالها العضوي بمسار المجتمعات في تحوّلها العميق.

‏لهذا السبب تحديدا اكتسب مفهوم "العقل التاريخي" عند العروي منزلةً مركزية في مجمل مشروعه الفكري لأنّه المفهوم الذي تتقاطع داخله أسئلته حول الدولة والحرية والإيديولوجيا والتحديث والسلفية والتأخر التاريخي والقطيعة المعرفية المطلوبة مع أشكال الوعي التي تعجز عن فهم العصر بلغته الداخلية. فالعروي لم يكن معنياً بإنتاج خطاب ثقافي يصف الأزمة من خارجها أو يواسي الذات العربية بتشخيصات أخلاقية رخوة أو يُراكم المرافعات العاطفية حول "الأصالة" و"الهوية" و"الخصوصية" كما لو أنّ هذه الألفاظ تمتلك قوة تفسيرية ذاتية. ما كان يعنيه في العمق، هو تفكيك البنية الذهنية التي تجعل العربي الحديث يعيش الزمن الحديث دون أن يسكنه فعلاً ويستعمل مفاهيم الحداثة دون أن يندمج في منطقها، ويطالب بثمار العقلانية السياسية والاجتماعية دون أن يمرّ عبر شروطها التاريخية الصارمة. من هنا جاءت كتاباته شديدة الحدة قاسية أحيانا، صارمة في أحكامها، لأنّها كانت تنظر إلى الفكر العربي بوصفه ساحةً يغلب عليها سوء الفهم التاريخي أكثر ممّا يغلب عليها نقص المعلومات أو ضعف النيّات.

‏إنّ العروي وهو يُلحّ على مركزية التاريخ، يضع الفكر العربي أمام امتحان عسير: هل يمكن أن تتحقق عقلانية حديثة خارج وعيٍ تاريخي حادّ؟ هل يكفي أن نترجم مفاهيم الحداثة أو نستدعي نماذجها أو نُعجب بمؤسساتها كي نُصبح عقلانيين بالمعنى الحديث؟ أم أنّ العقلانية الحديثة تقتضي تحوّلا أعمق يمسّ صورة الإنسان عن نفسه وعلاقته بالماضي وتمثّله للزمن وطريقة فهمه للشرعية والمعرفة والسلطة والتقدّم؟ هنا يخرج العروي من الدائرة الفلسفية الضيقة إلى أفق فكري أرحب، حيث يصير التاريخ معيارا للفهم ومجالا للحكم وأداةً لنقد الأوهام الثقافية التي تُلبس التأخر لبوس الفضيلة وتُحوّل العجز إلى اختيار وتُقدّم الانفصال عن العصر بوصفه حفاظا على الذات. إزاء ذلك، يتحدّد الوعي بالتاريخ شرطا للعقل، لأنّ العقل الذي يجهل تاريخيته يظلّ حبيسا في صورته الميتافيزيقية الساكنة عاجزا عن إدراك أنّ المفاهيم نفسها تخضع للتبدّل وأنّ القيم تدخل في صيرورات معقدة وأنّ المجتمعات لا تُدار بالنيات الحسنة ولا تُبنى بالحنين ولا تُصلَح بالتلفيق بين أزمنة متنافرة.

‏لقد كان هيغل يرى أنّ "العقل يحكم العالم"، غير أنّ العروي يُعيد صياغة هذه الفكرة داخل الشرط العربي الحديث على نحوٍ أشدّ واقعية، العقل لا يحكم العالم إلا إذا تشرّب منطق التاريخ وفهم أن التاريخ ليس مجرد سجلّ للحوادث بل بنيةٌ حيةٌ تتشكّل داخلها أشكال الوعي وأنماط الشرعية وأنساق القيم. وكان ماركس قد نبّه إلى أنّ البشر يصنعون تاريخهم غير أنّهم لا يصنعونه في شروط يختارونها بحرية مطلقة. أمّا العروي فقد استثمر هذا الدرس على نحو مخصوص فجعل الفكر العربي مطالبا بأن يعترف بحدود إرادته الثقافية أمام الإكراهات التاريخية الكبرى. وقد أدرك ابن خلدون في لحظة مبكرة نادرة أنّ الوقائع الاجتماعية لا تُفهم بالرغبات ولا بالأوهام وأنّ "أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونِحَلهم لا تدوم على وتيرة واحدة" وهي عبارة تكاد تصلح مفتاحا أوليا لقراءة العروي نفسه، لأنّها تُلخّص منطق التحوّل الذي ظلّ يُطارده في كتاباته ويُحاكم من خلاله كلّ خطاب يرفض أن يتعلّم من قسوة التاريخ.

‏تنبع أهمية مساءلة العروي حول "العقل التاريخي" بوصفها مساءلة تتجاوز حدود شخصه وتتجاوز حدود سجاله مع خصومه وتمسّ جوهر السؤال العربي الراهن: كيف يمكن لعقلٍ يهاب التاريخ أن يُنتج حداثة؟ كيف يمكن لوعيٍ يقدّس الماضي على نحوٍ لاهوتي أن يُدرك معنى التقدّم؟ كيف يمكن لمجتمعٍ يخلط بين الحقيقة والتراث أن يُميّز بين القيمة الرمزية للموروث والوظيفة التاريخية للمفاهيم الحديثة؟ تلك أسئلة تفتح بابا بالغ الحساسية لأنّها تمسّ بنية الوعي العربي في أعمق طبقاتها وتُجبرنا على إعادة التفكير في معنى العقلانية ذاتها: أهي ملكة منطقية خالصة أم هي نمط وجود تاريخي يتشكّل عبر تجربة جماعية طويلة وعبر مصالحة شاقة مع الزمن وعبر شجاعة فكرية تقبل بأن بعض الوفاءات قد تُصبح عائقا أمام الفهم وأن بعض الأمانات للماضي قد تنقلب في لحظة معينة إلى خيانة للمستقبل؟.

