أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: التحوّل من الحقيقة إلى الفاعلية
إعادة تعريف المعرفة في الفلسفات المعاصرة
لا يخفى على كثير أن مسألة الحقيقة مثلت منذ فجر التفلسف اليوناني القلب النابض للميتافيزيقا الغربية، ذلك القلب الذي ظل ينبض على إيقاع ثنائيات صارمة: الظاهر والباطن، الحسي والمعقول، الرأي والعلم، الزائل والثابت. فمنذ أن أعلن بارمينيدس أن الوجود هو والتفكير شيء واحد وأشاد أفلاطون بعالم المثل الذي لا يتغير فوق أطلال الكهف الموحل، اتخذت الحقيقة صفة القداسة والسكون وصارت مطابقة بين اللفظ والعين، بين الذهن والعالم وبين الفكرة والموضوع الخارجي. هذا المفهوم الذي بلغ ذروته في مشروع ديكارت الذي جعل "أنا أفكر" ملاذاً مطلقاً لليقين وفي كانط الذي تتبع الشروط القبلية لإمكان المعرفة الصادقة، ظل مهيمناً حتى اللحظة التي بدأت فيها أصوات متمرّدة تتساءل أليس في هذا التصور الأسير لمرآة الحقيقة انسداد للأفق وتجميد للحياة وإنكار للبعد الفاعل والمبدع في صميم الإنساني؟
على هذه الخلفية يبرز التحوّل الذي تسعى هذه المقالة إلى مقاربته، ذلك التحوّل الجذري الذي حوّل مركز الثقل الفلسفي من سؤال الحقيقة بوصفها انطباعاً سلبياً إلى سؤال الفاعلية بوصفها إبداعاً إيجابياً. ففي سياق فلسفات نيتشه الذي أعلن أن الحقائق أوهام بالية والبراغماتية الأميركية التي جعلت المعيار نجاعة الفعل والظاهريات الوجودية التي أعادت تعريف الحقيقة انكشافاً وحدثاً وما بعد البنيوية التي فضحت علاقات القوة الكامنة وراء كل نظام معرفي، يتشكل مفهوم جديد للمعرفة، ليس مطابقة للعالم بل تعديل له وليست اكتشافاً لما هو كائن بل بناء لما يمكن أن يكون؛ ليست قطيعة مع الماضي وإنما انفتاح على المستقبل.
إن ما تسعى هذه المقالة إلى تحليله يتجاوز مجرد سرد تاريخي للأفكار ليغوص في البنى العميقة التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والوجود. في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا بالحياة اليومية وتتبخر فيه الثوابت تحت وطأة التسارع التاريخي وتصبح المعرفة مرادفة للقدرة على التكيف والإبداع لا للحفظ والاستظهار، ويصير من الضروري بمكان أن نعيد النظر في أسئلة الفلسفة الأولى ما معنى أن نعرف؟ وأين تتجلى قيمة الحقيقة إن لم تكن في الجمود بل في الحركة وإن لم تكن في الثبات بل في التحول وإن لم تكن في امتلاك اليقين بل في إنتاج الاحتمالات؟ هذه الأسئلة بالذات هي التي تواجهنا بوجه جديد للفلسفة، فلسفة لا تكتفي بتأمل العالم وإنما تسعى إلى تغييره؛ فلسفة لا ترى في الحقيقة هدفاً نهائياً، بل أداةً مؤقتة في ديمومة البحث؛ فلسفة تضع أخيراً الفعل الإنساني بمشاريعه وأخطائه وآماله في مركز الكون المعرفي مستبدلة بذلك النظرة السكونية القديمة برؤية دينامية حية تليق بإنسان العصر الذي لم يعد ضيفاً على عالم جاهز بل مهندساً حقيقياً لواقعه الذي لا يكتمل إلا من خلاله وبه.
