عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

علي أسعد وطفة: التربية والتَّوازن التنموي الخلاق بين الإنسان والطَّبيعة

"الطَّبيعة هي ما منحتنا إيّاه الآلهة، والسَّير بمقتضى شروط الطَّبيعة هو السَّير على صراط الواجب، وإدارة هذا الصِّراط وتنظيمه هو القصد من التَّربية والتَّعليم"... كونفوشيوس

تواجه الإنسانيَّة اليوم وضعيَّة مأزقية تتمثَّل في تحديات التَّصادم المصيريِّ بين الحضارة المادِّيَّة، بما تنطوي عليه من أنماطٍ متسارعةٍ في استنزاف الطَّبيعة وتدميرها، وبين المصادر الحيويَّة للطَّبيعة بوصفها حاضناً للحياة ومصدرًا لاستمرارها. فالحضارة المادِّيَّة تطلق وحشها الصِّناعيَّ في البيئة، مستنزفةً المصادر الحيويَّة للوجود، ومحوِّلةً جانبًا منها إلى فضاءاتٍ فيزيائيَّةٍ مشبعةٍ بأشكالٍ مختلفةٍ من التَّلوُّث والتَّدمير، في حين تحاول الطَّبيعة الحيَّة أن تستعيد توازنها الحيويَّ وتحافظ على شروط الحياة.

وفي خضمِّ هذا التَّصادم بين إرادتي الحياة والموت، بين التَّوحُّش الصِّناعيِّ المدمِّر للطَّبيعة والطَّبيعة الصَّانعة للحياة، تبرز قضيَّة المصير الإنسانيِّ المعاصر وإشكاليَّاته الوجوديَّة بوصفها واحدةً من أخطر قضايا العصر. وفي حمأة هذا التَّناقض المصيريِّ بين الطَّبيعة التي تحوِّل المادَّة الفيزيائيَّة إلى حياة، والصِّناعة الرَّأسماليَّة التي قد تحوِّل الحياة نفسها إلى مادَّةٍ مستنزفة، يجد الإنسان المعاصر نفسه بين قطبي صراعٍ لا يستطيع بسهولةٍ إيقافه أو الخروج من دوائره المقلقة.

لقد دأب الإنسان منذ بدايات التَّاريخ على محاولة إخضاع الطَّبيعة والتَّغلُّب عليها، حتّى كاد يتعامل معها بوصفها خصمًا ينبغي الانتصار عليه. واستطاع، بفضل تطوُّره العلميِّ والتِّقنيِّ، أن يحقِّق انتصاراتٍ هائلةً في السَّيطرة على عناصرها، لكنَّه لم يكن يدرك دائمًا أنَّ بعض هذه الانتصارات قد ينطوي في الوقت نفسه على تدميرٍ لشروط وجوده وحياته.

وقد وصلت الإنسانيَّة اليوم إلى مرحلةٍ أصبح فيها استعادة التَّوازن الخلّاق بين الإنسان والطَّبيعة أكثر صعوبةً وتعقيدًا، ولا سيَّما أنَّ الطَّبيعة هي المستودع الأساسيُّ لمصادر حياته ووجوده. ويقف الإنسان المعاصر، إلى حدٍّ بعيد، عاجزًا عن الخروج من دوَّامة التَّدمير الصِّناعيِّ المتسارع للبيئة، بل عاجزًا أحيانًا عن الحدِّ من سرعة هذا الخراب، بسبب خضوعه لمنطق الحضارة المادِّيَّة وأنماط الاستهلاك التي أنتجتها. وهكذا تراجعت قدرة الإنسان على المحافظة على البيئة واستعادة جانبٍ من نقائها وتوازنها الحيويِّ. وفي هذا كلِّه يتجسَّد المأزق الوجوديُّ الذي تواجهه الإنسانيَّة المعاصرة؛ إذ يجد الإنسان نفسه عالقًا في دوَّامةٍ حضاريَّةٍ بات من الصَّعب التَّحكُّم في مسارها أو تحديد مآلاتها.

ومع ذلك، وفي عمق هذا المأزق الوجوديِّ، ما يزال هناك ضوءٌ يومض في نهاية النَّفق، وما تزال بارقة أملٍ تتوهَّج، تستمدُّ قوَّتها من إرادة البشر ووعيهم بالمصير، ومن قدرتهم على إدارة الصِّراع بين إرادة الحياة ونوازع الموت الحضاريِّ؛ أي بين الموارد الحيَّة للوجود والنَّتائج المدمِّرة التي قد تنتج عن الحضارة المادِّيَّة عندما تفقد توازنها الإنسانيَّ والأخلاقيَّ.