‏وإذا كان الفكر العربي الحديث قد انشغل طويلا بسؤال النهضة فإنّ عبد الله العروي نقل هذا السؤال من مستوى التمنّي الثقافي إلى مستوى المحاكمة التاريخية. تلك كانت إحدى مزاياه الكبرى بل إحدى خصائصه التي صنعت له موقعا فريدا داخل خريطة الفكر العربي المعاصر. فالرجل لم يتعامل مع النهضة باعتبارها عنوانا أدبيا جميلاً يصلح للخطابة ولا باعتبارها حنينا جماعيا إلى مجد ضائع ولا باعتبارها مجرّد مشروع أخلاقي يتأسّس على حسن النيّة وصفاء المقاصد، وإنما رآها قضيةً ترتبط ببنية الوعي ذاته وبالصورة التي يتشكّل بها العقل العربي وهو يواجه زمنا لم يصنعه ولكنه أُجبر على السكن داخله. لذلك كان العروي شديد الارتياب من كلّ خطاب يتحدّث عن الإصلاح والتجديد والبعث الحضاري من غير أن يمرّ عبر سؤال الزمن وسؤال التاريخ وسؤال الوعي الذي يتحدّد في علاقته بما مضى وبما يجري وبما يتقدّم نحوه العالم.

في هذا الأفق بالذات يبرز مفهوم "العقل التاريخي" بوصفه واحدا من أكثر المفاهيم كثافةً في مشروعه، لأنّه لا يدلّ على مجرّد اهتمام بالتاريخ ولا على نوع من التخصّص المعرفي في سرد الوقائع وتحليل المراحل، بل يدلّ على نمط مخصوص من الإدراك وعلى صورة من صور الوعي الحديث الذي لا يكتفي بمعرفة الأحداث بل يتعلّم أن يرى الأفكار نفسها كوقائع تاريخية وأن يتعامل مع القيم باعتبارها ثمرة صيرورات وأن يُخضع المفاهيم لمعيار التحوّل لا لمعيار الثبات. هنا يتبدّل معنى العقل من أساسه. فالعقل في كثير من التصوّرات التقليدية جوهرٌ مفارق أو ملكة ثابتة أو نور باطني تُقاس به الأشياء من علٍ. أمّا عند العروي فإنّ العقل يكتسب حقيقته من قدرته على فهم الضرورة التاريخية وعلى إدراك أنّ الزمن الحديث ليس حادثا عابرا يمكن التحايل عليه أو الالتفاف حوله أو اقتباس بعض نتائجه مع رفض منطقه الداخلي.

لقد كانت هذه الفكرة مؤلمة لكثيرين لأنّها تضرب في الصميم أوهاما واسعة الانتشار داخل الثقافة العربية الحديثة. فمن أسهل الأمور أن نُعلن إعجابنا بالحرية وأن نُبدي حماسة للديمقراطية وأن نُشيد بالعلم وأن نُكثر من الحديث عن الدولة والقانون والمؤسسة، ولكنّ الأصعب من ذلك كلّه أن نعترف بأن هذه المفاهيم ليست زينة فكرية تُعلّق على واجهة الخطاب ولا معاني مطلقة صالحة للاستعمال في كلّ السياقات من غير ثمن تاريخي، بل هي نتائج لمسارات طويلة متشابكة عنيفة أحيانا، سالت في مجراها دماء وصراعات وتحولات عميقة في صورة الإنسان والعالم والمجتمع. من هنا جاء إصرار العروي على أنّ الحداثة لا تُؤخذ انتقائيا ولا تُستهلك ثقافيا على طريقة الأسواق الرمزية ولا تُفهم من خارج شروطها. كان يرى في عمق المسألة أنّ كثيرا من العرب يريدون نتائج الحداثة من غير أن يدفعوا ثمنها المعرفي والسياسي ويريدون مؤسساتها من غير أن يقبلوا بمقدماتها التاريخية ويريدون لغتها من غير أن يتبنّوا منطقها.

وهذا هو الموضع الذي يصير فيه "الوعي بالتاريخ" شرطا من شروط العقلانية الحديثة. ذلك أنّ العقلانية كما فهمها العروي ليست مجرد استعمال صحيح للمنطق ولا مجرد تنظيم دقيق للحجاج ولا مجرد ميل إلى البرهنة بدل الخطابة مع أنّ كلّ ذلك مطلوب ومهم، العقلانية الحديثة أوسع من هذه الحدود. إنّها موقف من العالم وصيغة في فهم الإنسان لذاته وكيفية مخصوصة في النظر إلى المجتمع وإلى السلطة وإلى الشرعية وإلى المعرفة وإلى المستقبل. هي قبل كل شيء قدرة على التحرّر من التصوّر الساكن للوجود ومن الوهم الذي يطلب الحقيقة في ماضٍ مكتمل أو في نموذج نهائي يُراد له أن يبقى صالحا لكل الأزمنة. لذلك فإنّ الوعي التاريخي عند العروي ليس ترفا ثقافيا بل هو لحظة تأسيسية في تكوين العقل الحديث، لأنّ الإنسان لا يُصبح حديثا بمجرد دخوله عصرا حديثا كما أنّ المجتمع لا يُصبح عقلانيا بمجرد استعماله مصطلحات عقلانية وهنا تبرز قيمة العروي في كونه لم ينخدع كثيرا باللغة، لقد كان يدرك أنّ اللغة قد تُصبح أكبر مخبأ للأوهام. نستعمل الكلمات نفسها لكننا نحمّلها معاني من عصور أخرى. نردّد "الحرية" ونقصد بها رفع الحرج الأخلاقي لا بناء الذات القانونية. نردّد "الدولة" ونقصد بها السلطان أو الغلبة أو الرعاية الأبوية. نردّد "العقل" ونقصد به الحذق الخطابي أو حسن الجدل أو الذكاء العملي. نردّد "التاريخ" ونتعامل معه كخزان للعبرة أو مجال للتمجيد أو مستودع للهوية. أمّا العروي فكان يُصرّ على أنّ المفاهيم الحديثة لا تُفهم من داخل معجمنا القديم وحده لأنّها وليدة تجربة أخرى وصنيعة صراعات أخرى ومرتبطة ببنية أخرى للزمن والسلطة والمجتمع. لذلك ظلّ يُلحّ على التاريخانية لا بوصفها موضة منهجية بل بوصفها شرطا أوليا للخروج من الخلط المفهومي الذي جعل الفكر العربي يتعثر طويلا في ترجمة الحداثة إلى نفسه.