ومنذ البدء والميتافيزيقا الغربية تؤسّس نفسها على أرضية صلبة من التمثّل والثبات، حيث صارت الحقيقة كائنا مستقرا حد التطابق بين الفهم والعالم الخارجي، بين الذهن والعين وبين اللفظ والمعنى. أفلاطون يبني صرحه الشامخ على مثال الخير الذي لا يتغيّر وأرسطو يصوغ نظرية المطابقة التي طالما هيمنت على العقل الأوروبي ثم توالت القرون والعلم الحديث يمنح الحقيقة لباساً رياضياً دقيقاً وكأن المعرفة لم تكن إلا مرآة عاكسة لنظام الطبيعة العميق. غير أن هذا البناء المتين أخذ يتصدّع منذ أواخر القرن التاسع عشر حين بدأ بعض العقول القلقة تتساءل ماذا لو كانت الحقيقة ليست شيئاً نكتشفه بل شيئاً نصنعه؟ ماذا لو كانت المعرفة ليست انطباعاً عن واقع مستقلّ وإنما أداةً في صراع البقاء أو فعلاً في تيار الحياة المتدفق؟
فريدريك نيتشه ذلك المتمرّد الذي كسر الأصنام بلا رحمة كان أول من أطلق السهم المسموم على فكرة الحقيقة الثابتة. في مقالته الشهيرة "عن الحقيقة والكذب في المعنى الخارج عن الأخلاقي"، يكشف النقاب عن أن ما نسميه "حقيقة" ليس سوى جيش متنقل من الاستعارات والمجازات والتشبيهات، تصلب بفعل الاستعمال والنسيان فتصبح حقائق بعد أن كانت ابتكارات لغوية محضة. يقول نيتشه: "الحقائق هي أوهام نسي المرء أنها كذلك واستعارات بالية فقدت قوتها الحسية". وتبدأ هنا رحلة التحوّل، الحقيقة لم تعد مرآة بل مطرقة. لم تعد انطباعاً سلبياً بل إبداعاً نشطاً. هكذا يسقط نيتشه حجر الأساس لإعادة تعريف المعرفة، ليس كتمثّل صادق لواقع منفصل بل كتفسير قائم على الحاجة وكإرادة قوة تفرض أشكالها على الفوضى.
لكن نيتشه لم يكن وحيداً في هذا الطريق الوعر. قبل أن ينشر نيتشه أفكاره الصادمة كان تشارلز داروين قد أطلق ثورته الهادئة، تلك التي حوّلت الإنسان من كائن مفكّر منفصل عن الطبيعة إلى حلقة في سلسلة التطوّر البيولوجي. وانبثق من هنا التيار البراغماتي الأمريكي الذي أخذ الداروينية بجدية فلسفية مطلقة. وليام جيمس ذلك الطبيب النفسي الذي تحول إلى فيلسوف يعلن بوضوح لم يعهد من قبل: "الحقيقة هي اسم لكل ما يثبت أنه نافع في مجال الاعتقاد". هكذا أصبحت المعرفة تُعرّف بفاعليتها وبقدرتها على ربط التجارب وتوجيه الأفعال وحل المشكلات العملية. لقد قلَب جيمس المعادلة رأساً على عقب، ليس المعيار هو مطابقة الفكرة للواقع بل قدرة الفكرة على أن تقودنا في تيار الخبرة بنجاح. الحقيقة تصير "مالاً دائماً" في الحياة كالنقود التي لا قيمة لها في حد ذاتها وإنما بقدر ما تشتري بها.
