أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: إشكالية التأسيس في الفلسفة المعاصرة
هل ما زال من الممكن بناء بدايات يقينية للفكر؟
منذ أن أعلن نيتشه موت الإله لم يقتصر الرحيل على كائن متعالٍ يضمن معنى الكون ونظامه، بل امتد ليشمل كل ضمانة ميتافيزيقية كانت الفلسفة الغربية تتوسدها في سعيها وراء يقين لا يتزعزع. فإذا كان الإله قد رحل فإن ما رحل معه هو فكرة الأساس المطلق، ذلك المركز الثابت الذي كانت تدور حوله مدارك المعرفة والقيم والحقيقة. وقد وجدت الفلسفة المعاصرة نفسها أمام سؤال يهدد كيانها من الداخل: هل ثمة بداية يمكن البناء عليها؟ أم أن كل محاولة لتأسيس يقين ما هي إلا وهم آخر من أوهام العقل الذي لم يستوعب بعد أنه لم يعد يملك ضماناً خارجياً أو داخلياً لفكراته؟ إن إشكالية التأسيس لم تعد مجرد مسألة منهجية تهم فلاسفة المعرفة فقط وإنما أصبحت جرحاً مفتوحاً في جسد التفلسف ذاته، جرحاً ينزف أسئلة حول إمكانية الحقيقة وشرعية الأحكام الأخلاقية وفاعلية الخطاب السياسي وقيمة الإبداع الفني.
إن الأزمة التي تعبر عنها الفلسفة المعاصرة ليست أزمة عابرة وإنما هي أزمة بنيوية تعكس تحولاً كوبرنيكياً آخر، لكن هذه المرة ليس باتجاه الذات المفكرة كما عند كانط بل باتجاه الاعتراف بالعجز نفسه. فبعد أن أثبتت الفلسفات الوضعية والتحليلية فشل كل محاولة لتأسيس المعرفة على حقائق ذرية غير قابلة للاختزال، وبعد أن كشفت التيارات الوجودية والتفكيكية عن أن كل يقين هو في الحقيقة بناء لغوي أو تاريخي أو نفسي، أصبح السؤال المشروع هل يمكن للفلسفة أن تستمر في لعب دورها التقليدي كحارس لليقين ومؤسس للمعرفة؟ أم أن عليها أن تتحول كما يقترح البعض إلى مجرد نشاط تأويلي يفسر ولا يؤسس أو إلى علاج لغوي يحلل ولا يبني؟
ستحاول هذه المقاربة في طياتها التالية أن تسبر أغوار هذه الإشكالية من خلال العودة إلى بعض المحاولات التأسيسية الكبرى في الفلسفة المعاصرة وانكشاف هشاشتها الداخلية ثم استشراف الإمكانات المتبقية أمام التفكير الفلسفي اليوم. ولن يكون الهدف هو تقديم حل نهائي أو وصفة سحرية لبناء يقين جديد، فهذا هو بالضبط ما أعلنت الفلسفة المعاصرة استحالته بل الهدف هو أن نتعلم كيف نفكر في غياب البديهيات وكيف نعيش مع أسئلتنا دون أن نخنقها بإجابات ميتة. لأن مفارقة الفلسفة في أعمق لحظاتها أنها تظل ممكنة فقط ما دامت تتساءل عن إمكانيتها وما دامت تبدأ من حيث لا توجد بداية يقينية وما دامت تتجرأ على الخطو على أرض لا شيء فيها ثابت سوى رغبتها في الفهم.
ثمة سؤال يهزُّ أركان التفلسف في لحظته الأكثر حميمية، سؤال يتعلق بإمكانية البدء أصلاً، بإمكانية أن نضع قدمنا على أرض صلبة قبل أن ننطلق في رحلة المعرفة. هذا السؤال الذي تصدَّع في وضح النهار القارّ، ذلك النهار الذي خيّل للعقل الأوروبي أنه قد بلغ فيه ذروة نضجه واكتماله، ليفاجأ بأن ما اعتبره أرضية راسخة لم يكن سوى وهم البدايات أو ربما رغبة خفية في البداية أكثر مما هو بداية حقيقية. فالفلسفة المعاصرة منذ أن شرع نيتشه في تحطيم أصنام اليقين وهي تعيش أزمة تأسيس حادة، بل ربما تعيش استحالة التأسيس نفسها، ذلك أن كل محاولة لبناء بداية يقينية سرعان ما تنقلب على نفسها وتكشف عن هشاشة مؤسسة لا تلبث أن تذوب بين يدي من يمسك بها.