ولعلّ أخطر ما كشفه العروي أنّ الوعي العربي الحديث يعيش حالة من الانشطار الزمني. إنّه يعيش في عصر حديث من جهة الوسائل والمؤسسات والضغوط الدولية وأشكال التنظيم الاقتصادي والسياسي غير أنّه يفكّر في كثير من الأحيان بمنطق سابق على الحداثة أو بمنطق لم يهضم الحداثة بعد. وهذه الحالة لا تُنتج فقط ازدواجا ثقافيا بل تُنتج نوعا من الاضطراب العميق في العقل نفسه. فالعقل الذي يستعمل مفاهيم لا يملك شروطها التاريخية يتحوّل إلى عقل مقلِّد أو إلى عقل انتقائي أو إلى عقل تلفيقي، وقد يتحوّل أحيانا إلى عقل دفاعي يختلق المبررات كي يرفض ما لا يستطيع استيعابه. وهنا يتّضح أن العروي لم يكن يُهاجم التراث من موقع عدائي ساذج كما ظنّ بعض خصومه، وإنما كان يُهاجم الطريقة التي يُستعمل بها التراث حين يتحوّل من مادة للفهم إلى سلطة للحجب ومن ذاكرة حيّة إلى مرجعية مغلقة ومن مورد للتأويل إلى جهاز مقاومة ضد التاريخ.

لقد كان واعيا على نحو حاد بأنّ المشكلة لا تكمن في وجود الماضي، فالماضي قدر كلّ أمة ولا في الاعتزاز بالموروث فذلك حقّ ثقافي مشروع، وإنما تكمن في طبيعة العلاقة بهذا الماضي، هل نُدخله في مدار الفهم التاريخي أم نُنزله منزلة المطلق؟ هل نقرأه كنتاج بشري تشكّل داخل شروط مخصوصة أم نُحوّله إلى نموذج معياري خارج الزمان؟ هل نطلب منه الإلهام أم نطلب منه أن يُعفينا من مواجهة الحاضر؟ هنا تلتقي فلسفة العروي من بعيد مع بعض أعماق الدرس الخلدوني. فابن خلدون الذي أدرك أنّ الاجتماع البشري محكوم بالتحوّل، وأنّ الدول والأحوال والطبائع لا تثبت على حال، فتح بابا مبكّرا لوعي تاريخي نادر في ثقافتنا. غير أنّ هذا الوعي لم يتحوّل إلى بنية فكرية مستمرة بل ظلّ في كثير من الأحيان استثناءً عبقريا أكثر منه تقليدا معرفيا راسخا. أمّا العروي فقد حاول أن يستأنف هذا الحسّ التاريخي داخل شرط جديد حيث لم يعد الأمر متعلقا بدورة الدول والعصبيات فقط، بل بتبدّل العالم نفسه وبنشوء زمن كوني جديد يفرض منطقه على الجميع.

من أجل ذلك كان نقده للسلفية بمختلف أشكالها، نقدا يتجاوز البعد العقدي أو الفقهي الضيّق. السلفية عنده ليست مجرّد موقف ديني محدّد، بل هي بنية وعي وقد تتلبّس لبوسا دينيا أو قوميا أو ليبراليا أو حتى يساريا. كلّ خطاب يرفض أن يرى المفاهيم في تاريخيتها وكلّ خطاب يبحث عن خلاص جاهز في أصل سابق وكلّ خطاب يعتقد أنّ بالإمكان اختصار التاريخ أو القفز فوق مراحله أو انتقاء نتائجه دون أسبابه، فهو في العمق شكل من أشكال السلفية الذهنية. وفق هذا الفهم لا تبدو السلفية عند العروي مجرّد موقفٍ عقديّ بقدر ما تتبدّى في بعض تجلّياتها بنيةً مخصوصةً في النظر إلى التاريخ والمعرفة. واستنادا إلى هذا يتّضح فهم شدّة نقده لبعض صيغ السلفية الحديثة لا لمرجعيتها الدينية في حدّ ذاتها، وإنما لكونها تُظهر قابليةً على التكيّف اللغوي مع مفردات العصر دون أن يصاحب ذلك تحوّلٌ عميق في أنماط التفكير أو في شروط الوعي التاريخي. أمّا السلفية التقليدية فعلى الرغم من تمسّكها الواضح بأفقها المرجعي فإنّ صراحتها في حدودها المعرفية تجعل موقعها الفكري أكثر انكشافا وأقلّ التباسا.

