عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الله الهميلي: العدم الفعال بين ناغارجونا ونيتشه

منذ أن صاغ بارمنيد حكمه الشهير: «الوجود هو، واللاوجود ليس»، ارتبط جانب واسع من الميتافيزيقا الغربية بأولوية الحضور، حتى غدا العدم موضع حذر فلسفي، وكأن التفكير فيه يهدد انتظام العقل نفسه. غير أن إقصاء العدم لم يؤدِّ إلى اختفائه؛ فقد ظل كامنا في بنية القول، وفي حدود المفهوم، وفي كل حضور يستدعي غيابا يحدده. فالكلمة تنبثق من صمت، والصورة تظهر داخل خلفية، والهوية لا تتعين إلا عبر ما تستبعده أو تؤجله. من هنا يمكن النظر إلى العدم بوصفه شرطا للانكشاف: فراغا يتيح للحضور أن يظهر، ومسافة تمنح الوجود إمكان التعيّن.

مع هايدغر اكتسب سؤال العدم منزلة أنطولوجية جديدة. فالعدم عنده يفتح المجال للسؤال عن الموجود في مجموعه، ويكشف هشاشة الاعتياد الذي يجعل الأشياء تبدو مكتفية بحضورها. وفي تجربة القلق تتراجع شبكة الدلالات اليومية، فتظهر الكينونة من جهة إمكان انسحابها. لذلك يغدو العدم حدثا يكشف، لا موضوعا يقف إلى جانب الموجودات. إن حضوره يتجلى في الانسحاب نفسه، وفي تلك الفجوة التي تسمح للإنسان بأن يختبر الوجود خارج بداهته المعتادة.

أما نيتشه، فيدخل إلى العدم من بوابة أزمة القيم. فالعدمية لديه تظهر حين تفقد القيم العليا قوتها الملزمة، وحين تنكشف الأسس الميتافيزيقية التي كانت تمنح العالم غايته ووحدته. غير أن نيتشه يميز بين عدمية خاملة تستسلم لفقدان المعنى، وعدمية فعالة تمتلك قدرة هدم القيم المتصلبة تمهيدا لتجاوزها. ومن هنا تتشكل فكرة «العدم الفعال» بوصفها حركة نفي تفتح إمكان الخلق. الهدم هنا وظيفة انتقالية: يزيل ما استنفد قدرته على الحياة، ويهيئ مجالا لإعادة تقويم القيم وتوليد صور جديدة للوجود.

 تتحول السلبية عند نيتشه إلى طاقة. فموت القيمة القديمة لا يترك وراءه مجرد فراغ، وإنما يكشف مجالا كانت تلك القيمة تحجبه. وكل سقوط لمركز ثابت يحرر قوى كانت محكومة بمنظومة من الغايات المتعالية. لذلك يرتبط العدم الفعال بإرادة قادرة على المرور عبر الانهيار من غير أن تجعل منه مسكنا أخيرا. إنه لحظة عبور بين عالم فقد سلطته وعالم لم يتحدد بعد، لحظة يكتسب فيها الفراغ وظيفة إنشائية، لأن ما ينفتح بعد التحطيم أوسع من البنية التي تحطمت.

في الجهة الأخرى من المقارنة يقف ناغارجونا، صاحب أكثر الصياغات راديكالية لمفهوم «الشونياتا» أو الفراغ في فلسفة المادهياماكا. الفراغ عنده لا يعني انعدام الأشياء، وإنما يعني خلوها من طبيعة ذاتية مستقلة وثابتة. كل ما يظهر ينشأ اعتمادا على شروط وعلاقات وأسباب؛ ومن ثم لا يمكن العثور على ماهية قائمة بذاتها وراء شبكة الاعتماد المتبادل. الصيغة الشهيرة التي تربط النشوء الاعتمادي بالفراغ تضعنا أمام انقلاب في التفكير الأنطولوجي: الكائن لا يكتسب حقيقته من جوهر مغلق، وإنما من ترابطه، ومن تاريخ شروطه، ومن قابلية صورته للتحول.