وتبيِّن القراءات الجادَّة للتَّاريخ أنَّ مصير الإنسانيَّة يرتبط إلى حدٍّ كبير بقدرة سكَّان الأرض على إدارة تفاعلهم مع الوجود بصيغتيه الفيزيائيَّة والحيويَّة إدارةً واعيةً ومتوازنةً وخلّاقةً. وهذا يقتضي وعيًا حقيقيًّا عميقًا بجوهر العلاقة المصيريَّة بين الإنسان وشروط وجوده.

وتظهر المؤشِّرات العلميَّة والبيئيَّة أنَّ الإنسانيَّة تواجه مخاطر متزايدةً نتيجة التَّفاعل غير المتوازن مع البيئة والوجود الطَّبيعيِّ، وأنَّ استمرار أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة يمكن أن يضع الحياة البشريَّة أمام تحدِّياتٍ وجوديَّةٍ غير مسبوقة.

وإزاء هذه التَّوقُّعات المقلقة بشأن المصير والوجود، ما يزال العلماء والمفكِّرون والباحثون في مختلف مجالات المعرفة يحذِّرون من مخاطر التَّفاعل السَّلبيِّ مع الوسط الطَّبيعيِّ الحاضن للحياة على سطح الكوكب. وعلى الرَّغم من هذه النِّداءات المتواصلة والتَّحذيرات العلميَّة المتزايدة، فإنَّ البيئة ما تزال تتعرَّض لضغوطٍ قاسيةٍ ناجمةٍ عن النَّشاط الإنسانيِّ، إلى الحدِّ الذي أصبحت معه أشكالٌ متعدِّدةٌ من الحياة مهدَّدةً بفعل الاستنزاف والتَّلوُّث والتَّغيُّرات المناخيَّة المتسارعة.

فالأنهار الجليديَّة تذوب، والكتل الجليديَّة تتراجع، والاحتباس الحراريُّ يتصاعد، والتَّلوُّث يواصل تأثيره السَّلبيَّ في الأرض والمياه والهواء والحياة على حدٍّ سواء.

وفي مواجهة هذه المخاطر عُقدت عشرات المؤتمرات الدَّوليَّة، وتأسَّست مئات المنتديات والهيئات العالميَّة، وأُنشئت أعدادٌ كبيرةٌ من المراكز البحثيَّة المعنيَّة بالبيئة والتَّنمية، وأُبرمت اتِّفاقيَّاتٌ دوليَّةٌ وإقليميَّةٌ عديدةٌ منذ النِّصف الثَّاني من القرن العشرين حتّى اليوم. ومع أهمِّيَّة هذه الجهود، فإنَّها لم تتمكَّن حتّى الآن من وقف التَّدهور البيئيِّ بصورةٍ حاسمة.

وفي كلِّ مؤتمرٍ أو قمَّةٍ عالميَّةٍ تُوقَّع الاتِّفاقيَّات والمعاهدات، وتصدر البيانات والتَّحذيرات، وتُعرب دول العالم عن نواياها في العمل على وقف التَّدهور البيئيِّ. ثمَّ تكشف الدِّراسات اللاحقة في كثيرٍ من الأحيان استمرار مظاهر التَّدهور وتصاعد بعض مؤشِّراته، الأمر الذي يدفع إلى التَّساؤل عن مدى قدرة المجتمع الدَّوليِّ على تحويل الالتزامات المعلنة إلى سياساتٍ وممارساتٍ فعليَّة.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ السَّعي المحموم إلى السَّيطرة على الموارد الطَّبيعيَّة واستنزافها وتحويلها إلى أرباحٍ اقتصاديَّةٍ يشكِّل أحد العوامل الرَّئيسة في التَّدهور البيئيِّ. كما تتحمَّل الدُّول الصِّناعيَّة الكبرى مسؤوليَّةً تاريخيَّةً مهمَّةً عن جانبٍ كبيرٍ من الانبعاثات والتَّلوُّث النَّاتج عن عمليَّات التَّصنيع المكثَّفة. وقد دفعت الإنسانيَّة، ولا تزال، أثمانًا اجتماعيَّةً وإنسانيَّةً باهظةً نتيجة نماذج من التَّنمية غير المتوازنة تقوم على استنزاف الموارد وإضعاف شروط الاستدامة.