لم تكن الفلسفة دائماً بهذه الحيرة إزاء بداياتها. كان ديكارت ذلك الجندي الذي وجد نفسه ذات مساء جالساً في "كانونشتوفين" ليقرر أن يهدم كل شيء ويعيد البناء من الصفر يمثل نموذج الرجل الواثق من إمكانية التأسيس. لم يتردد في أن يشك في كل شيء، في الحواس، في الرياضيات، في وجود العالم الخارجي، حتى في وجود الله، ليصل في النهاية إلى نقطة لا يشك فيها: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا في هذه الومضة الأولى من اليقين، ظن ديكارت أنه قد وجد الأساس الذي لا يتزعزع، الحجر الأول الذي يمكن أن تبنى عليه صروح المعرفة الإنسانية كلها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعنف اليوم هل كان ذلك اليقين يقيناً حقاً؟ أم كان مجرد قرار إرادي بالتوقف عن الشك لحظة من لحظات الضعف التي يخاف فيها العقل من هوة اللانهائي فيقرر أن يغلق الباب ويقول: "هنا أقف"؟
ما لبثت الفلسفة أن اكتشفت عبر مسارها التاريخي أن كل "أنا" ديكارتية هي محكومة بسياقها اللغوي والتاريخي والاجتماعي. فكانط الذي أيقظه هيوم من سباته الدوغمائي لم يبحث عن يقين خارجي بل بحث عن شروط إمكانية المعرفة نفسها. إن كان ديكارت يبحث عن حجر الأساس خارج العقل فإن كانط اكتشف أن العقل هو الذي يضع أساساته بنفسه، لكنه يضعها في عالم الظواهر لا في عالم الأشياء في ذاتها. الفعل الكانطي التأسيسي لم يمنحنا يقيناً مطلقاً بل منحنا يقيناً مشروطاً، يقيناً محكوماً بأطر قبلية هي التي تنظم خبرتنا للعالم. الزمان والمكان، فئات الفهم هذه كلها ليست حقائق عن العالم بل هي نظارات نرتديها ولا نستطيع خلعها. فكيف لنا إذن أن نزعم أننا قد وصلنا إلى بداية يقينية ونحن لا نعرف ما وراء نظاراتنا؟
ثم جاء هيغل ليقلب الطاولة كلية. بالنسبة لهذا المفكر الذي أراد أن يختصر الفلسفة بأسرها في موسوعته العملاقة لم يعد التأسيس ممكناً بالنسبة له من نقطة صفر، لأن نقطة الصفر نفسها هي نتاج مسار. الروح لا تبدأ من لا شيء، الروح تتذكر وتختزل في داخلها تاريخها بكامله. ما نعتبره بداية هو في الحقيقة نتيجة. هيغل يرى أن الفلسفة لا يمكنها أن تبدأ ببداهة كديكارت لأن البداية الحقيقية هي في نهاية المطاف. هذه الدائرة الهيغلية التي يبدو فيها كل شيء يعود إلى بدايته تعبر عن أزمة عميقة: كيف نؤسس والمعرفة التي نؤسس بها هي نفسها بحاجة إلى تأسيس؟ هذا الإشكال الذي يعبر عنه هيغل بمفهوم "البداية المباشرة" التي تتحول إلى وساطة لم يعد مشكلة نظرية بقدر ما أصبح وصفاً لحالتنا الفلسفية.