هنا يختلف ناغارجونا عن كل تصور عدمي يساوي الفراغ باللاوجود. فالفراغ نفسه فارغ؛ أي إنه لا يتحول إلى جوهر ميتافيزيقي جديد. وإذا جعلناه حقيقة مطلقة قائمة وراء الأشياء فقد أعدنا إنتاج المشكلة التي جاء مفهوم الفراغ لتفكيكها. الطريق الأوسط يتجنب تثبيت الوجود وتثبيت العدم معا، ويضع الفكر داخل حركة تعتمد فيها الأشياء على غيرها من دون أن تمتلك أساسا نهائيا خارج تلك العلاقات. وبهذا تغدو الحقيقة أقرب إلى بنية تداولية وعلائقية، ويغدو الكائن حدثا مشروطا أكثر من كونه كتلة مكتفية بنفسها.

من نيتشه إلى ناغارجونا يمكن رسم خط مقارن يقوم على «السلب الخلاق»، مع ضرورة الحفاظ على الفارق بين المشروعين. نيتشه ينطلق من أزمة القيم الأوروبية ومن سؤال تجاوز العدمية، في حين ينطلق ناغارجونا من نقد التعلق بالمقولات الجوهرية ومن تحليل النشوء الاعتمادي. لدى نيتشه تعمل السلبية كقوة تاريخية وقيمية تفتح مجال إعادة التقويم؛ ولدى ناغارجونا يعمل الفراغ كأداة تفكيك تحرر الفكر من أوهام الاستقلال والثبات. نقطة التقاطع تقع في مقاومة الجوهر، وفي رفض تحويل الهوية إلى مركز مكتف بذاته، وفي رؤية الصيرورة والعلاقة باعتبارهما أكثر خصوبة من الثبات.

ومن هذا المنظور يمكن إعادة تعريف «العدم الفعال» خارج ثنائية الوجود واللاوجود. فهو اسم لحركة تجعل النقص مولدا، والانقطاع منتجا، والفراغ شرطا لظهور صورة جديدة. العدم هنا لا يقيم وراء العالم، ولا يشكل مادة خفية تحته؛ إنه وظيفة تظهر كلما تحررت البنية من اكتمالها المتوهم. فالمعنى يحتاج إلى مسافة، والهوية تحتاج إلى قابلية للمراجعة، والفكر يحتاج إلى فجوة تفصله عن يقين سابق حتى يستطيع أن يولد من جديد.

هذا التصور يفتح بابا للحوار مع علوم الأعصاب، شريطة ألا تتحول المقارنة الفلسفية إلى مساواة تجريبية. الدماغ في حالات الراحة اليقظة لا يدخل حالة انطفاء؛ إذ تستمر شبكات عديدة في العمل، وفي مقدمتها شبكة الوضع الافتراضي التي ترتبط، في سياقات مختلفة، بالتفكير المرجعي إلى الذات، واستدعاء الذاكرة الذاتية، وتخيل المستقبل، والتنقل بين محتويات داخلية. كما أن فترات انخفاض الانشغال بمهمة خارجية قد تتيح إعادة تركيب الخبرة وربط عناصر متباعدة. لذلك يمكن استخدام «الفراغ العصبي» مجازا للإشارة إلى المساحات التي يخف فيها ضغط المهمة المباشرة، فتظهر إمكانات للدمج وإعادة التنظيم.

وتكشف أبحاث الذاكرة والتعلم صورة أكثر دقة لهذه الدينامية. فالتعلم لا يقوم على إضافة وحدات معلومات إلى مخزن ثابت، وإنما يصاحبه تعديل مستمر في أنماط الاتصال والتمثيل، وتدخل فيه عمليات التثبيت وإعادة التثبيت والاسترجاع وإعادة البناء. والذاكرة نفسها عملية بنائية تتغير مع الاستدعاء والسياق. من هنا يكتسب النسيان وظيفة إيجابية أيضا؛ إذ يساعد على الانتقاء، ويمنع النظام المعرفي من التحول إلى تراكم غير قابل للإدارة، ويفسح مجالا للتعميم والتحديث. النقص المعرفي، بهذا المعنى، يشارك في صنع المرونة.