ولذلك أيضا لا يجوز أن نقرأ دعوة العروي إلى التاريخانية على أنّها دعوة إلى استسلام جبري للتاريخ أو انبهار أعمى بالغرب أو إذعان سلبي لمسار كوني لا يترك للشعوب حقّ الاختيار. هذه قراءة سطحية بل ظالمة. العروي لم يكن يطلب من العربي أن يتخلّى عن ذاته بل كان يطالبه أن يخرج من وهم الذات المغلقة. لم يكن يطالبه أن ينسى تراثه بل أن يفهمه. لم يكن يطالبه أن يعبد الحداثة بل أن يعترف بأنّها حدث تاريخي عظيم غيّر بنية العالم وأنّ من يتعامل معه بخفّة ثقافية أو بمكر لغوي أو بانتقائية مريحة محكوم عليه أن يظلّ على هامشه. والحقّ أنّ هذا الموقف على قسوته ينطوي على قدر كبير من الأمانة الفكرية. فكم من خطاب راوغ الذات العربية بألفاظ المديح والخصوصية والتوفيق والتأصيل ثم تركها في المكان نفسه. وكم من مشروع وعد بإنتاج حداثة أصيلة، فإذا به يُنتج مفاهيم مشوّهة ومؤسسات هشة ووعيا مرتبكا ولغةً تتكلّم في اتجاهين متناقضين في اللحظة نفسها. وهنا تكتسب مسألة "العقل التاريخي" معناها الحاسم.

فالعقل الذي يعي التاريخ لا يُسلم له تسليم العاجز ولا يذوب فيه ذوبان التابع وإنما يتعلّم كيف يفهم منطقه وكيف يُدرك الضرورات التي تشتغل داخله وكيف يُميّز بين ما هو قابل للتجاوز وما هو مفروض بحكم المرحلة وكيف يفرّق بين القيم الكونية التي صارت جزءا من البناء الحديث للعالم وبين الأشكال المحلية التي يمكن التصرّف فيها. هذا العقل لا يُنكر الذات لكنّه لا يُؤلّهها. لا يقطع مع الماضي قطعا هستيريا لكنّه لا يسكن فيه. لا يُمجّد الغرب لكنّه لا يُكابر أمام دروسه. لا يستسلم للواقع لكنّه لا يُقيم مشروعه على الرغبة وحدها. تلك هي الصعوبة التي أراد العروي أن يُدخل الفكر العربي فيها: صعوبة النضج التاريخي.

ولعلّ أحد الأسباب التي جعلت مشروعه يثير كثيرا من الجدل أنّه كان يُطالب القارئ العربي بأمرين عسيرين في آنٍ واحد: أن يُمارس نقدا جذريا لمسلّماته وأن يتحمّل كلفة هذا النقد نفسيا وثقافيا. فالوعي التاريخي لا يطلب فقط تصحيح المعلومات بل يطلب إعادة ترتيب الداخل. يطلب من الإنسان أن يُراجع علاقته بالمقدّس الثقافي وبالصور التي تربّى عليها وباللغة التي كان يظنّها بريئة وبالألفاظ التي يعتقد أنّ معناها ثابت لا يتبدّل. وهذه المراجعة ليست عملية تقنية بل هي محنة وجودية للعقل. لذلك نفهم لماذا بدا العروي في أعين كثيرين مستفزا، حادا، بل مستعجلا أحيانا. لقد كان يرى أنّ الزمن لا ينتظر وأنّ الأمم التي تُضيّع وقتها في المجاملات المفهومية وفي التوفيقات البلاغية وفي إرضاء الذاكرة على حساب المستقبل تنتهي إلى استهلاك التاريخ بدل صناعته.

إنّ السؤال الذي يطرحه العروي في جوهره ليس هل نملك تراثا عظيما؟ فذلك سؤال أجابت عنه قرون من الفخر والاعتداد. ولا هو هل نستطيع أن نقتبس من الغرب؟ فذلك صار أمرا واقعا منذ بدايات الاحتكاك الحديث. السؤال الأعمق هو هل نملك من الشجاعة المعرفية ما يجعلنا نفهم أنّ العقل الحديث لا يولد من داخل الوجدان المطمئن بل من داخل القطيعة المؤلمة مع التصوّر الساكن للعالم؟ وهل نملك من الصرامة الفكرية ما يجعلنا نُدرك أنّ التاريخ ليس مجرد ماضٍ يُروى بل هو سلطة حاضرة تُحدّد إمكاناتنا وتفرض علينا نوعا من التواضع المعرفي وتُعلّمنا أنّ المفاهيم لا تُستورد كما تُستورد السلع وأنّ العقلانية ليست شعارا بل تربية طويلة على الاعتراف بالزمن؟.

ويبرز سؤال العروي حول الوعي بالتاريخ كسؤال يتجاوز حدوده النظرية إلى عمق المصير الثقافي العربي. لأنّ الأمة التي لا تُحسن فهم تاريخها ولا تُحسن فهم تاريخ غيرها ولا تُحسن قبل ذلك فهم التاريخ بوصفه قانونا للتحوّل وتبدّل المعاني والشرعيات، تبقى عرضةً لتكرار الأوهام نفسها بأسماء جديدة. قد تغيّر لغتها وقد تُبدّل شعاراتها وقد تُزيّن خطابها بمصطلحات معاصرة غير أنّ بنيتها الذهنية تبقى على حالها. وتكمن هنا مأساة كثير من مشاريعنا الفكرية، مظهر حديث وروح قديمة، ألفاظ جديدة ومخيال قديم، مؤسسات مستعارة ووعي لم يُغادر بعد منطقة السكون. والعروي في هذا الموضع تحديدا لا يقدّم مجرد تشخيص بل يضع إصبعه على الجرح المؤسّس، لا حداثة بغير تاريخ ولا عقلانية بغير وعي تاريخي ولا خروج من التأخر ما دام العقل يطلب المستقبل بوسائل تنتمي إلى عالم انقضى.