مع كيركغور ذلك الدانمركي العاصف الذي خاض معركة وحيدة ضد المنظومة الهيغلية، دخلت إشكالية التأسيس إلى منطقة أكثر قلقاً. ليس اليقين هو ما يهم بل الإيمان، لكن إيماناً لا يمكن أن يتأسس على شيء سوى القفزة النوعية. الوجودي عند كيركغور لا يحتاج إلى يقين نظري بل يحتاج إلى قرار شخصي لا يمكن تبريره. هذا يعني أن الفلسفة إن أرادت أن تكون جادة فعليها أن تتخلى عن حلم اليقين وتتقبل أن البدايات هي دائماً بدايات قفزية، بدايات لا تستند إلى أرض صلبة بل إلى قرار ذاتي مطلق. وهنا نلمح المأساة إن أردنا تأسيساً يقينياً خسرنا الوجود؛ وإن أردنا الوجود خسرنا اليقين.
ثم جاء نيتشه بمنسفه ليضرب في عمق هذه القضية. ما يسميه ديكارت "أنا أفكر" ليس أكثر من تأثير نحوي، إيمان بالجوهر حيث لا جوهر. "وراء أفكارك ومشاعرك أيها الأخ يقف قائد جبار، بطل مجهول – إنه يدعى الذات". لكن هذه الذات بالنسبة لنيتشه ليست جوهراً بل هي إرادة قوة، رغبة في التغلب على الذات والتمدد خارج حدودها. لا يوجد يقين يسبق الرغبة بل الرغبة هي التي تخلق ما يسمى باليقين. فعندما أقول "أنا أفكر"، أنا أمارس فعلاً إرادياً أريد به أن أسيطر على فوضى العالم الداخلية. اليقين ليس كشفاً بل هو اختراع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى كل ما نبنيه من يقين هو مجرد بناء فوق رمال متحركة لكننا نظل نسميه "أساساً".
هذه الأزمة التي اكتشفتها الفلسفة القارية ووجدت لها صدى في التقليد التحليلي على يد فتغنشتاين. في "رسالة المنطق-الفلسفية"، حاول الفيلسوف النمساوي أن يرسم حدوداً للفكر والعالم معتقداً أن اللغة تمثل صورة للواقع وأنه يمكننا أن نبني نظاماً رمزياً دقيقاً يطابق بنية العالم. هنا كان هناك أمل في تأسيس يقيني، تأسيس يعتمد على التحليل المنطقي للغة، على فكرة أن هناك حقائق ذرية لا تقبل الشك ويمكنها أن تكون الأساس لكل المعرفة. لكن فتغنشتاين نفسه في "تحقيقاته الفلسفية" المتأخرة هدم هذا المشروع بأسره. لم تعد اللغة صورة للعالم وإنما أصبحت لعبة، لعبة لغوية تتعدد بتعدد السياقات. معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. وإذا كان الأمر كذلك فأين نجد البداية اليقينية؟ إنها تختفي خلف تعدد الألعاب اللغوية، خلف اختلاف قواعد اللعبة من سياق إلى آخر. ما هو يقين في سياق الفيزياء ليس يقيناً في سياق الأخلاق، وما هو يقين في سياق الحياة اليومية ليس يقيناً في سياق التأمل الفلسفي.
مارتن هايدغر ذلك المفكر الذي حفر عميقاً في مسألة الوجود، ذهب إلى ما هو أبعد من هذا كله. بالنسبة له إشكالية التأسيس التي نعانيها ليست مجرد مشكلة نظرية بل هي تعبير عن نسيان الوجود. الفلسفة الغربية منذ أفلاطون وأرسطو وهي تفكر في الكائنات متناسية الكينونة ذاتها. عندما يحاول ديكارت أن يؤسس الفلسفة على "أنا أفكر"، إنه ينسى السؤال الأكثر جوهرية ما معنى أن أكون "أنا"؟ ما معنى أن يكون الوجود؟ الوجود ليس كائناً فلا يمكن تأسيسه عليه. الوجود هو ما يجعل كل كائن ممكناً وبالتالي هو شرط إمكانية التأسيس نفسه، لكنه لا يمكن أن يصبح موضوعاً لمعرفة يقينية لأنه يسبق كل معرفة. هذا يعني إذا ما فهمنا هايدغر بشكل صحيح أن التأسيس الوجودي يتطلب منا أن نتخلى عن حلم اليقين الموضوعي وننفتح على لغز الوجود وعلى تلك الحقيقة التي تظهر وتختبئ في آن واحد. البداية من هذا المنظور هي لحظة الانفتاح على السؤال وليس لحظة الإمساك بالجواب.