عند هذه النقطة تظهر صلة فلسفية مهمة: الوعي لا يتكون من تدفق متجانس ممتلئ في كل لحظة. الانتباه انتقائي، والإدراك قائم على ترجيح إشارات واستبعاد أخرى، والذاكرة تحتفظ وتعيد الصياغة وتمحو. كل حضور واع ينهض على خلفية واسعة من غير الملحوظ وغير المستدعى. لذلك يمكن تصور الوعي كتنظيم للفجوات بقدر ما هو تنظيم للمحتويات. ما يظهر في البؤرة يستند إلى ما بقي في الهامش، وما نتذكره يتحدد أيضا بما لم نستحضره، وما نقوله يستمد إيقاعه من الصمت الذي يفصل الجمل والدلالات.

أما المقارنة مع الفيزياء الكمومية فتحتاج إلى احتراز مماثل. الفراغ في نظرية الحقول الكمومية لا يساوي عدما فلسفيا مطلقا؛ إنه الحالة القاعية للحقل، وله بنية فيزيائية وتأثيرات قابلة للحساب، وترتبط به تقلبات كمية وظواهر معروفة ضمن أطر محددة. لذلك تصلح صورة الفراغ الكمومي كاستعارة فلسفية لفراغ غني بالإمكان، مع الامتناع عن تحويلها إلى برهان على أن الوعي كمومي أو أن الأفكار تنشأ بالطريقة نفسها التي توصف بها الإثارات الحقلية. قيمة المقارنة هنا تأويلية: كلا المجالين يدفعنا إلى الحذر من مساواة الفراغ بالخواء البسيط.

بذلك يتحول «العدم الفعال» إلى مبدأ إجرائي أكثر من كونه مادة كونية. في الفيزياء يذكرنا بأن الفراغ الفيزيائي قد يمتلك بنية، وفي علوم الأعصاب يذكرنا بأن غياب المهمة المباشرة لا يساوي غياب النشاط، وفي الفلسفة يكشف أن النفي قد يفتح أفقا لإعادة التكوين. وما يجمع هذه المستويات هو تشابه في البنية، لا هوية في الآلية. الفارق هنا جوهري؛ لأن المحافظة عليه تمنح المقارنة قوتها، وتحميها من القفز من المجاز إلى الادعاء التجريبي.

ويصبح للغة موقع مركزي داخل هذه الأنطولوجيا. فاللغة تمنح الأشياء أسماء وحدودا، ومع ذلك تظل الدلالة أوسع من اللفظ المفرد. كل علامة تحيل إلى غيرها، وكل معنى يتحدد داخل شبكة من الفروق والاستعمالات والسياقات. ومن ثم تنشأ الذات اللغوية داخل مجال لا تملكه بالكامل. ويمكن استحضار لاكان هنا من جهة أن الذات تتشكل عبر نظام الدوال، وتظهر في الانقسام الذي يمنعها من التطابق التام مع صورتها أو خطابها. هذه الفجوة لا تمحو الذات؛ إنها تفسح مجال الرغبة والتأويل والتحول.

من هذه الزاوية يلتقي ناغارجونا والتحليل اللغوي الحديث في الحذر من تحويل الاسم إلى جوهر. تسمية الشيء لا تمنحه استقلالا أنطولوجيا، وصياغة مفهوم عن الذات لا تحولها إلى كيان ثابت. اللغة مفيدة لأنها تقطع العالم إلى وحدات قابلة للتداول، وخطورتها تظهر حين ننسى طابع هذا القطع ونحسب الحدود اللغوية حدودا نهائية في الواقع. الفراغ هنا يحررنا من عبودية الاسم: يمنحنا القدرة على استعمال المفاهيم من دون تقديسها، وعلى التفكير عبرها مع إبقاء باب المراجعة مفتوحا.

وحين تتغير صورة الكينونة من الجوهر إلى العلاقة تتغير الأخلاق أيضا. فالاعتماد المتبادل عند ناغارجونا يحمل نتيجة عملية واضحة: إدراك هشاشة استقلال الذات يوسع مجال الرحمة، لأن ألم الآخر يظهر داخل شبكة الشروط التي تشارك الذات نفسها فيها. الرحمة هنا تنبع من رؤية علائقية للعالم، ومن فهم أن الذات والآخر يتكونان داخل تشابك من الأسباب والتاريخ واللغة والجسد. إنها ممارسة تقلل صلابة الحدود التي تجعل الفرد يتخيل نفسه جزيرة مغلقة.