وقد اندفع العلماء والمفكِّرون والباحثون إلى البحث عن أفضل السُّبل والوسائل للحدِّ من التَّدهور وحماية البيئة والحياة على سطح الكوكب. وتبيَّن، عبر تجارب كثيرة، أنَّ بناء وعيٍ إنسانيٍّ عميقٍ بأهمِّيَّة المحافظة على البيئة وضرورة وقف استنزاف مواردها يشكِّل أحد أهمِّ الأسس التي يمكن الاستناد إليها للانتقال نحو حياةٍ أكثر استدامةً وتنميةٍ أكثر عدالةً وتوازنًا.

وبرهنت التَّطوُّرات المعاصرة في حياة البشر أنَّ الوعي الإنسانيَّ يمثِّل طاقةً حيويَّةً في تمكين الإنسان من التَّفاعل مع بيئته الاجتماعيَّة والطَّبيعيَّة بصورةٍ متوازنةٍ وخلّاقة. فجانبٌ كبيرٌ ممَّا يجري في العالم يرتبط بفهم الإنسان لما يفعله، وإدراكه للآثار المترتِّبة على سلوكه، ووعيه بالمخاطر التي تهدِّد الوجود والمصير. وهذا يعني أنَّ ما يمكن أن نسمِّيه «الوعي الإنسانيَّ التَّنمويَّ» أصبح ضرورةً حضاريَّةً ملحَّة.  ومن الطَّبيعيِّ، في سياق هذا الوعي المتزايد بأهمِّيَّة البيئة والحياة، أن تحتلَّ التَّربية موقعًا مركزيًّا في بناء الوعي بالتَّنمية المستدامة. وتلك حقيقةٌ أكَّدت عليها مؤتمراتٌ ومنتدياتٌ دوليَّةٌ كثيرة؛ فالتَّربية تشكِّل إحدى أهمِّ الدَّعائم التي يمكن أن تقوم عليها التَّنمية الهادفة والخلّاقة.

والمعاهدات الدَّوليَّة والمؤتمرات العالميَّة، على أهمِّيَّتها، لن تستطيع وحدها وقف التَّدهور في شروط الحياة الإنسانيَّة والبيئيَّة من غير تربيةٍ فاعلةٍ قادرةٍ على تحويل الوعي التَّنمويِّ إلى قوَّةٍ مؤثِّرةٍ في توجيه الحياة الإنسانيَّة نحو مسارات البناء والتَّعمير، وفي اتِّجاه إقامة علاقةٍ أكثر توازنًا بين الإنسان والبيئة التي تحتضن الحياة برمَّتها على سطح الكوكب.

وقد أدركت البلدان المتقدِّمة أهمِّيَّة العامل التَّربويِّ في بناء العلاقة الخلّاقة بين الإنسان والتَّنمية المتوازنة، فانطلقت في إعادة النَّظر في نظمها التَّربويَّة ومناهجها التَّعليميَّة، وعملت على تنمية وعيٍ شاملٍ يوازن بين الاستجابة للحاجات التَّنمويَّة المتزايدة والمحافظة على البيئة والموارد، ويحقِّق الانسجام بين علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالمحيط الطَّبيعيِّ.

واتَّخذ هذا الوعي التَّربويُّ التَّنمويُّ مساراتٍ متعدِّدةً شملت التَّربية البيئيَّة، والتَّربية من أجل السَّلام، وحقوق الإنسان، والعدالة، والتَّسامح، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة. وتشكَّلت منظوماتٌ متنوِّعةٌ من المناهج والبرامج التَّربويَّة التي تسعى إلى إعداد المتعلِّم للمشاركة في التَّنمية والمحافظة على الحياة الإنسانيَّة، بما ينطوي عليه ذلك من تنظيمٍ إيجابيٍّ للعلاقة بين الفرد والبيئتين الاجتماعيَّة والطَّبيعيَّة.

وعلى خلاف التَّطوُّر الكبير الذي تشهده كثيرٌ من البلدان المتقدِّمة في مجال التَّربية البيئيَّة والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، فإنَّ هذا النَّمط من التَّربية ما يزال في مراحله الأولى في عددٍ من البلدان الأخرى، وقد يكون مهمَلًا أو محدود الحضور في بعضها.

وتشكو المناهج المدرسيَّة في كثيرٍ من البلدان النَّامية أو الأقلِّ تقدُّمًا نقصًا واضحًا في مجال التَّربية البيئيَّة والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة. وإذا وُجد هذا النَّوع من التَّربية فإنَّه يأتي في كثيرٍ من الأحيان بصورةٍ عرضيَّةٍ، ولا يمتلك التَّوازن المنهجيَّ أو العمق الاستراتيجيَّ والتَّكامليَّ المطلوب. وقد تظهر بعض المقرَّرات أو الموضوعات ذات الصِّلة ضمن نسيجٍ هامشيٍّ أو مجزَّأٍ لا يستند دائمًا إلى خططٍ تربويَّةٍ منهجيَّةٍ متكاملة، الأمر الذي يضعف فاعليَّتها التَّربويَّة في هذا الميدان.