وإذا أردنا أن نمسك بمفتاح المشروع الفكري لعبد الله العروي فإنّنا لا نكاد نجد مفهوما أشدّ دلالة من مفهوم "التاريخانية". غير أنّ الخطأ الذي وقع فيه كثير من قرّائه أنّهم تعاملوا مع هذا المفهوم كما لو كان مجرّد اختيار منهجي أو نزعة تفسيرية تفضّل العامل التاريخي على غيره من العوامل. والحال أنّ التاريخانية عند العروي أعمق من ذلك بكثير وأشدّ التصاقا بجوهر المسألة العربية الحديثة. إنّها ليست مجرد أداة للقراءة بل هي في المقام الأول تربية للعقل على مغادرة وهم الثبات وعلى التحرّر من النزعة الجوهرانية التي تُحوّل المفاهيم إلى كائنات أزلية وتُعامل الأفكار كما لو كانت حقائق قائمة بذاتها منزّهة عن شروطها، متعالية على سياقاتها صالحة لكلّ زمان على الصورة نفسها. وهذا بالضبط ما أراد العروي أن يزعزعه في بنية الوعي العربي، ذلك الميل العميق إلى اختزال الفكر في المعيار واختزال التاريخ في العبرة واختزال الماضي في المثال.

ولعلّ ما ميّز العروي حقا أنّه لم يكتفِ بنقد مضامين الفكر العربي بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى نقد "صورة العقل" التي تنتج هذه المضامين. كان يرى أنّ كثيرا من الأزمات التي نعانيها لا ترجع إلى نقص في النوايا أو في الشعارات أو في الرغبة في الإصلاح، بل ترجع إلى خلل أصيل في كيفية تمثّلنا للمفاهيم الكبرى. نحن نريد الحرية ولكنّنا نريدها غالبا في صورة توافقية لا تُزعج البنى القديمة. نريد الدولة ولكنّنا نريدها أحيانا من غير أن نقطع مع أنماط الولاء ما قبل السياسي. نريد العقلانية ولكنّنا نبحث عنها داخل معجم لا يزال يتغذّى من التصورات اللازمنية. نريد التقدّم ولكنّنا نريد أن نصل إليه من غير أن نمرّ عبر الجراح التي تصنعه. وقد كان العروي في كثير من كتاباته يُشعر قارئه أنّه لا يهاجم الآراء وحدها بل يهاجم الكيفية التي تتكوّن بها الآراء أصلا والبنية الذهنية التي تسمح لها أن تبدو مقنعة.

في هذا الإطار المفهومي يتحدد "العقل التاريخي" تعبيرا عن ضرب من النضج المعرفي الذي يرفض أن يفصل بين الفكرة وسيرتها وبين المفهوم وشرطه وبين القيمة ومسار تشكّلها. فالديمقراطية مثلا ليست كلمة محايدة قابلة للتبنّي الفوري. إنّها حصيلة تحوّل طويل في بنية الاجتماع السياسي وفي مفهوم الفرد وفي معنى الشرعية وفي العلاقة بين القانون والسلطة وبين الجماعة والحق. والعقل الذي يتعامل مع الديمقراطية بوصفها شعارا أخلاقيا فحسب أو بوصفها تقنية انتخابية أو بوصفها زينة دستورية هو عقل لم يدخل بعد إلى جوهر الحداثة السياسية. وكذلك الأمر في الحرية والعلمانية والدولة والحقوق والتعاقد والمؤسسة. تلك كلّها ليست معاني معلّقة في الفراغ بل هي طبقات من التاريخ متجسّدة في ألفاظ. ومن لا يفهم ذلك يظلّ أسير ما يمكن أن نسمّيه "الاستعمال اللغوي للمفاهيم الحديثة" من غير امتلاك حقيقتها التاريخية.

ويبرز عمق صلة العروي بالإيديولوجيا هنا لا بوصفها موضوعا معزولا كما عرضها في كتابه الشهير، بل بوصفها الوجه الآخر لأزمة العقل العربي. فالإيديولوجيا في أحد وجوهها هي تلك المنطقة التي تتخفّى فيها الرغبات داخل المفاهيم ويختلط فيها التبرير بالتفسير ويُستبدل فيها التحليل التاريخي بلغة مشحونة بالرغبة والانتقاء والانتقام الرمزي أحيانا. والعروي كان شديد الحساسية تجاه هذا الخلط. كان يدرك أنّ الفكر العربي الحديث في كثير من لحظاته لا يفكّر بقدر ما يتمنّى ولا يحلّل بقدر ما يدافع عن صورته عن نفسه ولا يقرأ الحداثة بقدر ما يُفاوضها من موقع نفسي مضطرب، يريد أن يأخذ منها ما يُجمّل صورته ويؤجّل ما يهزّ أسسه. لذلك جاءت كتابته عن الإيديولوجيا حاسمة لأنّها كانت في العمق فضحا لأشكال الوعي التي تتوسّل بالمفاهيم الحديثة لكي تحمي البنى القديمة وتستعير لغة التاريخ لكي تُقاوم منطقه.

ومن هنا أيضا نفهم لماذا لم يكن العروي مرتاحا إلى مشاريع "التوفيق" التي شغلت جزءا كبيرا من الفكر العربي الحديث. لقد رأى أنّ التوفيق في كثير من الأحيان ليس فعل إبداع بقدر ما هو تعبير عن عجز الوعي عن الحسم مع نفسه. إنّه محاولة لإرضاء الماضي والحاضر معا، مع أنّ بينهما في بعض المسائل قطيعة حقيقية لا تُحلّ بالمجاملة المفهومية. ولأجل هذا بدا العروي مقارنة بكثير من مجايليه أكثر ميلاً إلى الصراحة القاسية. فهو لا يطمئن إلى الحلول الوسطى حين تكون مجرّد حيلة لغوية ولا يثق كثيرا في خطاب "الخصوصية" حين يُستعمل لتمويه التأخر ولا يسلّم بخطابات "الأصالة" حين تتحوّل إلى ذريعة لتأجيل المواجهة مع مقتضيات العصر. إنّ المشكلة في نظره ليست أنّ للأمة خصوصيتها، فكلّ أمة لها خصوصيتها بل أنّ الخصوصية قد تُصبح أحيانا اسما مهذّبا للخوف من التاريخ.

