من أكثر المسائل دقة في فلسفة الوعي تلك التي تبدأ من أقرب الأشياء إلينا اجتماعيًا، لكنها تنفتح فورًا على هاوية إبستمولوجية وأنطولوجية معًا: كيف أعرف أن الآخر يعي كما أعي؟ كيف أعرف أن ما أراه أمامي ليس مجرد جسد يتحرك، وصوت يتكلم، ووجه يتألم، بل كائن له عالم داخلي، وله خبرة ذاتية، وله “ما يشبه” أن يكون هو نفسه؟ هنا لا يعود سؤال الوعي شأنًا فرديًا محضًا، بل يصبح سؤالًا عن إمكان العيش المشترك أصلًا. لأن كل علاقة بشرية عميقة، من التعاطف إلى الأخلاق إلى الحب إلى القانون، تفترض بدرجة ما أن الآخر ليس مجرد شيء معقد في العالم، بل ذات تشعر.
لكن هذه الفرضية، على بداهتها العملية، ليست سهلة فلسفيًا. فخبرتي الواعية تُعطى لي مباشرة، أو على الأقل أقرب ما يكون إلى المباشرة، أما خبرة الآخر فلا تُعطى لي بهذا الشكل. أنا لا أدخل إلى ألم الآخر كما أدخل إلى ألمي، ولا أرى حزنَه من الداخل كما أرى حزني. ما يُعطى لي هو سلوكه، تعبيره، صوته، نظرته، انكماشه، لغته، صمته، أفعاله. أي إنني لا أصل إلى وعي الآخر إلا عبر علامات. ومن هنا ينبثق السؤال الكلاسيكي: أليس من الممكن، من حيث المبدأ، أن يكون الآخر مجرد آلة متقنة أو “زومبي” فلسفي، يؤدي جميع السلوكيات المناسبة من غير أن يكون هناك أي حضور داخلي؟
هذا الاعتراض يبدو حادًا على المستوى النظري، لأنه يكشف أن الوصول إلى وعي الآخر ليس استبطانًا مباشرًا. لكن الحياة اليومية نفسها تكشف شيئًا معاكسًا: نحن لا نتعامل مع الآخرين عادةً كما لو كانوا ألغازًا ميتافيزيقية تنتظر البرهنة، بل نحيا منذ البدء داخل عالم مشترك من المعاني المتجسدة. حين أرى وجهًا يتألم، لا أبدأ غالبًا باستدلال نظري من نوع: هذا الجسد يصرخ، وكلما صرخ جسد مماثل لجسدي كان هناك ألم، إذن هذا الكائن يتألم على الأرجح. بل ألتقط الألم على نحو شبه مباشر داخل التعبير نفسه. لا بمعنى أنني أمتلكه من الداخل، بل بمعنى أن الجسد الإنساني ليس لي موضوعًا صامتًا تُضاف إليه الدلالة من الخارج، بل هو حامل ظهور. تعبير الوجه، نبرة الصوت، التوتر الجسدي، الانسحاب، الرعشة، الدموع، كلها ليست علامات اعتباطية فحسب، بل أنماط انكشاف.
وهنا تتجلى أهمية الظاهراتية من جديد، وخصوصًا عند شيلر وهوسرل وميرلو-بونتي، الذين اعترضوا على التصور الذي يجعل معرفة الآخر مجرد “استدلال من التشابه”. هذا التصور يقول تقريبًا: بما أن لي جسدًا وسلوكًا يقترنان بحالات شعورية، وبما أن للآخر جسدًا وسلوكًا شبيهين، فأنا أستنتج أنه يمتلك حالات شعورية مماثلة. لكن هذا النموذج يبدو ناقصًا، لأن علاقتنا الفعلية بالآخر لا تبدأ كاستنتاج بارد، بل كإدراك متجسد داخل العالم المشترك. الآخر لا يظهر لي أولًا كجسم مادي محض ثم أضيف إليه فرضية الوعي، بل يظهر لي منذ البداية، بدرجات متفاوتة، ككائن ذي دلالة، كوجه، كصوت حي، كحضور يستدعي الاستجابة.
هذا لا يعني أن وعي الآخر شفاف بالكامل. فهو يظل، دائمًا، غير متطابق مع حضوري لذاتي. ثمة مسافة لا يمكن ردمها نهائيًا. أنا لا أصبح الآخر، ولا أذوب في باطنه. لكن هذه المسافة لا تعني العزلة المطلقة، بل تعني أن الآخر يُعطى لي عبر تجسد ظاهر لا عبر اندماج استبطاني. وعيه لا يُكشف لي كموضوع داخلي خاص بي، بل كأفق حضور ينسرب من خلال سلوكه، لغته، جسده، وتاريخه في العالم. ولذلك فإن السؤال ليس: كيف أقفز من عالمي المغلق إلى عالم الآخر؟ بل: هل أنا أصلًا في عالم مغلق؟ أم أن الوعي البشري منذ البدء علائقي، متشابك، مهيأ للتلقي والتعاطف والتقمص والتجاوب؟
في هذا السياق تكتسب مسألة التعاطف معناها الفلسفي. فالتعاطف ليس مجرد شعور أخلاقي لطيف، بل هو في أحد أبعاده الأساسية بنية معرفية-وجودية تمكّنني من استقبال الآخر بوصفه ذاتًا لا شيئًا. وأنا لا أتعاطف فقط لأنني أفترض نظريًا أن له ذهنًا، بل لأن حضوره الجسدي والتعبيري يدخل في مجالي الإدراكي بطريقة مخصوصة. من هنا نفهم لماذا يزعجنا الوجه البشري الصامت، ولماذا تؤثر فينا نبرة الخوف، ولماذا يمكن لحركة بسيطة أو ارتجافة عين أن تفتح عالمًا كاملًا من المعنى. الجسد هنا ليس عائقًا بيني وبين الآخر، بل هو الجسر الأول. ليس ساترًا للداخل فقط، بل أول ظهور له.
غير أن هذه الرؤية لا ترفع المشكلة بالكامل. لأن إمكانية الخطأ تبقى قائمة دائمًا. يمكنني أن أسيء فهم الآخر، أو أقرأ في تعبيره ما ليس فيه، أو أفشل في إدراك عمق ألمه، أو أنخدع بممثل بارع أو بآلة محاكية أو بوجه اجتماعي متقن. وهذا يعني أن معرفة الآخر ليست يقينًا مطلقًا من نوع معرفتي الفورية ببعض حالاتي، لكنها أيضًا ليست مجرد تخمين اعتباطي. إنها معرفة تقع في منطقة وسطى: أقوى من الظن المحض، وأضعف من التطابق الكامل. وهذا الوسط هو نفسه ما يجعل الحياة الإنسانية ممكنة: لو كان الآخر مغلقًا تمامًا لما قامت علاقة، ولو كان شفافًا تمامًا لانمحى كآخر.
هنا تظهر أيضًا أهمية اللغة. فنحن لا نعرف الآخر فقط عبر جسده، بل عبر ما يقوله عن نفسه، وعبر قدرته على السرد، والاعتراف، والوصف، والكتمان، والالتباس. اللغة لا تمنحنا دخولًا مباشرًا إلى باطنه، لكنها توسع مساحة حضوره. بواسطتها لا يعود الآخر مجرد كائن يتألم أمامي، بل كائن يروي لي كيف يتألم، وكيف يفهم ألمه، وما الذي يخافه، وما الذي يتذكره، وما الذي يعجز عن قوله. ومن خلال هذه اللغة نفسها نكتشف أن وعي الآخر ليس مطابقًا لبنيتي دائمًا، بل له نبرته الخاصة، ومجازه الخاص، وشكل زمنه الخاص. وهكذا لا تكون معرفة الآخر مجرد قياسه عليّ، بل تعلمٌ مستمر للتمايز داخل التشابه.
ولهذا فإن السؤال: كيف نعرف أن غيرنا يشعر مثلنا؟ قد يكون مضللًا قليلًا من جهتين. أولًا، لأنه يفترض أن المعرفة المطلوبة هي معرفة بأن الآخر “مثلنا” على وجه التماثل، بينما الأصح أن الآخر يشعر بوصفه آخر، أي في تقاطع بين المشابهة والاختلاف. وثانيًا، لأنه يوحي وكأن المطلوب برهان منطقي نهائي، بينما علاقتنا بالآخر تقوم فعليًا على نمط من الإدراك المشترك، والتجسد، واللغة، والتاريخ، والمؤسسات الأخلاقية، لا على استدلال واحد معزول. نحن لا نثبت وعي الآخر كما نثبت مسألة في الهندسة، بل نعيش معه داخل أفق يجعل إنكار وعيه استثناءً نظريًا متطرفًا أكثر من كونه الوضع الأصلي.