عند نيتشه تبدو المسألة مختلفة. فمشروعه الأخلاقي لا يقوم على الرحمة البوذية، وقد وجه نقدا حادا إلى صور من الشفقة حين رأى فيها تكريسا للضعف أو مضاعفة للألم. ومع ذلك يمكن العثور على نقطة مقارنة في فكرة تجاوز الذات. إرادة القوة، في أكثر قراءاتها خصوبة، قدرة على تشكيل الذات وتحويلها وتجاوز صورها المستنفدة، لا مجرد سيطرة على الآخرين. وعند هذه النقطة يمكن أن يلتقي الإبداع النيتشوي مع الفراغ الناغارجوني في كسر وهم الهوية المكتملة، مع بقاء التباعد بينهما في المقاصد الأخلاقية والميتافيزيقية.

لذلك ينبغي ألا نذيب الفرق بين الرحمة والإرادة في صيغة واحدة. الرحمة عند التقليد البوذي تتجه إلى تخفيف المعاناة انطلاقا من فهم الاعتماد المتبادل، أما نيتشه فيتجه إلى إعادة تقويم القيم وإنتاج أنماط أقوى من الحياة. ومع ذلك يقدمان، كل بطريقته، نقدا للذات المغلقة: الأول يحل استقلالها داخل شبكة العلاقات، والثاني يدفعها إلى تجاوز شكلها الراهن. ومن هذا التقاطع يمكن صياغة «أخلاق للانفتاح» ترى أن القيمة تظهر حين تظل الذات قابلة للتحول وقادرة على استقبال ما يتجاوز صورتها الحالية.

هنا تبرز فكرة الضيافة بوصفها امتدادا تأويليا للعدم الفعال. الضيافة تحتاج إلى مساحة خالية من الامتلاك الكامل، لأن استقبال الآخر يفترض أن تتراجع الذات خطوة عن مركزها. لذلك يصبح الفراغ أخلاقيا حين يتحول إلى قدرة على إفساح المجال: للآخر، وللمستقبل، وللتجربة التي لا تنسجم مسبقا مع تصوراتنا. الخير، وفق هذا الأفق، يتصل بمرونة العلاقة وبالقدرة على منع المركز من احتكار المعنى. والشر يمكن فهمه كنوع من الانغلاق؛ تصلب في هوية ترفض التبادل، أو قوة تمنع غيرها من إمكان الظهور.

ولعلوم الأعصاب هنا إسهام محدود ومهم في الوقت نفسه. التعاطف والرحمة يرتبطان بشبكات موزعة تشمل مناطق تشارك في معالجة الحالة الجسدية والانفعالية، وتمثيل حالات الآخرين، والتنظيم المعرفي والانفعالي. ولا يمكن اختزال الأخلاق في منطقة دماغية واحدة أو دائرة ثابتة. الأهم أن الممارسة والخبرة والتعلم تؤثر في طرائق الاستجابة. وهذا ينسجم مع تصور أخلاقي يرى الذات بنية قابلة للتشكيل عبر العلاقة، من دون تحويل القيمة إلى مجرد إفراز عصبي.

يمتد العدم الفعال أيضا إلى الجمال. فالعمل الفني يكتسب قوته من المصرح به ومن المتروك، من الحضور ومن المسافة، من الشكل ومن الفراغ المحيط به. في الموسيقى يؤدي الصمت وظيفة إيقاعية، وفي الشعر تصنع الوقفة جزءا من الدلالة، وفي الرسم يوجه الفراغ عين المتلقي مثلما توجهها الكتلة. الجمال هنا لا يقوم على الامتلاء التام؛ إنه انكشاف جزئي يحافظ على بقية لا تستنفد. ولهذا يبقى العمل العظيم قابلا لإعادة القراءة، لأن معناه لا ينغلق عند تأويل واحد.

ومن الجمال نصل إلى المعرفة. كل سؤال يبدأ من فراغ معرفي، وكل اكتشاف يفترض اعترافا بحد لم تفلح الأدوات السابقة في تجاوزه. الجهل، حين يعي حدوده، يتحول إلى طاقة منهجية. وتاريخ العلم نفسه يتحرك عبر أزمات تكشف قصور النماذج، ثم تفتح إمكان تعديلها أو استبدالها. بهذا المعنى يمكن فهم السلب بوصفه شرطا لإنتاج المعرفة: اعتراض، دحض، تعليق، إعادة صياغة. الفكر الذي لا يسمح بفجوة في يقينه يتحول إلى تكرار.

وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع روح الإيبوخيه الفينومينولوجية، من دون أن تتطابق معها. تعليق الحكم يخلق مسافة بين الوعي وبداهاته، ويمنح الظاهرة فرصة أن تظهر على نحو مختلف. إن المعرفة تحتاج أحيانا إلى انسحاب مؤقت من التفسير الجاهز. هذه المسافة المعرفية تشبه «الفراغ المنهجي» الذي يوقف اندفاع المفهوم كي يعيد فحص شروطه. ومن هذا المنظور يصبح العدم الفعال ممارسة للفكر: قدرة على إخلاء موضع داخل البنية يسمح بظهور احتمال لم يكن مرئيا.

وعلى المستوى الوجودي، يمنح هذا التصور القلق معنى آخر. القلق لا يعود مجرد خوف من الفراغ؛ يمكن أن يصبح انكشافا على إمكان لم يتحدد. عندما تتفكك صورة مستقرة عن الذات يشعر الإنسان بفقدان المرجع، ومع ذلك ينفتح في اللحظة نفسها مجال لإعادة التشكيل. هنا يقترب العدم الفعال من خبرة التحول: موت جزئي لصورة كي تتكون صورة أخرى، وانسحاب معنى كي يتسع المجال لتأويل جديد. الحياة تستمر عبر عمليات من الفقد والتجدد، والجسد يحافظ على نفسه عبر تبدل دائم، والذاكرة تعمل عبر الحفظ والنسيان معا.

لهذا يمكن الحديث عن «أنطولوجيا الصمت». الصمت لا يمثل غياب الكلام وحده؛ إنه البنية التي تمنح الكلام إيقاعه وحدوده. والفكر العميق يحتاج إلى مسافات يتراجع فيها ضجيج الاستجابة الفورية حتى تظهر علاقات أبعد. غير أن الربط بين الصمت والتأمل وعمليات الدماغ يحتاج إلى لغة دقيقة: التجربة التأملية لا تعني توقف الخلايا العصبية، وإنما تغير أنماط الانتباه والتنظيم والمعالجة تبعا لنوع الممارسة والحالة. وبذلك يظل الصمت مفهوما ظاهراتيا وتأويليا، مع إمكان دراسة آثاره العصبية من دون اختزاله فيها.

أما الفناء في التجارب الصوفية فيقدم نموذجا آخر لتراجع مركزية الأنا. ويمكن وضعه في حوار مقارن مع الفراغ البوذي ومع نقد الذات الثابتة، مع الانتباه إلى الفروق العقدية والميتافيزيقية العميقة بين التقاليد. قيمة المقارنة تظهر في سؤال مشترك: ماذا يحدث للتجربة حين تفقد الأنا موقعها بوصفها المركز المطلق للمعنى؟ قد تفتح الإجابة أفقا يرى الذات حدثا علائقيا، يتكون باستمرار من الجسد والذاكرة واللغة والآخر والعالم.

ومن هنا يصبح الإنسان «كائنا ذا فراغ خلاق»: يحمل في تكوينه قدرة على ألا يطابق صورته الراهنة. هذه المسافة بين ما هو وما يمكن أن يصير إليه هي شرط الحرية والتعلم والإبداع. وإذا استعرنا لغة الاحتمال من الفيزياء على نحو مجازي، أمكن القول إن الهوية تحتفظ دائما بأكثر من مسار، وإن اللقاءات والقرارات والتجارب ترجح بعض المسارات وتغلق أخرى. غير أن الإنسان لا يساوي جسيمًا كموميا، والهوية لا تخضع حرفيا لمعادلات القياس الكمومي. الاستعارة هنا تساعد على تصور الانفتاح، ولا تمنحنا وصفا فيزيائيا للذات.

بهذه الصياغة يتراجع إغراء «العصبي–الكمومي» بوصفه دعوى عن طبيعة الوعي، ويحل مكانه حوار بين مستويات مختلفة: مستوى أنطولوجي يبحث في معنى الفراغ والجوهر، ومستوى عصبي يدرس ديناميات الانتباه والذاكرة والذات، ومستوى فيزيائي يصف خصائص الحقول وحالاتها القاعية، ومستوى أخلاقي يسأل عن العلاقة بالآخر. قوة مفهوم العدم الفعال تظهر حين يربط هذه المستويات عبر تشابهات محسوبة مع الاحتفاظ باستقلال كل حقل.

هنا يمكن العودة إلى نيتشه وناغارجونا. نيتشه يضع الفكر أمام انهيار القيم ويطالبه بأن يحول هذا الانهيار إلى قدرة على الخلق. وناغارجونا يضع الفكر أمام انهيار دعوى الجوهر ويطالبه بأن يرى العالم شبكة من النشوء الاعتمادي. الأول يحرر القيمة من ضمانها المتعالي، والثاني يحرر الحقيقة من التعلق بطبيعة ذاتية ثابتة. كلاهما يزعزع مركزا، ويفتح حركة، ويجعل السؤال أكثر أهمية من الاستقرار داخل جواب نهائي.

ومع ذلك، يبقى الاختلاف أساسيا. العدمية الفعالة عند نيتشه لحظة في تشخيص تاريخي وثقافي مرتبط بأوروبا الحديثة وبمصير القيم، أما الفراغ عند ناغارجونا فمفهوم تحليلي وسوتيريولوجي يرتبط بتحرير الوعي من التعلق وسوء الفهم. لذلك لا يصح رد أحدهما إلى الآخر. المقارنة الأكثر خصوبة تنظر إليهما كاستراتيجيتين مختلفتين لتفكيك الثبات: استراتيجية تمر عبر تجاوز القيم المنهارة، وأخرى تمر عبر كشف خواء الطبيعة الذاتية.

ومن هذا الفرق نفسه يولد مفهوم «العدم الفعال» بصيغته التأويلية: فضاء مفتوح يمنع الوجود من التجمد في جوهر، ويمنع المعنى من التحول إلى سلطة نهائية، ويمنع الذات من الانغلاق داخل هوية مكتملة. إنه اسم للحركة التي تجعل النفي منتجا حين يحرر، وتجعل الفراغ خصبا حين يفسح المجال، وتجعل الصمت دالا حين يمنح القول إيقاعه وحدوده.

الوجود لا يظهر ككتلة مكتفية، وإنما كنسيج من علاقات وتغيرات وحدود. كل كينونة تحمل تاريخ شروطها، وكل حضور يحمل أثر ما غاب عنه، وكل هوية تظل مفتوحة على ما يمكن أن تصبحه. وهنا يتحول العدم من خصم للوجود إلى حد داخلي يضمن حركته. الفناء، النسيان، الانقطاع، المسافة، الصمت، غياب اليقين؛ كلها أشكال مختلفة لفجوة تمنع العالم من التصلب داخل صورة نهائية.

ومن ثم يمكن القول إن العدم الفعال يشتغل في الفكر بصفته قدرة على فتح الإمكان. في نيتشه يظهر كقوة تتجاوز القيم التي فقدت حياتها. وفي ناغارجونا يظهر كفراغ يكشف اعتماد الأشياء بعضها على بعض. وفي الفينومينولوجيا يمكن أن يظهر كتعليق يحرر الظاهرة من أحكامها المسبقة. وفي علم الأعصاب يمكن أن تستعار صورته لفهم فترات الراحة وإعادة التنظيم والانتقاء والنسيان. وفي الفيزياء يمكن أن نجد مقابلا استعاريا في فراغ ذي بنية، مع الحفاظ على الفارق بين المفهوم الفلسفي والوصف العلمي.

وعندما يبلغ هذا التصور مداه الأخلاقي، يغدو الإنسان ضيفا في الكينونة أكثر من كونه مالكا لها. معنى الضيافة هنا أن الذات لا تستنفد العالم في منظورها، وأن الآخر يحتفظ بحق الظهور خارج توقعاتها، وأن الحقيقة نفسها تحتاج إلى فسحة تمنع امتلاكها بصورة نهائية. بهذا المعنى يصبح الفراغ شرطا للحرية: حرية العالم من أن يختزل في مفهوم، وحرية الآخر من أن يختزل في صورة، وحرية الذات من أن تحبس داخل ماضيها.

وفي الفن يصبح الفراغ شرطا للجمال، وفي المعرفة شرطا للسؤال، وفي الأخلاق شرطا للاستقبال، وفي الوجود شرطا للتحول. لذلك لا يعود العدم منطقة سوداء خلف الأشياء؛ يصبح المسافة التي تسمح لها بأن تتشكل وتتغير. وهذه المسافة لا تملك ماهية خاصة بها، لأنها تعمل كلما انفتح النظام على ما يتجاوزه.

 تكشف المقارنة بين نيتشه وناغارجونا عن إمكان التفكير في السلب خارج صورة الخراب. النفي قد يهدم، وقد يحرر. الفراغ قد يربك، وقد يفتح. فقدان المركز قد يثير القلق، وقد يمنح العالم تعددا أوسع. ومن هنا تنشأ فلسفة للخلق لا تبدأ من الامتلاء، وإنما من قابلية البنية لأن تترك مكانا لما لم يظهر بعد.

العدم الفعال لا يمثل أصلا خفيا للعالم ولا قانونا فيزيائيا شاملا. إنه مفهوم تأويلي يجمع سلسلة من الخبرات والبنى: انهيار القيمة، تفكك الجوهر، تعليق الحكم، صمت اللغة، مرونة الذاكرة، إمكان التحول، وانفتاح العلاقة. قوته تأتي من قدرته على وصف لحظة يصبح فيها الغياب منتجا، ويغدو النقص شرطا لولادة صورة أخرى.

هكذا يلتقي نيتشه وناغارجونا في نقطة دقيقة: الوجود يختنق حين يغلق على نفسه، ويستعيد حركته حين تتشقق دعوى الاكتمال. عند نيتشه تفتح الشقوق أفق إعادة تقويم القيم، وعند ناغارجونا تكشف أن الأشياء قامت منذ البداية داخل اعتماد متبادل. وفي الحالتين، تتراجع سطوة الجوهر لصالح الحركة، وتتحول الهوية من امتلاك إلى عبور.

الوعي نفسه يمكن قراءته كحدث يتكون من حضور وغياب، من انتباه وإهمال، من ذاكرة ونسيان، من قول وصمت. لا يحتاج هذا التصور إلى افتراض جوهر كمومي للوعي، ولا إلى تحويل المجاز إلى معادلة فيزيائية. يكفي أن ندرك أن تجربة الإنسان تتشكل عبر الفجوات بقدر تشكلها عبر المحتويات، وأن قابليته للتغير تنبع من عدم اكتماله.

وعند هذه النقطة يبلغ «العدم الفعال» معناه الأعمق: إنه الفراغ الذي يمنح الوجود فسحة، والنفي الذي يحرر المعنى من التصلب، والصمت الذي يسمح للكلمة أن تسمع نفسها، والمسافة التي تجعل الآخر قابلا للاستقبال. إنه حركة تذكّر الفكر بأن كل صورة مؤقتة، وكل مركز قابل للإزاحة، وكل حقيقة تحتاج إلى أفق مفتوح.

إن الوجود لا يعرف فقط بما يحضر فيه؛ يعرف كذلك بما يتركه مفتوحا. والمعنى لا يكتمل بما يقوله؛ يتشكل أيضا بما يؤجله. والإنسان لا يتحدد بما صار إليه وحده؛ يتحدد بقدرته على أن يتجاوز صورته الراهنة. لذلك يغدو العدم الفعال اسما لإمكان يتجدد داخل الكينونة: إمكان أن تنسحب صورة كي تظهر أخرى، وأن يصمت معنى كي يسمع معنى جديد، وأن يتراجع المركز كي يتسع العالم.

وفي هذا الاتساع يلتقي نيتشه وناغارجونا من غير أن يفقد أحدهما خصوصيته. الأول يعلمنا كيف يمكن عبور انهيار القيم نحو الخلق، والثاني يكشف كيف يحرر الفراغ الأشياء من وهم الجوهر. وبينهما يتشكل أفق فلسفي يرى الكينونة حدثا، والذات علاقة، والحقيقة حركة، والفراغ شرطا للانفتاح. عندها يصبح العدم طريقا إلى الإمكان، ويغدو الوجود قدرة متجددة على أن يبدأ من جديد.

***

عبد الله الهميلي

في المثقف اليوم