على هذا المستوى تحديدا تتجلّى جرأة العروي في مساءلته لما يمكن أن نسمّيه "الضمير التراثي" داخل الثقافة العربية. فالعروي لم يكن من أولئك الذين يتوهّمون إمكان بناء حاضر من غير ذاكرة ولا من أولئك الذين يستخفّون بالقوة الرمزية للتراث في تشكيل الوجدان الجمعي. كان يعرف بحكم تكوينه العميق واطلاعه الواسع أنّ التراث ليس مجرد ركام نصوص بل هو بنية طويلة من المعاني والقيم والتمثّلات والسلطات الرمزية. لكنّه كان يعرف أيضا أنّ الخطر يبدأ حين نُخرج التراث من تاريخه ونُنزله منزلة الأصل النهائي الذي تُقاس به كلّ الأشياء، عندئذ يتحوّل من مادة للتفكير إلى سلطة تمنع التفكير. من هنا كان نقده في جوهره موجّها إلى آلية التقديس الثقافي أكثر من توجّهه إلى التراث بوصفه إرثا حضاريا. فالمشكلة لا تكمن في أنّ لنا ماضيا بل في أنّنا كثيرا ما نتعامل مع هذا الماضي كما لو كان الحاضر المؤجّل الذي ينبغي أن يعود.

وتتّضح الصلة الدقيقة بين العروي وبين بعض أسئلة الفقه والفلسفة معا. فالفقهاء الكبار حين مارسوا الاجتهاد في لحظاتهم الخصبة لم يكونوا مجرّد حافظين للنصوص بل كانوا قرّاء للواقع عارفين بتبدّل الأحوال مدركين لما يسمّيه الأصوليون "تحقيق المناط" و"تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال". ولم يكن هذا المعنى غريبا عن روح الفكر الإسلامي في أعمق لحظاته مهما اختلفت درجات حضوره عبر العصور. لكنّ الذي وقع لاحقا أنّ الحسّ التاريخي انكمش لصالح حسّ معياري صارم يُكثر من استحضار المثال ويقلّ فيه الوعي بالحركة. ولو أردنا تقريب الفكرة لقلنا إنّ العروي في بعض وجوهه كان يطالب الفكر العربي بأن يستعيد تلك القدرة المفقودة على رؤية "الأحكام" و"المفاهيم" و"الأنظمة" داخل صيرورتها لا داخل تجميدها. إنّ العروي لم يكن خصما لفكرة الاجتهاد الحيّ بل كان خصما لكلّ عقل يرفض أن يعترف بأن الزمن شريكٌ في الفهم.

غير أنّ هذا المسلك نفسه هو الذي جرّ عليه تهما كثيرة. فقد بدا لبعضهم أنّه يُعلي من شأن التاريخ إلى حدّ يكاد يُسقط القيم أو أنّه يُضخّم العامل الغربي إلى درجة تجعل الحداثة قدرا لا فكاك منه إلا بالذوبان. وهذه القراءة على شيوعها تبقى في تقديري قراءة ناقصة. لأنّ العروي لم يكن يقول إنّ كلّ ما هو حديث حقٌّ لمجرّد أنّه حديث ولا إنّ التاريخ يبرّر ذاته كيفما كان ولا إنّ الغرب معيار أخلاقي نهائي. ما كان يقوله في العمق هو أنّ العالم دخل طورا جديدا من التنظيم المعرفي والسياسي والاجتماعي وأنّ هذا الطور يفرض لغته ويُنتج مؤسساته ويعيد تعريف الإنسان نفسه. ومن لا يقرأ هذا التحوّل قراءة تاريخية صارمة سيظلّ يواجهه بأدوات لا تكفي لفهمه فضلا عن تغييره. الفرق شاسع بين من يُسلم للغالب لأنّه غالب وبين من يعترف بأنّ العالم تغيّر وأنّ الفعل الرشيد يقتضي فهم طبيعة هذا التغيّر.

لقد كان العروي في هذا الباب قريبا في بعض ملامحه من الدرس الهيغلي مع مسافة واضحة تحفظ له خصوصيته. فالتاريخ عند هيغل ليس تتابعا عرضيا للحوادث بل مسار تتكشّف داخله الحرية. والعروي وإن لم يُعِد إنتاج هيغل فقد ورث عنه شيئا أساسيا، الإحساس بأنّ الوعي لا يكتمل خارج الزمن وأنّ العقل لا يُفهم في عزلة عن الحركة التي تُنتجه. كما أنّه أفاد بوجه آخر من الحسّ الماركسي في قراءة البنى والمؤسسات بوصفها حصيلة شروط وصراعات لا مجرّد اختيارات ذهنية معزولة. لكنه لم يتحوّل إلى تابع لأيّ من هذين الأفقين، لأنّ مشكلته كانت عربية مخصوصة، كيف يمكن لعقل يعيش بعد الصدمة الاستعمارية وبعد انكشاف الفجوة الحضارية وبعد تعثّر مشاريع النهضة أن يبني وعيا حديثا لا يقوم على التلفيق ولا على الاستلاب؟.

وتبرز قيمة القسوة في فكر العروي، ذلك أنّ بعض المشاريع الفكرية تُغري قارئها بالدفء العاطفي وبالوعود السهلة وبالقدرة على الجمع بين المتناقضات في صيغة مطمئنة. أمّا العروي فقد اختار أن يكون صادما في كثير من المواضع لأنّه كان يرى أنّ الصدمة نفسها قد تكون شرطا في اليقظة. لقد كان يقول للقارئ العربي بصيغ مختلفة، إنّك لا تستطيع أن تبقى كما أنت وتدخل العصر كما هو. لا تستطيع أن تستبقي بنية الوعي القديمة كاملة ثم تطالب بنتائج الحداثة الكاملة. لا تستطيع أن تُبقي المفاهيم في معانيها الموروثة ثم تُحمّلها وظائف حديثة. لا تستطيع أن تعيش في زمنين معا ثم تنتظر أن ينتج عن هذا الانشطار عقلٌ مستقرّ. وهذه الرسالة مهما اختلفنا مع بعض تفاصيلها تحمل قدرا كبيرا من النزاهة. إنّها رسالة تُحرج نعم، لكنها تُجبر على التفكير.