هذا النسيان الذي تحدث عنه هايدغر لم يكن مجرد سهو معرفي بل كان ضياعاً للدهشة الأصلية التي تسبق كل فلسفة. قبل أن نسأل عن اليقين يجب أن نسأل لماذا نريد اليقين أصلاً؟ أليس هذا الإلحاح على التأسيس وعلى البدء من نقطة صفر تعبيراً عن خوف وجودي أعمق؟ خوف العقل من عدم قدرته على السيطرة على العالم وخوف الإنسان من الفوضى واللاحتمية التي تحيط به من كل جانب. الفلسفة المعاصرة وبخاصة في تيارها التفكيكي لم تكتف بإشهار استحالة التأسيس بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث حللت هذه الرغبة في التأسيس ذاتها وكشفت عن خلفياتها الإيديولوجية والسلطوية.
جاك دريدا ذلك المفكر الذي قلقل أسس الفلسفة الغربية بأدواتها الخاصة وأظهر أن كل تأسيس ينطوي على فعل عنف. لنعد إلى ديكارت قليلاً: من أين جاء ديكارت باليقين؟ من عملية "مسح" كل ما هو مشكوك فيه. لكن من الذي يمسح؟ ومن الذي يقرر ما يستحق الشك وما لا يستحق؟ إنها الذات المفكرة، ذلك الكوجيتو الذي يضع نفسه كقاضٍ على كل شيء بما في ذلك على وجود الله والعالم. هنا في هذه البداية الظاهر أنها بريئة، يمارس ديكارت عنفاً تمثيلياً: هو يمثل كل شيء أمام محكمته ويصدر أحكاماً بوجودها أو عدم وجودها. هذا الفعل التأسيسي الذي يبدو أنه يمنح الحرية للعقل هو في الحقيقة فعل استعباد للآخر، للعالم، للجسد، للتاريخ. عندما نؤسس فنحن نمارس نوعاً من التمركز حول الذات، والذات دائماً تستبعد ما لا تستطيع أن تحتويه.
دريدا بمفهومه "للاختلاف" أو "التفريق" الذي يجمع بين معنى الاختلاف والتأجيل، يزعم أن المعنى لا ينبع من مصدر أصلي بل من شبكة من العلاقات المتأخرة والمؤجلة. لا توجد بداية مطلقة لأن كل بداية هي بالفعل تكرار لما سبقها وكل أصل هو بالفعل مشتق من غياب الأصل. اللغة هذه الوسيلة التي نحاول أن نبني بها يقيننا لا تعمل كمرآة صافية تعكس الواقع بل تعمل كنسيج من الإحالات التي لا تنتهي. المعنى ليس حاضراً في الكلمة بل هو غائب، مؤجل، متوقف على كلمات أخرى غائبة. فإذا كانت لغتنا نفسها لا تستطيع أن تحقق حضوراً كاملاً للمعنى فكيف لنا أن نؤسس عليها يقيناً في الوجود أو في الذات؟ هذا لا يعني أننا نقع في العبثية بل يعني أن التأسيس ليس لحظة انطلاق بل هو حركة لا تنتهي من المقاربة والمغادرة. نبدأ ولا نبدأ أبداً لأن البدء يعني الدخول في متاهة من الإحالات التي لا تؤدي إلى مركز ثابت.