والمتأمِّل في المسارات المنهجيَّة للتَّربية من أجل التَّنمية، ولا سيَّما في جانبها الاجتماعيِّ والحقوقيِّ، يجد أنَّ بعض الأنظمة التَّربويَّة ما تزال تتحفَّظ على إدخال مناهج تتعلَّق بحقوق الإنسان وقيم التَّسامح والسَّلام، نظرًا إلى ما قد تثيره مثل هذه الموضوعات من إشكاليَّاتٍ سياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ مرتبطةٍ بطبيعة الأنظمة القائمة أو بدعاوى الخصوصيَّة الثَّقافيَّة. ويترتَّب على ذلك أنَّ التَّربية على التَّنمية، في بعض البيئات التَّعليميَّة، ما تزال خارج السِّياق الأكاديميِّ والمدرسيِّ والجامعيِّ بالمستوى الذي يتناسب مع أهمِّيَّتها.

وقد أطلعتنا تجربتنا التَّربويَّة الممتدَّة على أربعة عقودٍ في التَّعليم العالي على محدوديَّة حضور المقرَّرات الخاصَّة بالتَّنمية المستدامة والتَّربية البيئيَّة والتَّربية على حقوق الإنسان في عددٍ من المؤسَّسات الأكاديميَّة العربيَّة.  ويترتَّب على هذا الغياب ضعفٌ في حضور الثَّقافة الإنسانيَّة التي تتمثَّل في منظومة العلاقات القائمة بين الإنسان والإنسان من جهة، وبين الإنسان والطَّبيعة من جهةٍ أخرى.

ولاحظنا، من خلال تجربتنا التَّربويَّة في عددٍ من الجامعات العربيَّة، محدوديَّةً واضحةً في ثقافة التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، ولا سيَّما في كلِّيَّات التَّربية التي ينبغي أن تكون معنيَّةً بصورةٍ جوهريَّةٍ بإنتاج هذا النَّمط من التَّفكير التَّنمويِّ، وترسيخه ثقافةً ومعرفةً وفلسفةً في المؤسَّسات التَّعليميَّة.

وإذا كنَّا ندرك الأبعاد السِّياسيَّة والثَّقافيَّة التي قد تقف وراء ضعف حضور بعض قضايا حقوق الإنسان والتَّنمية، فإنَّنا ما نزال على يقينٍ بأنَّ القصور في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة يعكس جانبًا من أوجه التَّأخُّر الحضاريِّ والمعرفيِّ الذي تعانيه بعض مؤسَّساتنا التَّربويَّة والتَّعليميَّة.

ويتأسَّس على هذا الغياب النِّسبيِّ لمفاهيم التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، في المستويات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والأكاديميَّة، قصورٌ في الوعي التَّنمويِّ المعاصر قد يشمل قطاعاتٍ واسعةً من المجتمع، بما في ذلك بعض طلبة الجامعات وأساتذتها والعاملين فيها.

وبإمكان من يتابع الوضع الثَّقافيَّ في الجامعات العربيَّة أن يلاحظ محدوديَّة حضور ثقافة التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة قياسًا إلى الأهمِّيَّة الكبيرة التي أصبحت تتمتَّع بها هذه القضايا في عالم اليوم، بوصفها مرتبطةً بمستقبل الحياة الإنسانيَّة على الأرض.

ويمثِّل غياب الوعي بقضايا التَّنمية ومشكلاتها تحدِّيًا تربويًّا وإنسانيًّا كبيرًا. وليس أخطر من أن تفتقر الثَّقافة والمعرفة إلى هذا المجال الحيويِّ، لأنَّ الوعي التَّنمويَّ أصبح اليوم ضرورةً تاريخيَّةً لتحقيق التَّوازن بين الإنسان والوسط الحيويِّ الذي يقوم عليه وجوده.

وأظهرت متابعتنا لقضايا التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة أيضًا غيابًا نسبيًّا للفكر الاستراتيجيِّ في هذا المجال. فما كُتب عربيًّا عن العلاقة بين التَّربية والتَّنمية، ولا سيَّما التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، ما يزال أقلَّ من مستوى التَّحدِّيات المطروحة.