ومن أخصب ما يتيحه لنا سؤال العروي أنّه يفرض إعادة النظر في معنى "العقلانية" نفسه. فكم من مرة استُعمل هذا المفهوم عندنا في صورة ضيقة كأنّه مرادف للبرهان الصوري أو للنزعة العلمية العامة أو لرفض الخرافة فحسب. مع أنّ العقلانية الحديثة في معناها الأعمق لا تُختزل في هذه العناصر على أهميتها. إنّها ترتبط كذلك بنشوء الفرد القانوني وبفكرة التعاقد وبالتمييز بين المجالين العام والخاص وبخضوع السلطة لمبدأ الشرعية لا لمبدأ الغلبة وبالتعامل مع المعرفة بوصفها قابلة للمراجعة وبالإيمان بأنّ المستقبل ليس تكرارا للماضي، وكلّ هذه المعاني لا تنفصل عن وعي تاريخي مخصوص. فالعقلانية الحديثة ليست فقط كيف نبرهن بل كيف نسكن الزمن. وليست فقط كيف نفكّر في الأشياء بل كيف نفهم أنفسنا داخل التحوّل. ومن هنا كانت حدّة سؤال العروي: هل يملك الفكر العربي هذا الوعي فعلا أم أنّه ما يزال يطلب العقلانية بأدوات عقل لم يُصالح التاريخ بعد؟.

والواقع أنّ هذا السؤال ما يزال حيا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فما نراه في كثير من ساحاتنا الثقافية والسياسية يكشف أنّ الانشطار الذي وصفه العروي لم يُحسم بعد. ما نزال نرى مفاهيم حديثة تُستعمل استعمالا تقليديا وشعارات تقدمية تُدار بعقلية ما قبل حديثة ونقدا للتراث يقع أحيانا في سلفية معكوسة وتمجيدا للهوية ينتهي إلى تعطيل الفعل واستدعاءً للخصوصية يتحوّل إلى آلية دفاعية ضد كلّ مساءلة جذرية. وما نزال نرى كذلك نزوعا واسعا إلى اختزال التاريخ في الذاكرة مع أنّ التاريخ أوسع من الذاكرة بكثير. الذاكرة تحفظ ما نحبّ أن نتذكّره، أمّا التاريخ فيُرغمنا على مواجهة ما لا نحبّ أن نعترف به. الذاكرة تُغذّي الانتماء، أمّا التاريخ فيُربّي الفهم. الذاكرة قد تمنحنا العزاء، أمّا التاريخ فيمنحنا أحيانا المرارة التي تسبق النضج.

وعند هذا الحدّ تتجلّى المفارقة الكبرى في مشروع العروي. فهو من جهة يطالب بقدر من الحسم يكاد يبدو صعب الاحتمال ثقافيا ونفسيا. وهو من جهة أخرى لا يفعل ذلك بدافع العداء للذات بل بدافع إنقاذها من أوهامها. إنّه لا يريد للعربي أن يكره نفسه بل أن يفهم حدود نفسه التاريخية. لا يريد له أن ينكر ماضيه بل أن يضع هذا الماضي في مكانه الصحيح. لا يريد له أن يتحوّل إلى نسخة مستعارة بل أن يدرك أنّ كلّ إبداع حقيقي يمرّ عبر فهم العالم كما هو لا كما نرغب أن يكون. ولهذا فإنّ قيمة العروي لا تكمن فقط في أطروحاته الجزئية بل في أخلاق فكرية كاملة تتجلّى في كتابته، أخلاق الصرامة وأخلاق عدم المجاملة المفهومية وأخلاق الامتناع عن تخدير الذات بخطابات المواساة الحضارية.

إنّ السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا كلّه ليس ما إذا كنّا نتفق مع العروي في كلّ ما قال فذلك غير لازم، بل السؤال الأهم هل استطاع أن يضع يده على عقدة مركزية في الفكر العربي الحديث؟ والجواب في تقديري المتواضع، نعم إلى حدّ بعيد. لقد أدرك أنّ الأزمة لا تكمن في مجرّد التأخر المادي ولا في مجرّد الاستبداد السياسي ولا في مجرّد الهيمنة الخارجية على خطورة هذه العوامل جميعا بل تكمن أيضا في صورة الوعي الذي يتعامل مع هذه العوامل. فإذا كان العقل عاجزا عن فهم التاريخ فإنّه سيحوّل كلّ عائق إلى قدر ميتافيزيقي وكلّ فرصة إلى شعار وكلّ مفهوم إلى قناع. أمّا إذا امتلك الوعي التاريخي فإنّه يبدأ أخيرا في رؤية العالم بوصفه مجالا للصيرورة لا مسرحا للحنين، وبوصفه ميدانا للفعل المشروط لا فضاءً للرغبة المطلقة.

إنّ الوعي بالتاريخ عند عبد الله العروي لا يَرِد بوصفه ترفا نظريا ولا بوصفه اختصاصا معرفيا منفصلا عن باقي دوائر الفكر بل بوصفه الشرط العميق الذي تُبنى عليه إمكانات العقلانية الحديثة في المجال العربي. فمن دون هذا الوعي تظلّ المفاهيم الحديثة معلّقة وتظلّ مشاريع الإصلاح مرتبكة ويظلّ الخطاب الثقافي موزّعا بين تمجيد الماضي والانبهار بالحاضر من غير أن يمتلك قدرة حقيقية على التوليد الخلّاق. أمّا حين يتكوّن العقل التاريخي فإنّ الفكر يبدأ في التحرّر من عبودية الصور الجامدة ويصبح قادرا على التمييز بين ما هو موروث بوصفه قيمة رمزية وما هو مطلوب بوصفه ضرورة تاريخية وبين ما يجوز تأويله وما ينبغي تجاوزه وبين ما يصلح للإلهام وما يصلح للبناء المؤسّسي الحديث.