ثم يأتي جون ديوي أكثر فلاسفة البراغماتية عمقاً واتساقاً ليُكمِل بناء هذا الصرح الجديد. ديوي يعلن الحرب على ما يسميه "نظرية المشاهدة" في المعرفة، تلك النظرية التي تتصور العقل كمتفرج سلبي على مسرح الوجود. بدلاً من ذلك يطرح "نظرية الممارسة" حيث المعرفة ليست انعكاساً بل تدخلاً، ليست رؤية بل تعديلاً، ليست اكتشافاً بل بناءً لسياقات جديدة. في كتابه "البحث عن اليقين" ينطلق ديوي من أطروحة عميقة حيث يقول: لقد أوهمتنا الفلسفة التقليدية بأن مهمة المعرفة هي الهروب من حالة عدم اليقين عبر الوصول إلى حقائق ثابتة خالدة بينما الحقيقة أن البحث الإنساني لا ينشد إلا سيطرة مؤقتة على الظروف وتنظيمات عملية للبيئة وتوازنات تتحطم ويعاد تركيبها في حركة لا تنتهي. يقول ديوي: "المعرفة ليست شيئاً متوسطاً بين العقل والعالم وإنما هي الفعل نفسه في لحظة تحوّله إلى توجيه واعٍ لما سيأتي". يصير الوجود هنا عينه فاعلية وتصبح الحقيقة هي ما ينجح في إعادة بناء الموقف وليس ما يتطابق مع صورة ما.
لكن التحوّل من الحقيقة إلى الفاعلية لم يقتصر على المدرسة البراغماتية بل امتد بقوة إلى تيارات أخرى أكثر جذرية ربما. فلننظر إلى مارتن هايدغر ذلك الفيلسوف الذي قضى عمره في الحفر أسفل الميتافيزيقا لعلّه يصل إلى التربة الأكثر أصالة. هايدغر يعلن في "الكينونة والزمان" أن السؤال الأساسي ليس "ما هي الحقيقة؟" بل "ما معنى الكينونة؟". وفي سياق إجابته يحوّل الحقيقة من مجرد خاصية للحكم إلى حدث وجودي أصيل. الحقيقة عنده ليست مطابقة بل انكشاف وانفتاح الكائن الحي على العالم، كشف لا يتوقف عند حدود التصور الذهني بل يتعداه إلى الفعل وإلى الاهتمام وإلى الاعتناء. يكشف هايدغر أن الجذر الإغريقي للفظ "الحقيقة" هو "أليثيا" (aletheia)، الذي يعني حرفياً "لا-نسيان"، "لا-خفاء"، فالحق يعني المكشوف/ الظاهر. وهذا الكشف ليس سكونياً بل هو حدث يتحقق في مقاربة الكائن الحي للأدوات في استخدامه المطرقة وفي كتابته القلم وفي إقامته مسكناً. أن تعرف الشيء عند هايدغر يعني أن تتقن التعامل معه وأن تكون قادراً على استعماله في سياقه الملائم. إنه القِدَم اليوناني الذي أعاد الفلسفة إلى جذورها ما قبل سقراط حيث الحكمة لم تكن معرفة نظرية بل فن الحياة ومهارة الوجود، ثم تتداخل الأصوات وتتشابك.
ميشال فوكو أرغن النقد الفرنسي وصار يأخذ هذه الفكرة إلى أقصى حدودها السياسية. يعلن فوكو أن الحقيقة ليست كائناً عابثاً وإنما نتاجاً لشبكات القوة والمعرفة التي تخترق المجتمع بأكمله. في "الكلمة والأشياء" و"حفريات المعرفة"، يفكك فوكو الآليات التي تنتج بها المؤسسات التعليمية والمستشفيات والسجون "حقائق" لا تخضع إلا لمنطق السلطة ذاته. كل نظام معرفي عند فوكو يحدد ما يمكن قوله وما يستحق أن يقال ومن يحق له أن يقول. الحقيقة هنا فعلٌ خطابي وفاعلية تتخذ شكل إقصاء وإدماج وتصنيف واستبعاد وتأديب وتشكيل. إنها ليست بوابة تطل على واقع ما وراء اللغة بل هي اللغة ذاتها وقد تحولت إلى قانون وسلطان. لذلك يذهب فوكو إلى أن كل عصر يمتلك "إبيستيمي" خاصاً به أي تشكلاً تاريخياً للشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة وهذا التشكل لا ينكشف إلا عبر آثاره لا عبر أصوله الميتافيزيقية. المعرفة إذن ليست ما نملكه بل ما نصبحه حين تخضع آلياتنا لخطابات معينة. وكما قال ذات مرة في محاضرة بمعهد كوليج دو فرانس: "الحقيقة هي نظام من الإجراءات المنظمة لإنتاج وتوزيع وتنظيم وتشغيل وإعادة توزيع الأقوال".