من زاوية أخرى وربما أكثر حدة، تناول إيمانويل ليفيناس هذه القضية. بالنسبة لليفيناس الذي كانت تجربته الشخصية كيهودي نجا من المحرقة تشكل خلفية كل كتاباته، إن إشكالية التأسيس التي أتعبت الفلسفة الغربية هي إشكالية أنانية في جوهرها. كل السؤال عن اليقين، عن البداية الثابتة، عن "الأنا" التي تعرف وتسأل، هو سؤال يضع "الأنا" في المركز. لكن ماذا لو كان ما يسبق كل بداية ليس يقيناً معرفياً بل مسؤولية أخلاقية؟ ماذا لو أنني لا أبدأ بفعل "أنا أفكر"، بل بفعل "أنا مسؤول عن الآخر"؟ ليفيناس يقدم قلباً جذرياً: وجه الآخر، ذلك الوجه العاري الذي يطل عليّ من فقره ومن موته المحتمل، هو الذي يؤسسني وليس العكس. قبل أن أكون كائناً مفكراً، أنا كائن مرتهن للآخر. طلبه، نداؤه، أمره "لا تقتل"، هي التي تخلق فيّ الأنا الحقيقية. من هذا المنظور لم يعد السؤال "كيف أؤسس يقيني؟" بل السؤال "كيف أتحمل مسؤوليتي عن الآخر؟" وهنا يصبح التأسيس ممكناً لكن بطريقة مغايرة تماماً، التأسيس ليس بناء صرح من المبادئ الصلبة بل هو استجابة لحالة طارئة، لحضرة وجه لا يمكن اختزاله إلى موضوع معرفة. إنه تأسيس أخلاقي لا معرفي، تأسيس لا يبدأ من شك منهجي بل من حب مسبق ومن علاقة أصيلة مع الآخر تتجاوز كل حسابات العقل.
في التقليد الأنغلوسكسوني كانت الأزمة التمثيلية أكثر هدوءاً لكنها لا تقل عمقاً. فلاسفة العلم وبخاصة بعد توماس كون، كشفوا أن ما نسميه "المعرفة العلمية الموضوعية" ليس في الحقيقة سوى نتاج إجماع مجتمع علمي في فترة تاريخية معينة. النماذج العلمية أو "الباراديغمات" لا يمكن مقارنتها ببعضها البعض بسهولة لأن كلا منها يقدم معاييره الخاصة للصحة والخطأ. عندما ينتقل العلم من نموذج إلى آخر لا يمكننا القول ببساطة إن النموذج الجديد "أكثر صدقاً" من القديم، بل يمكننا القول إنه "أكثر قدرة على حل الألغاز" في إطار معين. كارل بوبر الذي عارض بشدة هذا النسبية حاول أن ينقذ فكرة الموضوعية العلمية من خلال مفهوم "القابلية للتكذيب". المعرفة العلمية لا تقوم على التحقق من الفرضيات بل على محاولة تكذيبها. ما لا يمكن تكذيبه بعد محاولات جادة نعتبره مؤقتاً صحيحاً. لكن حتى هذا الحل لا يمنحنا يقيناً مطلقاً بل يقيناً احتمالياً، يقيناً يظل مفتوحاً على إمكانية التفنيد في المستقبل. يبقى السؤال هل يمكننا أن نعيش مع يقين احتمالي؟ هل تكفي الفلسفة؟ أم أن الفلسفة تريد دائماً ما هو أكثر مما يمكن للعلم أن يقدمه؟
ثمة اتجاه آخر تجلى في أعمال ريتشارد رورتي، ذهب إلى التخلي تماماً عن فكرة التأسيس كهدف فلسفي. رورتي الذي تأثر بالبراغماتية الأمريكية وبخاصة ويليام جيمس وجون ديوي، يرى أن الفلسفة الغربية قد أنهكت نفسها بسعيها الأحمق وراء "المرآة" التي تعكس الحقيقة. ليس هناك تمثال صحيح للعالم ولا أساس مطلق للمعرفة. ما لدينا هو محادثة، حوار مستمر بين أفراد المجتمع، يضعون معاً معايير ما يعتبر مبرراً وما لا يعتبر كذلك. يذهب رورتي إلى اقتراح ما يسميه "الثقافة ما بعد الفلسفية"، وهي ثقافة لا تطلب من أي جزء من الثقافة أن يتأسس على شيء خارج نفسه. الفيزياء لا تحتاج لتأسيس على الميتافيزيقا والأخلاق لا تحتاج لتأسيس على الدين والأدب لا يحتاج لتأسيس على الفلسفة. كل هذه الألعاب اللغوية تعمل وفق قواعدها الخاصة، والتبرير هو دائماً تبرير أمام جماعة معينة وليس أمام "العقل الكوني". من هذا المنظور إشكالية التأسيس تصبح مشكلة زائفة ووهم ولد من إصرار الفلسفة على أن تكون "القاضية" على سائر الخطابات في حين أن دورها الأكثر تواضعاً والأكثر فاعلية هو دور "المحرر" الذي يساعدنا على تنسيق الحوار بين مختلف أجزاء الثقافة.