إنّها في المحصّلة معركة على صورة العقل نفسه. وهذا ما يجعل العروي واحدا من أولئك المفكرين الذين لا يُقرأون لمجرّد تحصيل المعلومات، بل يُقرأون لأنّهم يُزعجون البنية العميقة للوعي ويجبرون القارئ على مراجعة منطقه الداخلي ويُدخلونه في حرجٍ فكري قد يكون في النهاية بابا إلى نضج لم يكن ممكنا من دونه.

إنّ فكر عبد الله العروي لا يُختزل في تأييد أو رفض ولا يُستوعب بمجرد تصنيف بين مناصر وخصم. بل لقد طرح على الفكر العربي أحد أكثر الأسئلة صدقا وإيلاما كيف نصبح عقلانيين حقا في عالم صار فيه التاريخ أقوى من الرغبات وأشدّ من الأماني وأعنف من البلاغات المريحة؟ لقد أدرك أنّ العقلانية الحديثة ليست امتلاكا لأدوات البرهان ولا انتماءً رمزيا إلى قيم العصر بل هي تحوّل جذري في تمثّل الزمن وفي موقع الإنسان من العالم وفي شروط بناء الشرعية والمعرفة والسلطة. وعليه يتحوّل وعيه بالتاريخ وعيا تأسيسيا، إذ يضع الفكر أمام الحقيقة المحرجة، لا يمكن بلوغ الحداثة من أبوابها الخلفية ولا تحقيق عقلانية حقيقية من دون مواجهة مؤلمة مع التاريخ نفسه.

إنّ أكبر ما يُحسب للعروي أنّه نزع عن الفكر العربي كثيرا من أوهامه اللغوية. كشف أنّ الكلمات قد تُصبح حجابا كثيفا حين نردّدها من غير أن نعيش شروطها وأنّ المفاهيم قد تتحوّل إلى تمائم ثقافية إذا استُعملت خارج سيرتها التاريخية وأنّ الأمة قد تخدع نفسها حين تظنّ أنّها تُنتج حداثتها بمجرد إعادة تسمية القديم بأسماء جديدة. لذلك فإنّ سؤاله عن العقل التاريخي لم يكن سؤالا نظريا محضا بل كان امتحانا أخلاقيا للعقل العربي، هل يملك من الصدق ما يجعله يعترف بأنّ جزءا من تأخره راجع إلى طريقة تفكيره في نفسه؟ وهل يملك من الشجاعة ما يسمح له أن يخرج من قداسة الصور إلى قسوة التحليل؟.

ومهما اختلفنا مع بعض حدّته أو مع بعض أحكامه التي قد تبدو في مواضع معينة أقرب إلى الحسم الإكراهي منها إلى الحوار التأويلي الواسع، فإنّ القيمة الكبرى لفكره تظلّ قائمة حيث أراد أن يحرّر العقل من الكسل التاريخي. أراد أن ينقله من مجرّد الاحتجاج بالماضي إلى فهم الماضي ومن مجرّد الانبهار بالحاضر إلى تحليل الحاضر ومن مجرّد الرغبة في المستقبل إلى بناء شروط المستقبل. وهذا في ذاته مكسب هائل لأنّ الأمم لا تنهض بالأماني ولا بالبلاغة ولا بتقديس ذاكرتها بل تنهض حين تتعلّم كيف تقرأ نفسها داخل الزمن وكيف تُدرك أنّ الوفاء الأعمق للذات لا يتحقق بحبسها داخل صورها القديمة بل بتمكينها من أن تُبدع صورتها القادمة.

إنّ الجواب عن السؤال الذي يوجّهه هذا المقال يكاد يتّضح في ضوء تجربة العروي نفسها: نعم، الوعي بالتاريخ شرطٌ جوهريّ للعقلانية الحديثة لا بمعنى أنّ التاريخ يُلغي القيم أو يبتلع الإنسان في حتميّات عمياء بل بمعنى أنّ العقل الذي لا يعي تاريخية المفاهيم ولا يدرك تحوّل الشرعيات ولا يقرأ تبدّل البنى والأنساق، يبقى عقلا ناقص الحداثة مهما أكثر من الحديث عنها. العقل الحديث لا يُولد من فراغ ولا يُستورد كاملا ولا يُصطنع بخطاب تلفيقي. إنّه ثمرة تربية طويلة على الاعتراف بالتحوّل وعلى فهم الصيرورة وعلى قبول أنّ بعض القطائع المؤلمة أرحم من ألف مصالحة زائفة.

ولعلّ هذا هو الدرس الأشدّ عمقا الذي يتركه لنا عبد الله العروي، أنّ التاريخ ليس خصما للهوية إلا عند من يختزل الهوية في الجمود، وأنّ العقل ليس خصما للتراث إلا عند من يُحوّل التراث إلى صنم وأنّ الحداثة ليست قدرا استلابيا إلا عند من يرفض أن يفهمها في شروطها الحقيقية. أمّا حين ينضج الوعي فإنّ التاريخ يُصبح مدرسةً لا تهديدا، ويُصبح العقل أداة تحرير لا مجرّد زينة خطابية وتُصبح الحداثة أفقا للفعل لا موضوعا للتلاسن الثقافي. وعندئذ فقط يمكن للفكر العربي أن يغادر دائرة الاجترار إلى فضاء التأسيس، وأن يخرج من التردد بين ماضٍ مؤلَّه وحاضرٍ مُرتهَن إلى قدرة أرقى، قدرة أن يصنع لنفسه موقعا داخل العصر من غير أن يفقد كرامته ومن غير أن يخون ذكاءه ومن غير أن يطلب الخلاص من خارج شروط التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف