عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

اسعد الامارة: الكلمة وإنفعالات اللفظ والملفوظ

اهداء إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي مع التقدير

هي اللغة في كل ما تحتوي من كلمات، إنفعالية كانت أم مرنة، أم موجهه بخطاب نحو آخر، هي تحمل ما يدور في اعماق النفس، تحمل رغبة نحو الآخر، أيًا كان نوع هذه الرغبة، لذلك حينما رأى التحليل النفسي بأن الإنسان يُعرف بلغة رغبته هو فعلا على حق، فاللغة نعني بها ما يعتمل في داخل النفس، وبلغة علم النفس تفاعلات انفعاليه ومعالجات تنتج الكلمة.

نتكلم هنا عن النزعة النفسية للغة المتمثلة باللفظ، وما يعبر عنه الفرد من كلمات منطوقة بلفظ، وهل هي فعلا تعبر عن الملفوظ، أو بالعكس يمكن أن يكون الملفوظ شيئًا، بينما التلفظ قد يكشف شيئًا آخر؟ لا توجد كلمة لكل شيء كما يقول جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي. ويضيف لنا " فريدناند دي سوسير " قوله بأن كل شيء في الحقيقة سيكولوجي في اللسان، وإن عمقنا فكرة "سوسير" وجعلنا من التكوين الفرضي للفكرة التي تنتج الكلمة بلغة تناسب مع ما يقال، وليس اللسان وحده، لأنه مجرد ناقل لما نفكر فيه، وفي بعض الأحيان يغدر بنا هذا اللسان حينما تظهر الهفوة أو زلة اللسان معلنة ومكشرة عن أنواع مختلفة من المخبوء.

نتسائل ماذا تحمل ذواتنا من تراكم في اللاوعي – اللاشعور بحيث أضحت الكلمة تصاغ قبل نطقها ونقلها إلى اللسان بما يكون ملفوظ منها؟ ونستطيع أن نقول هناك اشياء كثيرة تتداخل في اللفظ " الذي يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر كما يؤكده لاكان دائمًا" منها التخييل لدى الشخص، ومنها الجانب الرمزي وما حمل من أطنان من صور ما تعلمه وأكتسبه، والأصح ما أدركه كما يريد إدراكه

 بالتخييل، ولكنه في الحقيقة ليس كما نُطقَ من والدينا " الام والأب " أو من يقوم مقامهما في تربيتنا، ونريد أن نعرف ماذا يقول اللفظ في سلسلة الكلام بما يتجاوز المعنى الواعي للملفوظ، فضلا عن حياة العلامات في الحياة الاجتماعية لدى كل فرد وما تدونه، وبمختلف المجتمعات وتنوعها وطقوسها وتقاليدها، وهي جزء كبير منها التقاليد المكتسبة التي تتدحرج في عالم اللاشعور لتبني على ما خزن من عالم الطفولة ليعيد تشكيل الكلمات المنطوقة في الوقت الحاضر.

 فالإنسان ربما ينطق شيئًا وهو واعٍ بما يقوله، لكن الذات اللاواعية – اللاشعورية ربما تظهر في بنية القول نفسها كما يراه لاكان.

 إذن اللغة تصاغ من معامل اللاوعي – اللاشعور بلغة خاصة، واصبح للاشعور لغة مصاغة بشكل مقبول في انفعالات الملفوظ بشقيه السوي والمتقارب للسواء ليتناسب مع ما يقال، وإن جَانبَ – أبتعد عن الحقيقة في بعدها الرمزي في القول أو في النية؟

نستعير من " بول ريكور " فكرة إن كل ما يمكن أن يُقال عن الكلمات يَنْتج عن تطابقها مع الأفكار، الحديث عن الأفكار وعن الكلمات، هو الحديث مرتين عن الأفكار: ففي المرة الأولى يدور الحديث عن الأفكار في ذاتها، وفي المرة الثانية عن الأفكار باعتبارها مُمَثَّلة بالكلمات. ويضيف " ريكور " ان المعنى هو في علاقته بالكلمة، ما تجعلنا هذه الكلمة نَفهمه أو نُفكر فيه أو نحس به من خلال دلالته، ودلالته هي ما تعنيه، أي ذلك الذي تُمثل دليله.

ولو تناولنا العلاقة بين اللفظ والملفوظ عند "جاك لاكان" لوجدنا أن اللفظ ليس مجرد كلمة تحمل معنى سطحي، أو ثابت، بل أن اللفظ هو عنصر لغوي يعمل داخل شبكة من الألفاظ، ورأي " لاكان" بأن اللفظ يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر، وهي في الحقيقة أن الذات لا تكون موجودة ومكتملة قبل اللغة.

بل تتحدد داخل سلسلة الألفاظ التي تتكلم من خلالها. أما الملفوظ فهو ما يقال فعليًا كما هو وما نسمعه، وهي الجملة أو الكلمة أو العبارة التي ننطق بها عندما نتكلم. يمكننا القول وكما دونه لاكان بأن اللفظ عنصر داخل النظام الرمزي، أما الملفوظ وهو ما يتشكل من هذه العناصر في قول محدد، والتلفظ فعل القول وموقع الذات وهي تتكلم وتقول. " نص منقول".

مما تقدم حاولنا ربط العلاقة بين الكلمة واللفظ والملفوظ ولكن لم ننسى انفعالات كل منهم، فالانفعال كما هو معروف إحساس قوي، ويصاحب الإنفعال التغيرات الجسمية التي تقع من خلال الجهاز العصبي، فالكلمة تمر بحالة إنفعال حين نطقها، أو لفظها عبر اللسان، حيث تأخذ صورة صوتيه معينة محددة بالاسلوب التي قيلت به وهي تعبر عن ما يدور بداخل قائلها، وهل فعلًا هذه الكلمة التي قيلت ما الذي يمكن أن نكشفه في قول المتحدث؟ هل هو يقصده؟ ويدلنا التحليل النفسي الذي يتعمق بالنفس من خلال اللغة والكلمة من المعنى المقصود إلى عمل الدال / اللفظ داخل خطاب الذات. وقول التحليل النفسي عند لاكان الذات ليست هي نفسها المتكلم. لا ندري ما شدة تأثير الإنفعالات السابقة الخبيئة في اللاوعي – اللاشعور والتي عادت بلغة تتسم بالانفعال الواضح في الكلمة وقولها. وتدلنا معرفتنا بالانفعالية بأنها خاصة أساسية وطبيعية لكل موجود إنساني، إنها تتيح له أن يستجيب إلى سائر المنبهات الخارجية والداخلية، ويمكن أن نسمي جميع هذه المنبهات بالظروف كما يرى " داكو" ذلك، ولكن لنا القول أيضًا أن دواخلنا تستدعي ما فيها من انفعالات مخزونة في عالم اللاشعور – اللاوعي في كلمة تشكل لغة خطاب يمثل أي من البشر كأسلوب يختص به، أو نص يريد فهمه كما بنى تكوينه النفسي منذ سنواته الاولى في مرحلة الطفولة. 

***

د. اسعد الامارة 

في المثقف اليوم