تحولات معيار الصدق في الفكر الفلسفي المعاصر
إذا كان السؤال عن الحقيقة قد ظل على امتداد تاريخ الفلسفة يشغل موقعاً محورياً في منظومة المعرفة الغربية، فإن هذا السؤال يغدو اليوم في سياق راهن تتشابك فيه الأنساق المعرفية وتتنازع فيه الخطابات وتتداعى فيه اليقينيات أكثر من مجرد إشكال منهجي؛ إنه يتحول إلى أزمة وجودية ومعرفية معاً تكشف عن عمق التحولات التي طرأت على علاقة الفكر المعاصر بمعايير الصدق والموضوعية. فما كان بالأمس معياراً جامداً للصدق يقوم على أسس المطابقة أو الانسجام المنطقي أو الكشف الأنطولوجي صار اليوم مجالاً للتداول والتفاوض والبناء المشروط حيث لا تنفصل الحقيقة عن شروط إنتاجها ولا عن السياقات التي تستقبلها ولا عن المصالح التي تشكلها. إن الانتقال من الحقيقة بوصفها جوهراً ثابتاً إلى المشروعية بوصفها اختباراً متحركاً ليس مجرد نزوة فلسفية عابرة بل هو تعبير عن وعي تاريخي جديد وعن مراجعة نقدية جذرية للإرث الميتافيزيقي الذي ظل يهيمن على العقل الغربي منذ أفلاطون حتى كانط. فالحقيقة لم تعد تُطرح بوصفها كشفاً أنطولوجياً عن ماهيات ثابتة أو انطباقاً على واقع مفروض أو حتى تناغماً منطقياً داخل منظومة مغلقة بل صارت تُختبر عبر شبكة معقدة من العلاقات القوّية والسياقات التاريخية والرهانات السياسية والأخلاقية التي تحدد ما يستحق أن يوصف بالصدق وما ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه وهماً أو تضليلاً أو خطاباً مرفوضاً.
يكمن جوهر هذا التحول في تلك اللحظة الفارقة التي انكشف فيها أن العقل نفسه ليس محايداً وأن الموضوعية ليست براءة وأن كل بناء معرفي يحمل في طياته بصمات القوة والرغبة والإقصاء. وهذا ما جعل الفلاسفة المعاصرين من نيتشه إلى فوكو ومن دريدا إلى هابرماس ومن ريكور إلى ليفيناس، يعيدون طرح الأسئلة الكبرى من زوايا مغايرة تماماً، فلا يسألون "ما هي الحقيقة؟" بل يسألون "كيف تُنتَج الحقيقة؟" و"لمن تخدم؟" و"بأي شرعية تفرض نفسها؟" و"هل يمكن لحقيقة لا تمر عبر مرايا الاعتراف والتوافق أن تدّعي الصدق في عالم يموج بالأصوات المتضاربة والخطابات المتدافعة؟" هذه الأسئلة التي تلبس ثوب الفلسفة الأكاديمية في ظاهرها تنطوي في عمقها على همّ إنساني راهن هو همّ الإنسان الذي يعيش في زمن التشتت المعرفي وانفجار المعلومات وتضاعف الأكاذيب، زمن لم تعد فيه الحقيقة تُفرض بقوة البرهان بل بفاعلية الانتشار وقدرة الخطاب على اجتذاب الأنظار واستلاب القلوب، مما يفرض على الفلسفة أن تنزل من أبراجها العاجية إلى ساحة المعترك وأن تصبح أداة للتمييز والنقد والتحرير لا مجرد لعبة لغوية أنيقة أو تمريناً عقلياً بارعاً.
لقد كان نيتشه الأكثر حدة في نقض التراث الميتافيزيقي حين أكد أن الحقيقة ليست سوى "جيشاً متنقلاً من الاستعارات والمجازات" وأن الإرادة هي التي تصوغ المعايير وتفرض التراتيب. ففي كتابه "عن الحقيقة والكذب في المعنى الأخلاقي"، يذهب نيتشه إلى أن اللغة ذاتها بوصفها نظاماً من الاستعارات لا تعكس واقعاً موضوعياً بل تخلق عوالم من المعاني التي تخدم إرادات محددة، وهذا الطرح يُحدث قطيعة معرفية عميقة إذ ينتقل السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن القيمة وعن العوامل التي تجعل من قول معين مقبولاً ومُعتقداً به بغض النظر عن مطابقته لواقع سابق عليه. أما دريدا فقد جاء ليكمل هذا المسار بتفكيكه لكل بنى الحضور ونقده للسجال الفلسفي الذي يظن أنه يمكنه الوصول إلى معنى نهائي أو لبّاً جامداً يتعالى عن التداول والتأويل. فالحقيقة عند دريدا ليست حقيقة بالمعنى التقليدي بل هي أثر لكتابة لا تنتهي وعلامة داخل نظام إحالات لا نهائي، لا ترسو على مرجع مطلق ولا تستقر على أصل متعالٍ وتصير المشروعية هي السؤال الملحّ كيف يمكن لفعل قوليّ أن يجد له مكاناً في فضاء من الاختلافات والتكرارات دون أن يغلق المعنى أو يحجبه؟ غير أن هذا التفكيك مهما بلغت حدته يظل محكوماً بقلق أخلاقي وسياسي واضح لأن دريدا نفسه لم يكتفِ بنقض الأسس بل سعى إلى استبدالها بفكرة العدالة التي لا يمكن اختزالها في قانون أو قاعدة والتي تبقى مفتوحة على المستقبل بوصفها شرطاً من شروط المشروعية التي لا تستكين إلى حقيقة قاطعة.
إذا كان نيتشه قد مهّد السبيل لنقد الميتافيزيقا فإن ميشيل فوكو يمثل المحطة الأكثر حسماً في تحويل مسألة الحقيقة إلى مسألة خطاب وقوة. ففي أعماله المتتالية من "تاريخ الجنون" إلى "الكلمات والأشياء" وصولاً إلى "إرادة المعرفة"، يؤكد فوكو أن كل نظام معرفي إنما يُنتج حقائقه وفق قواعد إقصاء وإدماج وآليات تصنيف وتراتب وطقوس موضوعية تمنح بعض الأقوال صفة الصدق وتحرم أخرى منها دون أن يكون لهذه العملية أي سند خارج العلاقات القوّية التي تشكلها. فالحقيقة في تحليل فوكو ليست خارج السلطة بل هي إحدى آليات السلطة الأكثر فاعلية لأنها تظهر بمظهر المحايد والعلمي بينما هي في العمق نتاج لصراعات مؤسسية ومعرفية ووسيلة لإعادة إنتاج الانضباط الاجتماعي وتثبيت حدود المقبول واللامقبول. ومن هذا المنطلق يتحول معيار الصدق إلى اختبار للمشروعية أي الأقوال يحق لها الادعاء بالصدق في ضوء القواعد السائدة وأيها يوصف بالهذيان أو الخطأ أو الأسطورة؟ إن ما يسميه فوكو "الأنظمة التكوينية للخطاب" ليست مجرد قواعد منهجية بل هي تشكيلات تاريخية تجسد علاقات القوة وتحدد شروط إنتاج الصدق في كل عصر. غير أن فوكو بذكائه النقدي لم يوقع نفسه في مطبات النسبوية المطلقة بل ظل يبحث عن إمكانية للتمرّد والمقاومة وعن أشكال جديدة للحقيقة يمكن أن تتأسس على هامش الأنظمة القائمة وعن تجارب محدودة تعيد طرح سؤال المشروعية من داخلها لا من خارجها.
وفي الجانب البراغماتي يتجلى التحول بأسلوب مختلف لكنه موازٍ في العمق حيث يمثل ويليام جيمس وجون ديوي نموذجين رائدين في اعتبار الحقيقة ما ينجح عملياً، ما يحدث فرقاً في مجرى الخبرة وما يفتح آفاقاً للفعل وللحلّ الفعّال للمشكلات. فالحقيقة عند البراغماتيين ليست نسخة مطابقة للواقع بل هي أداة للتكيف والتحكم وشرط لاستمرارية البحث والتجريب ولا معنى للسؤال عنها بمعزل عن سياقاتها العملية وعن النتائج التي تترتب عليها. والمشروعية هنا تتحدد بقدرة المعرفة على تلبية حاجات الإنسان الجماعية والفردية وبقدرتها على التأثير الإيجابي في العالم لا بانعكاسها السلبي لماهيات مفترضة. لكن هذا التوجه رغم قوته وجاذبيته يصطدم بإشكالية أساسية وهي أن الفعالية العملية ليست دائماً ضمانة للصدق الأخلاقي إذ قد تنجح بعض الأوهام في تيسير الحياة وقد تفشل بعض الحقائق العميقة في تقديم حلول سريعة مما يطرح من جديد سؤال العلاقة بين الصدق والنفع وبين الحقيقة والمنفعة، وهو سؤال ظلّ يشغل الفكر الفلسفي منذ أفلاطون إلى اليوم، غير أنه في السياق المعاصر يكتسي طابعاً أكثر إلحاحاً لأن الفعل لم يعد تابعاً للنظر بل صار النظر تابعاً لفاعلية التحول والبناء.
تأتي الإسهامات الظواهرية والتأويلية لتضيف بعداً جديداً إلى هذا التحول، فهوسرل في سعيه إلى تأسيس علم صارم للظواهر ظلّ متمسكاً بفكرة البداهة والمعطى الأصلي، غير أن تلاميذه مثل هايدغر انقلبوا على هذا الطموح جذرياً معلنين أن الحقيقة ليست مطابقة بل انكشاف وكشف للكائن في تاريخانيته وأن الصدق يرتبط بحدث الوجود نفسه لا بعملية ذهنية أو منطقية منعزلة. وتصير المشروعية عند هايدغر مسألة أصالة وانتماء، مسألة وقوف أمام الوجود بوصفه سؤالاً لا يُختزل، لا مسألة امتلاك جواب صائب ينهي الحيرة. إن الصدق في هذا السياق هو صدق الوقوف في مواجهة المجهول وصدق الاعتراف بأن الحقيقة تتوارى بقدر ما تظهر وأن الكشف لا يأتي إلا عبر الحجاب، الأمر الذي يجعل معيار الصدق ممتحناً باستمرار غير قابل للتثبيت أو الترسيم ومفتوحاً على تاريخ من التأويلات التي لا تنتهي. ثم يأتي بول ريكور في موقع وسيط بين التأويل والظواهر والتحليل النفسي ليطرح تصوراً أكثر تركيباً وتعقيداً حيث يميز بين الحقيقة بوصفها ادعاءً وإحالة والمشروعية بوصفها اعترافاً وقبولاً ويرى أن الصدق لا يمكن فصله عن مسار الاعتراف الذي يمر عبر الصراع والتسوية والتفاهم وعبر الحبكة السردية التي تجمع المتفرق وتربط المختلف وتؤسس لمعنى قابل للتداول. فالحقيقة من هذا المنظور لا تقبع في زوايا الأشياء بل تنبثق من جدلية السرد والزمن ومن التفاعل بين الذات والآخر ومن حركة الحكي التي تحوّل التجربة الفردية إلى خبرة جماعية قابلة للتبادل والنقد وتكون المشروعية هنا مرتبطة بقدرة الخطاب على بناء عوالم ممكنة، عوالم تحتمل السكن والعيش، عوالم تفتح أفقاً للرجاء دون أن تسقط في طوباوية مفرغة أو في واقعية حدّية تقطع كل سبيل إلى المعنى.
تمثل النظرية النقدية وبخاصة في مدرسة فرانكفورت، محطة جوهرية في تحليل العلاقة بين الحقيقة والإيديولوجيا وبين الصدق الواقعي والمشروعية العقلانية، حيث كان أدورنو وهوركهايمر من أبرز من نبّها إلى أن التنوير نفسه في مساره الأداتي قد أنتج أشكالاً جديدة من اللاعقلانية والهيمنة وأن الحقيقة لا يمكن أن تتحرر من تلوّثها الاجتماعي إلا بنقد دائم للعلاقة بين المعرفة والمصلحة وبين العلم والسلطة وبين الموضوعية والتاريخ. غير أن يورغن هابرماس الوريث الأبرز لهذه المدرسة قد اتخذ منحىً مختلفاً وأكثر تفاؤلاً، إذ سعى إلى إعادة تأسيس معيار للصدق في إطار نظرية الفعل التواصلي، حيث تصبح الحقيقة نتيجة لتوافق عقلاني بين فاعلين يتداولون الحجج في فضاء عمومي خالٍ من الإكراه، وتصبح المشروعية مرتبطة بإجراءات الحوار وشروط التداول لا بمحتوى مسبق أو بمرجعية متعالية. ويتحول معيار الصدق من التطابق إلى التوافق ومن الانطباق إلى التداول ومن الثبوت إلى الإجراء ومن الحقيقة الجوهرانية إلى الحقيقة الإجرائية التي لا تتحقق إلا عبر اختبار الأطراف المعنية في موقف خطابي مثالي حيث يكون الكل مسموعاً وحيث لا سلطة تعلو على قوة الحجة وحيث القبول العام هو الضمان الأخير لشرعية القول. لكن هذا التصور رغم روعته الأخلاقية والعقلانية يصطدم بإشكالات عملية ونظرية عديدة، أهمها أنه يفترض فضاءً تواصلياً شفافاً ومتكافئاً وهو أمر نادراً ما يتحقق في واقع تتشابك فيه المصالح وتتداخل القوى وتتناحر الخطابات، كما أنه يغفل إلى حدّ ما عن البعد اللاشعوري والعاطفي والجسدي في تشكيل المعتقدات والمواقف وعن أن التوافق قد يكون وليد ضغوط خفية أو نتاجاً لتسويات هشة لا تعبر عن عمق الاختلافات ولا عن حدة التناقضات.
غير أن التحول من الحقيقة إلى المشروعية لا يجد مكمن قوته في النقد وحده ولا في رفض الميتافيزيقا التقليدية فقط، بل يستمدّ عمقه من قدرته على استيعاب ما هو سياسي وأخلاقي في صميم الفعل المعرفي، إذ إن السؤال عن المشروعية ليس سؤالاً معرفياً محايداً بل هو سؤال عن العدالة في توزيع الصدق وعن الحق في التكلم والإنصات وعن الضوابط التي تجعل من القول مقبولاً في محفل البشر أو مستبعداً مهمشاً في أزقة النسيان. وهنا تبرز القيمة الحاسمة للفلسفة التفكيكية في نسختها الإيثيقية، حيث ينقلب السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن المسؤولية وعن العلاقة مع الآخر وعن تلك الاستجابة التي لا تخضع لمنطق البرهان ولا لقياس المطابقة بل لمنطق الضيافة والاحتمال والمخاطرة لأن الصدق الحقيقي كما يقول إيمانويل ليفيناس هو صدق الوجه الآخر، ذلك الوجه الذي يأمرنا ويستفزنا ويفتحنا على لانهائية المعنى من دون أن يمكن اختزاله في أي كلية أو شمولية. فالحقيقة عند ليفيناس ليست رؤية ولا مطابقة بل هي استجابة أخلاقية تسبق كل معرفة وتؤسس لها والمشروعية ليست إجماعاً أو انسجاماً بل هي اعتراف بالتفاوت وبالارتفاع الذي لا يمكن قياسه وبذلك يصبح معيار الصدق مرتبطاً بمدى قدرة الفكر على الإنصات للصوت المغاير وعلى استيعاب ما لا يتمثل ولا يُمثَّل وعلى البقاء مفتوحاً على المجيء. ومن ثمّ ينقلب السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن المسؤولية وعن العلاقة مع الآخر، مما يجعل من الفلسفة المعاصرة ممارسة حدّية تعيش على تخوم الألغاز ولا تكتفي بطرح الأسئلة المعرفية المجردة بل تمتحن نفسها في محك الواقع الإنساني المأزوم، حيث تتكاثر الأقوال وتتضارب الرؤى وتتداعى اليقينيات وتصبح الحقيقة محتاجة إلى مشروعية لا مشروعية القانون والامتثال بل مشروعية الانفتاح والقابلية للفهم، وهي مشروعية لا تمنحها هيئات أو مؤسسات بل تنبثق من إخلاص القول لمن يقوله ومن صدقه في مواجهة ذاته قبل مواجهة العالم ومن شجاعته على الاعتراف بالخطأ واحتمال التبدل وعدم التصلب في موقف نهائي يغلق الآفاق ويقطع الحوار.
وفي انعطافة أخرى لا يمكن إغفال إسهام الفكر النسوي وما بعد الكولونيالي في تعميق هذا التحول، حيث نقدت هذه الاتجاهات كل ادعاء للحقيقة العالمية باعتبارها وليدة سياقات هيمنة ذكورية واستعمارية وبيّنت كيف أن المعايير المعرفية السائدة كانت وسيلة لإقصاء أصوات بأكملها وتهميش تجارب كاملة وتبرير أشكال متعددة من الاضطهاد والاستغلال، وبالتالي فإن المطالبة بمشروعية الحقيقة ليست عملاً فلسفياً أكاديمياً فحسب بل هي عمل سياسي تحرري يعيد الاعتبار للمعارف المهمّشة وينقب عن حقائق مغيبة ويكشف عن العلاقات الخفية بين السلطة والمعرفة وبين المركز والهامش وبين الأنا والآخر وبين ما يعتبر علماً وما يوصف بخرافة أو أسطورة. هنا تتجلى المشروعية بوصفها مفهوماً مزدوجاً فهي من جهة اختبار للحقيقة من حيث قدرتها على تمثيل المختلف واحترامه ومن جهة أخرى هي طموح إلى عدالة معرفية تقوم على إعادة توزيع شرعية الكلام وتحرير العقل من قيوده المضمرة وفتح الباب أمام تنوع الأنطولوجيات والمناهج والنماذج التفسيرية التي لا يمكن اختصارها في قالب واحد مهما بلغت قوته العلمية لأن العلم نفسه ليس شيئاً فوق البشر بل هو ممارسة بشرية تخضع لتحولات التاريخ وتتغير بتغير ظروف الإنتاج والتلقي والقبول.