وهنا لا بد من العبور إلى صورة جديدة تماماً للمعرفة؛ صورة اقترحها جان فرانسوا ليوتار في كتابه الهام "الوضع ما بعد الحديث". ليوتار يُعلن نهاية "الروايات الكبرى" أي الحكايات الجامعة التي تمنح الشرعية للمعرفة من خلال غاياتها النهائية. المسيحية تبرر المعرفة لخلاص الروح والماركسية تبررها لتحرير البروليتاريا والتنوير تبررها لإسعاد البشرية. كل هذه الروايات سقطت بحسب ليوتار فلم يعد للمعرفة أساس متعالٍ يضمن صدقها. بدلاً من ذلك تعود المعرفة إلى مجرد "ألعاب لغوية" كما عند فيتغنشتاين، كل لعبة تخضع لقواعدها الخاصة وكلها غير قابلة للترجمة النهائية. ليوتار يكتب بعبارة صارمة: "المعرفة بعد الآن ليست سوى كفاءة أدائية قدرة على إنتاج براهين وأدلة قابلة للنقض والإعادة". المعرفة هنا تتحول بالكامل إلى فاعلية، لم يعد السؤال "هل هذا صحيح؟" بل "هل هذا يعمل في اللغة التي أمارسها؟". وهذه النتيجة ليست يائسة كما قد تبدو بل مفرحة عند ليوتار لأنها تحرر الأقليات وتسمح بظهور أنماط معرفية متعددة وتزيح الطغيان المعرفي للمركز على الهامش، للسمي على الشفوي وللنظري على العملي.
غير أن تحول المعرفة من الحقيقة إلى الفاعلية بلغ ذروة تشكلية جديدة لدى عديد من الفلاسفة المعاصرين الذين مزجوا بين الظاهريات والبراغماتية والتفسيرية. نذكر هنا دون أن نغفل ريتشارد رورتي، ذلك الفيلسوف الأمريكي الذي مزق تاريخ الفلسفة إلى نصفين: نصف يبحث عن "المرآة" التي تعكس الطبيعة ونصف آخر يتخلى عن هذا الحلم القديم. رورتي يعلن صراحة: "الحقيقة لا تحدث لأن عبارة ما مطابقة للواقع بل لأنها تسمح لنا بأن نفعل ما نريد فعله". في كتابه الشهير "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، يفحص رورتي بعمق كيف ساد استعارة الذهن كمرآة للعالم منذ ديكارت حتى العصر الحديث ثم يظهر أن هذه الاستعارة أسقطت الفلسفة في أزمة لا حل لها. الحل حسب رورتي ليس في تحسين دقة المرآة بل في كسرها. أن نتوقف عن طرح سؤال "هل هذه المعرفة صحيحة؟" وأن نستعيض عنه بسؤال "هل هذه المعرفة مفيدة لتحقيق غاياتنا المجتمعية المعلنة؟". الفلسفة عند رورتي ليست محكمة تقضي على صحة المعرفة بل محادثة مستمرة بين أفراد مجتمع مفتوح لا سقف لاحتمالاته. يكتب رورتي: "لكي ننصف الفاعلية المعرفية علينا ألا نسأل عما إذا كانت الأوصاف تتطابق مع عالم مستقل عن الأوصاف بل كيف تساعدنا هذه الأوصاف على خلق مستقبل مختلف وأفضل".