ومع ذلك لابد أن نتساءل هل يمكننا فعلاً التخلي عن حلم اليقين بهذه السهولة؟ أليس في داخل كل إنسان حتى أكثر المفكرين تفكيكاً وبراغماتية رغبة خفية في أن يجد شيئاً ثابتاً يتمسك به؟ الفيلسوف الفرنسي ألان باديو الذي كان تلميذاً لألتوسير ورفيقاً لدريدا ثم انفصل عنهما يرى أن التفكيك يقود إلى طريق مسدود وإلى لا شيئية مريحة ولكنها عقيمة. باديو يحاول في مشروعه الطموح إعادة بناء الفلسفة على أسس جديدة. أساسه ليس الذات ولا اللغة ولا الوجود، بل مفهوم "الحدث". الحدث هو ما يحدث فجأة، يخرق النظام القائم للمعرفة ويخلق إمكانيات جديدة. في السياسة الثورة حدث؛ في الفن، تحول جذري في الأسلوب حدث؛ في الحب، اللقاء الذي يغير كل شيء حدث. الفلسفة بالنسبة لباديو هي التي تفكر في هذه الأحداث وتحاول أن تستخلص منها "حقائق" كونية. لكن هذه الحقائق ليست يقيناً ديكارتياً بل هي ولاءات، التزامات بقضية. نحن لا نعرف الحقيقة من خلال البرهان المنطقي بل نكتشفها من خلال المشاركة الوجدانية في حدث يغير العالم. هل هذا "تأسيس" جديد؟ إلى حد ما، نعم، لكنه تأسيس من نوع مختلف، تأسيس لا يبدأ من شك بل من إيمان مبدئي. تأسيس لا يطلب ضماناً خارجياً بل يخلق ضمانه الداخلي من خلال مدى قدرته على تغيير حياة الذين يلتزمون به.
في خضم هذه الرحاب المتشعبة من الأجوبة والمقاربات، نعود إلى سؤالنا الأول: هل ما زال من الممكن بناء بدايات يقينية للفكر؟ لعله آن الأوان لندرك أن هذا السؤال في صياغته هذه قد يكون جزءاً من المرض الذي يدعونا إلى طرحه. ربما تكون الرغبة في البداية اليقينية هي نفسها العقبة التي تمنعنا من بداية حقيقية. لأننا نريد بداية خالية من كل شائبة، بداية تشبه نقطة هندسية لا امتداد لها، متناسين أن كل بداية في الحياة الإنسانية تكون دائماً في منتصف الطريق. نولد في سياق تاريخي لم نصنعه ونتعلم لغة لم نبتكرها ونرث قيماً وتصورات لم نشارك في بنائها. الأنا الذي يريد أن يبدأ من الصفر هو وهم نشأ من نسيان هذه الشروط المسبقة.
ربما تكمن أهمية الفلسفة المعاصرة ليس في أنها قدمت لنا بدائل عن اليقين المفقود بل في أنها علمتنا أن نعيش مع فقدان اليقين. هذه ليست هزيمة بل نضج. يقول فتغنشتاين في لحظة من لمعانه: "إن حل إشكالية الحياة يرى في اختفاء هذه الإشكالية". هذا يعني أننا عندما ندرك أن السؤال عن معنى الحياة ليس له جواب في إطار اللغة العادية فإننا نتوقف عن طرحه وبذلك نكون قد حللناه عملياً. ربما ينطبق الشيء نفسه على إشكالية التأسيس. عندما ندرك أن البحث عن بداية يقينية مطلقة هو سؤال لا معنى له في إطار ألعابنا اللغوية الحية، أي أننا نتوقف عن تعذيب أنفسنا به وننصرف إلى ما هو أهم كيف نعيش معاً، كيف نبني المعرفة خطوة خطوة رغم هشاشتها، كيف نتخذ قرارات مصيرية ونحن نعلم أنها لا تستند إلى يقين مطلق.