ومع كل هذا السيل الهائل من النقود والتفكيكات والمراجعات، يبقى السؤال المحوري الذي لا يملك الفكر المعاصر أن يتخلص منه هل يمكننا فعلاً العيش والعمل والتفكير من دون حقيقة ما، من دون معيار ما للصدق يسمح لنا بتمييز الغث من السمين والزائف من الأصيل والمنتِج من المعطل؟ الواقع أن فلسفات المشروعية مهما بلغت حدتها النسبوية أو تشاؤمها المعرفي، لا تقترح التخلي عن الحقيقة بل تقترح إعادة فهمها وفك ارتباطها بالنماذج الثابتة والمطلقات المتعالية وتدعو إلى تصورها بوصفها عملية لا نتاجاً ورحلة لا محطة وصدى لا أصلاً وإمكاناً لا نهائياً أكثر من كونه واقعاً محدداً. وبذلك تكون المشروعية هي الوسيط الذي يسمح للحقيقة بأن تكون ديمقراطية دون أن تكون فوضوية ومحلية دون أن تكون منغلقة وزمانية دون أن تكون عابرة ومفتتحة على المستقبل دون أن تتنكر للماضي، وهو ما يجعل من الفلسفة المعاصرة فنا للعيش في الظلّ، في ذلك الضوء الخافت الذي لا يبهر العيون لكنه يضيء ما يكفي لاستمرار السير والتساؤل والحلم والعمل. إن الانتقال من الحقيقة إلى المشروعية في الفكر الفلسفي المعاصر يمثل في جوهره تحولاً في نمط الوعي بالمعرفة نفسها، حيث يتجلى الصدق بوصفه قيمة مراوغة لا تعطى دفعة واحدة بل تنال عبر محكّ السؤال الدائم والمراجعة المستمرة والاعتراف الصريح بحدود كل قول وقصور كل منظور. إنها ثورة غير مدوية، لكنها أعمق من كل ثورات الفلسفة السابقة، لأنها لا تقترح بديلاً جديداً للحقيقة المطلقة بل تقترح نبذاً ممنهجاً لكل مطلق وممارسة شجاعة للتشكيك في كل حقيقة تقدم نفسها على أنها الأخيرة مع الإبقاء في الوقت نفسه على الأمل في حقيقة تأتينا من بعيد، حقيقة تلدها المحاورة والتضافر والنقد، حقيقة هي أقرب إلى الوعد منها إلى البرهان وأشد صلة بالحرية منها باليقين وأكثر انتماء إلى زمن الغد منها إلى قشور الماضي. فالمشروعية إذا ما فهمت فهماً خصباً ليست بديلاً فقيراً للحقيقة الغنية بل هي نفسها وجه الحقيقة حين تكبر وتنضج وتتعرى من وهم الاكتفاء، وحين تعي أنها لا تعني شيئاً ما لم تكن في خدمة الإنسان وما لم تكن مفتوحة على احتمالاته وما لم تكن متواضعة بما يكفي لتستمع لمن يخالفها وتستفيد ممن ينقضها وتستأنف مسيرها من حيث تنكسر. وتغدو الفلسفة المعاصرة في خضم تحولها هذا أقرب إلى فن الحياة منه إلى علم اليقين وأكثر التصاقاً بمشكلات الراهن منها بانشغالات الأزل، ولكنها في عمقها لا تتخلى عن طموحها الكلاسيكي إلى الحكمة بل تعيد تعريف الحكمة نفسها بأنها القدرة على احتمال التناقض وتحمل الغموض وإدارة الاختلاف وفتح الذات لما هو غير متوقع والإصرار على القول الصادق حتى حين تدرك أنه مؤقت وحتى حين تعلم أنه سيتجاوزه الزمان وينسفه التاريخ، لأن قيمة الصدق لا تكمن في ديمومته بل في أخلاقية لحظة إلقائه وفي تأثيره المباشر في النفوس والعقول وفي قدرته على تحفيز الآخرين على التفكير والنقد والبناء. وإذن فمعيار الصدق الجديد الذي تطرحه فلسفات المشروعية ليس هروباً من الحقيقة ولا جحوداً لها بل هو تكريم لها من جهة أخرى، هو إعلان أنها تستحق العناء وتستحق أن نبحث عنها ونحاورها ونمارسها ونتمرّد عليها حين تقسو لا أن نستسلم لغيابها أو نكتفي بظلالها. وتكون المشروعية في هذا الإطار هي الضمان الأخلاقي لاستمرار الحقيقة حية متجددة، منفتحة على جميع الاحتمالات، مخلصة لمهمتها الإنسانية في التحرير والبناء لا في القهر والإقصاء.
***
د حمزة مولخنيف