ويبدو لنا جليا أن التحول من الحقيقة إلى الفاعلية ليس مجرد هوس أكاديمي عابر وإنما هو استجابة لتحولات عميقة في العلاقة بين الإنسان والعالم. في عصر الطفرات التكنولوجية والثورات الرقمية لم تعد المعرفة تُختزن في الموسوعات والمكتبات فحسب وإنما تُنتج آنياً عبر التطبيقات والخوارزميات. ولم يعد السؤال "ما هو الشيء في ذاته" بل "كيف يمكن تسخيره هنا والآن". هذا الوضع يحتم علينا التفكير مرة أخرى كيف يمكن للفلسفة أن تواكب هذه النقلة النوعية من عالم الموجودات الثابتة إلى عالم الإمكانات المفتوحة ومن مكان العرض إلى مسرح الفعل؟
هذا التحوّل الجذري من الحقيقة كائنا إلى الفاعلية حدثا لم يبق حبيس الأروقة الفلسفية بل تسرب بقوة إلى صميم المناهج العلمية نفسها. فحين ننظر إلى علماء الفيزياء المعاصرين نجدهم قد تخلوا منذ زمن عن حلم الوصف المحايد للعالم كما هو في ذاته وانخرطوا بدلاً من ذلك في مشاريع بناء نماذج رياضية لا تسأل عن حقيقة ما وراء الظواهر بل عن قدرتها على التنبؤ والتأثير. نيلز بور أحد آباء ميكانيكا الكم صاغ مبدأ التكامل الذي يعلن أن المعرفة لا تبلغ الموضوعية عبر تجاهل الذات وإنما عبر الاعتراف بأن الفعل الملاحظ يُحدث تغييراً لا يمكن إزاحته في ما يُلاحظ. هكذا يصبح القياس العلمي فاعلية محضة والجسيم دون الذري ليس كائناً مسبقاً يُكتشف وإنما نتيجة مجموعة من الإجراءات والتفاعلات بين الآلة والعالم والإنسان. فيرنر هايزنبرغ أعلن صراحة أن ما نسميه "قوانين الطبيعة" ليست أكثر من استعارات ناجحة، أطراً رياضية سمحت لنا بالتعامل مع الظواهر بنجاح دون أن تدّعي أنها تطابق عالماً قائماً بذاته. العلم هنا لم يعد يبحث عن حقائق خالدة بل عن فاعليات محدودة وقدرات على ضبط المستقبل وتوجيهه.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تتجلى هذه النقلة بأبلغ صورة، النظم الذكية اليوم لا تُبرمج على حقائق ثابتة بل تُدرّب على أنماط من العلاقات وتُعلَّم كيفية تحسين أدائها عبر الاختبار والتغذية الراجعة، مثلها مثل الكائن الحي في نظرية التطور. الشبكات العصبونية الاصطناعية تتعلم تماماً كما يتعلم الطفل لا عبر استيعاب صور مسبقة عن العالم بل عبر تجربة الأفعال ومراقبة النتائج وتعديل السلوك. الحقيقة هنا إجرائية بالأساس، ليست الخوارزمية صادقة لأنها تعكس منطقاً متعالياً بل لأنها تؤدي المطلوب بأقل تكلفة وأكبر نجاعة. هذا ما يعبّر عنه لوسيان فلوريدي، فيلسوف المعلومات المعاصر حين يكتب أن عصرنا هو عصر "الثورة المعلوماتية الرابعة" حيث تصبح المعرفة مرادفة للقدرة على معالجة المعلومات وليس على تخزينها. أن تعرف يعني أن تكون قادراً على الربط والترجمة والتحويل والإعادة والتشكيل، وليست المعرفة شيئاً نملكه بل شيئاً نفعله، والأخلاق بدورها لم تسلم من هذا التحول الوجودي.