لكن هذا لا يعني الانحدار إلى الريبية المطلقة. بين اليقين الديكارتي القاسي والريبية الشاملة المتشائمة هناك أرضية واسعة تسميها الفلسفة بـ "اليقين العملي" أو "الإيمان المعقول". هيغل قال إن "البومة مينيرفا تبدأ طيرانها عند الغسق". بمعنى أن الفلسفة لا تأتي لتعلن مبادئ قبل أن يبدأ التاريخ بل تأتي لتفهم بعد أن يكون التاريخ قد حدث. الفهم المتأخر ليس ضعفاً بل قوة، لأنه يستطيع أن يرى العواقب والمسارات التي غابت عن الفاعلين أنفسهم. إن التأسيس في الفلسفة المعاصرة ليس حدثاً يقع في البداية بل هو مهمة تستمر مدى الحياة. كل لحظة يمكن أن تكون بداية وكل بداية تحمل في داخلها نهايتها المحتملة.
ثمة لفتة جميلة لدى هانز جورج غادامر صاحب "الحقيقة والمنهج"، حين يتحدث عن مفهوم "الاندماج الأفقي". بالنسبة لغادامر نحن لا نبدأ فهمنا لنص أو لظاهرة من نقطة صفر بل من أفق تأويلي مسبق ومن "أحكام مسبقة" ليست كلها سلبية. هذه الأحكام هي شروط إمكانية الفهم وليست عوائق أمامه. التأسيس إذن، ليس هروباً من هذه الأحكام بل هو عمل على توعيتها ومراجعتها عبر الانفتاح على أفق الآخر. الحوار ليس وسيلة لتجاوز الذات بل طريقة لبناء يقين مشترك ومؤقت وديناميكي. هكذا يمكننا أن نقرأ معنى عميقاً في الكلمة الشهيرة لفاليري: "أعمق ما في الإنسان هو جلده". ليس هناك جوهر خفي نكتشفه بل هناك سطح، تفاعل، حدث. الفلسفة المعاصرة في أعمق لحظاتها علمتنا ألا نخاف من السطح.
ليس عيبًا أن تكون معرفتنا احتمالية؛ العيب أن نطلب منها يقينًا لا تحتمله، أو نتوقف عن السؤال لمجرد أننا وجدنا جوابا مؤقتا يكون قد نضج بما فيه الكفاية ليتحمل عدم اليقين. لم يعد الطفل الذي يبكي إذا لم يجد أرضاً صلبة تحت قدميه. أصبح أو سيصبح رجل البدايات المتعددة، يقفز جزئياً، يبني جزئياً، يهدم جزئياً دون أن ينتظر أن يمنحه أحد "اليقين" كهدية من السماء. ربما يكمن جمال الفلسفة في أنها لا تمنحنا اليقين بل تمنحنا الشجاعة للعيش بدونه. ربما يكمن سحر العقل في أنه لا يخاف من الانطلاق في رحلة بلا خريطة كاملة، بلا ضمان بالوصول. لأن الرحلة نفسها هي التأسيس والطريق هو البيت والشك هو اليقين الوحيد الذي لا يخون. هكذا نقف على أعتاب القرن الحادي والعشرين ننظر إلى إشكالية التأسيس بعينين لا تبحثان عن إجابة واحدة بل عن حياة ممكنة وعن حكمة تمشي على قدمين دون عصا اليقين المطلق. وربما فقط ربما، في هذه المشية المتعثرة نجد ما هو أعمق من كل يقين: نجد الإنسان، نجد سؤاله، نجد ضحكته وهو يدخل في متاهة جديدة، عالماً تمام العلم بأنه لا مخرج منها لكنه يمشي فيها لأنه يحب المشي أكثر مما يحب المخرج.
***
د. حمزة مولخنيف