وهذا يفسر لماذا كانت مشكلة العقول الأخرى، رغم شهرتها الفلسفية، تبدو أحيانًا أقل إقناعًا على المستوى الوجودي. فهي تنجح في كشف أن اليقين المطلق بوعي الآخر غير متاح بالطريقة نفسها التي أحضر بها إلى ذاتي، لكنها قد تفشل إذا أوحت بأن الحياة تبدأ من عزلة عقلية ثم تبحث لاحقًا عن منافذ. كثير من الفلاسفة المعاصرين، خصوصًا في الظاهراتية والفلسفات المتجسدة، حاولوا قلب هذا المسار: نحن لا نبدأ أفرادًا مغلقين، بل كائنات في عالم مشترك، والإدراك الاجتماعي جزء أصيل من وعينا بالعالم، لا إضافة لاحقة عليه. من هنا فإن الآخر لا يظهر كفرضية، بل كحضور أصلي، حتى وإن ظلت هناك حدود لهذا الحضور.
لكن المسألة لا تقف عند البشر فقط. فهي تمتد إلى الحيوانات، ثم إلى الذكاء الاصطناعي. كيف أعرف أن الحيوان يشعر؟ هنا لا أملك اللغة البشرية نفسها، لكنني أملك الجسد، والسلوك، والقرائن العصبية، والاستجابات، والتقارب التطوري. ومع ذلك تظل درجات اليقين متفاوتة. وحين أصل إلى الآلة، يصبح السؤال أشد توترًا: هل التعبير هنا انكشاف لداخل، أم محاكاة بلا داخل؟ وهذا يبيّن أن سؤال الآخر ليس مسألة أخلاقية فقط، بل مقياسًا لفهمنا للوعي نفسه. كلما تغير تصورنا لما يجعل الخبرة ممكنة، تغير تصورنا لمن يحق له أن يُعترف به كذات.
وهنا يكمن البعد الأخلاقي العميق للمسألة. لأن الاعتراف بوعي الآخر ليس مجرد استنتاج نظري، بل أيضًا فعل إنصاف. حين أعامل الآخر كشيء، أو كأداة، أو كمجرد سلوك بلا باطن، فإنني لا أخطئ معرفيًا فقط، بل أرتكب عنفًا أنطولوجيًا وأخلاقيًا. كثير من الحالات الاقصائية تقوم جزئيًا على نزع امتلاء الآخر الداخلي، أو على تقليصه إلى موضوع يمكن التصرف فيه. ومن هنا فإن سؤال الوعي والآخر له صلة مباشرة بطريقة بناء العالم الإنساني: هل الآخر كائن له داخل يُحترم، أم مجرد حضور وظيفي في مجالي؟
إن جوابًا فلسفيًا ناضجًا لا يمكن أن يكون: نعم، أعرف الآخر كما أعرف نفسي تمامًا. ولا يمكن أيضًا أن يكون: لا سبيل إلى معرفة وعي الآخر إطلاقًا. الأصح أن نقول: الآخر يُعطى لي من خلال تجسد دالّ، ولغة، وتاريخ مشترك، وتعاطف، ومؤسسات اعتراف، بما يكفي لجعل إنسانيته أو شعوريته أمرًا حاضرًا بقوة، دون أن تُلغى المسافة التي تحفظ فرادته. أنا لا أمتلك باطنه، لكنني لست مطرودًا منه تمامًا. بل أعيش على الحدّ الذي يجعل من الممكن أن أفهمه جزئيًا، وأن أخطئ فيه جزئيًا، وأن أتعلم منه، وأن أُفاجأ به.
لا نعرف أن غيرنا يشعر “مثلنا” لأننا دخلنا إلى غرفته الداخلية سرًا، ولا لأننا أقمنا برهانًا نهائيًا لا يقبل الشك، بل لأن الوعي البشري نفسه ليس جزيرة مغلقة. نحن كائنات متجسدة، متخاطبة، متعاطفة، تتشكل داخل عالم مشترك. ومن داخل هذا العالم يظهر الآخر لا كشيء يتحرك فقط، بل كذات تتألم، وتفرح، وتصمت، وتتردد، وتنتظر. صحيح أن المسافة لا تزول، لكن هذه المسافة ليست جدارًا، بل شرط اللقاء نفسه. فالآخر لا يكون آخرًا لأننا نفشل في بلوغه فقط، بل لأنه يحضر لنا دومًا من وراء نفسه، كوعي لا نملكه، لكننا نُدعى إلى الاعتراف به.
***
عبد الله الهميلي