وإذا كانت الحقيقة القديمة تفصل بين الواقع والقيمة وبين الحقيقة الواقعية والحكم الأخلاقي، فإن الفلسفات المعاصرة تمحو هذا الحد. الفاعلية المعرفية تتقاطع هنا مع المسؤولية الأخلاقية. هانز جورج غادامر في "الحقيقة والمنهج"، يعلن أن الفهم ليس أبداً عملية بريئة لنقل معنى من مؤلف إلى قارئ، بل هو اندماج آفاق، حدث ندمج فيه نحن بما نفهمه فنتحول ونحوله. المعرفة عند غادامر ليست ملكية خاصة بل تقاليد حيّة تتوارثها الجماعات وتعيد تشكيلها في كل جيل. المسؤولية الأخلاقية إذن تكمن في تواضعنا أمام النص والتقليد وإخلاصنا للفعل الذي لا يكتمل إلا بالاستماع والتجاوب. إنه موقف عملي وجودي، أن تعرف يعني أن تكون أهلاً للاستماع وجديراً بالرد ومستعداً للتغيير. أما في ميدان التربية فتتجلى نتائج هذا التحول بشكل لا يحتمل التأويل. المدارس والجامعات لم تعد قادرة على أن تكون مستودعات للحقائق الجاهزة لأن الحقيقة ذاتها صارت فاعلية متجددة. التربية الفاعلة التي نادى بها جون ديوي منذ قرن مضى تحقق الآن ما كان يحلم به، التعليم ليس إعداداً للحياة بل هو الحياة ذاتها. الطالب لا يستهلك معارف بل يشارك في بنائها. الصف الدراسي لم يعد مكاناً للتلقين بل ورشة لاكتشاف المشكلات وحلهاحيث يصير مختبراً لتجريب الفرضيات ومسرحاً للتنافس والتعاون. المعرفة الحقة هنا هي القدرة على العمل الجماعي وإعادة تعريف المشكلة في منتصف الطريق وتصميم حلول غير متوقعة والاحتفاء بالفشل كتجربة تعلم لا كعار. وكما يقول باولو فريري فيلسوف التربية الناقد في كتابه "تربية المقهورين": "التعليم البنكي الذي يودع المعرفة في عقول فارغة هو تعليم القمع والموت. التعليم الحقيقي هو التعليم المشكل القائم على الحوار، حيث يتعلم الجميع من الجميع وحيث تصبح المعرفة قوة للتغيير لا أداة للتكيف".
ونعود إلى السؤال الأول الذي أطل منذ بداية هذا التأمل الممتد، ماذا يبقى من الحقيقة بعد هذا التحول العنيف إلى الفاعلية؟ هل نحن أمام نهاية الحقيقة كما عرفتها الفلسفة طوال ألفين وخمسمائة عام؟ ربما لا. ربما نحن أمام نهاية نهمة واحدة للحقيقة وأمام تفكيك ادعاء امتلاك المعرفة المطلقة وأمام تواضع صحي يدرك أن كل معرفة مؤقتة وقابلة للخطأ ومشروطة بالسياق. الحقيقة الجديدة إن جاز تسميتها كذلك هي حقيقة مفتوحة، ناقصة، متحركة تقاس بقدرتها على إطلاق الإمكانات لا على سجنها في قوالب نهائية. إنها حقيقة أشبه بالجسر منه بالتمثال وأشبه بالنهر منه بالحجر. إنها ما يسمح لنا بالعبور إلى ضفة أخرى وبالتحول وبالانفتاح على المغايرة والمفاجأة.
لقد جرّدت الفلسفات المعاصرة الإنسان من وهم الموقع الثابت ومن مركز المراقبة الساكن وألقت به في تيار الفعل المحض. لكنها في المقابل منحته عوضاً لا يقدر بثمن، حرية أن يكون خالقاً للحقيقة لا مجرد متلق سلبي لها. لأن الحقيقة في أعمق أعماقها لم تكن يوماً انطباعاً بل افتراقاً ولم تكن تكراراً بل ابتكاراً ولم تكن ماضياً يُستعاد بل مستقبلاً يُقام. من قال إن الحقيقة بيت دافئ للإقامة والحال أنها ريح عاتية لا تسكن، صحراء لا حدود لها ومعركة لا هدنة فيها. لكن في هذه المعركة تحديداً في هذا الفعل الخالص المتجدد، يجد الإنسان معناه الأعمق. ليس كمن يعرف بل كمن يُصبح بالمعرفة ما لم يكن ليكون بدونه. وتظل الحقيقة مهما تحولت إلى فاعلية أقرب إلى الصلاة منها إلى البرهان، فعل وجود كامل يتجاوز كل ادعاء بالامتلاك وينفتح على رحابة الكون التي لا تحدها حدود.
***
د. حمزة مولخنيف