وحتّى عندما تحضر هذه القضايا في بعض الكتابات والدِّراسات، فإنَّ بعض المقاربات لا تتجاوز المستوى الخطابيَّ أو الأيديولوجيَّ، ولا تغوص بما يكفي في التَّطوُّرات الفكريَّة والعلميَّة الحقيقيَّة لهذا الميدان، الذي يشهد عالميًّا تطوُّرًا متسارعًا من النَّاحيتين النَّوعيَّة والكمِّيَّة. وتتمثَّل إحدى النَّتائج الطَّبيعيَّة لهذا الغياب المعرفيِّ في ضعف القدرة على مواجهة صورٍ متعدِّدةٍ من التَّلوُّث البيئيِّ والثَّقافيِّ والاجتماعيِّ. ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا في بعض مظاهر انخفاض الوعي بحقوق الإنسان وانتشار التَّعصُّب في عددٍ من المجتمعات.

ويزخر المشهدان السِّياسيُّ والثَّقافيُّ في العالم العربيِّ بمؤشِّراتٍ على استمرار أشكالٍ من التَّعصُّب والعنصريَّة، في مقابل محدوديَّة حضور الفكر المرتبط بحقوق الإنسان وحرِّيَّاته. ويرتبط جانبٌ من هذه الظَّواهر بضعف الثَّقافة التَّنمويَّة بمعناها الإنسانيِّ الواسع، وهي الثَّقافة التي تُعنى بالإنسان وحقوقه وكرامته بقدر عنايتها بالطَّبيعة ومواردها.

ويمكن القول إنَّنا اليوم أحوج ما نكون إلى الاهتمام بهذا المجال الحيويِّ في حياتنا الثَّقافيَّة والفكريَّة العربيَّة، وإلى بناء ثقافةٍ تربويَّةٍ تنمويَّةٍ حقيقيَّةٍ تؤسِّس لجيلٍ واعٍ بأهمِّيَّة التَّنمية المستدامة وضرورتها التَّاريخيَّة.

لقد أصبحت التَّنمية المستدامة والتَّربية من أجلها فلسفةَ حياةٍ ووجود، وهي تمتدُّ اليوم لتشمل مختلف مناحي التَّفكير والبحث والتَّأمُّل في قضايا الحياة والوجود والمصير. وهذا يعني أنَّ غياب مثل هذه الفلسفة يشكِّل تهديدًا للثَّقافة والمعرفة الإنسانيَّة، ويضعف قدرة المجتمعات على التَّعامل العقلانيِّ مع التَّحدِّيات التي تواجهها.

ومن هذا المنطلق، وتأسيسًا على إيماننا العميق بأهمِّيَّة الوعي التَّربويِّ التَّنمويِّ وضرورته التَّاريخيَّة في النُّهوض الحضاريِّ بمجتمعاتنا العربيَّة ومؤسَّساتنا الأكاديميَّة، تأتي هذه المقالة مساهمةً في الكشف عن بعض أصول التَّربية من أجل التَّنمية، وتتبع مناحيها وتحليل معطياتها في ضوء رؤيةٍ فلسفيَّةٍ ومنهجيَّة.

وقد تبين لنا من خلال من خلال بحوثٍ ودراساتٍ على امتداد فترةٍ زمنيَّةٍ طويلة، أنَّ مسألة التَّربية والتَّنمية والعلاقة بينهما أخذت تكتسب طابعًا معرفيًّا ودوليًّا متصاعدًا في الأهمِّيَّة، وأنَّ هذا المجال العلميَّ الذي لا يزال محدود الحضور في بعض مناهجنا يتَّسم بدرجةٍ كبيرةٍ من الصُّعوبة والتَّعقيد.  ويزداد هذا التَّعقيد عندما تُتناول القضيَّة من زاويةٍ تربويَّة، لأنَّ التَّداخل بين التَّربية والتَّنمية أصبح في عصرنا حقيقةً معرفيَّةً لا يمكن تجاوزها. وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ومصير الإنسانيَّة يرتبط، إلى حدٍّ بعيد، بمدى وعي الإنسان وقدرته على ضبط إيقاع العلاقة الحيويَّة بينه وبين معطيات الحياة والوجود؟ والحقيقة الجوهريَّة التي ينبغي التَّذكير بها والتَّشديد عليها هي أنَّ الوعي بالبيئة يمثِّل، في جوهره، وعيًا بالوجود والمصير.

وتشير اتِّجاهاتٌ حديثةٌ في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة إلى أنَّ الأنظمة التَّربويَّة لم تعد قادرةً على مواكبة تحدِّيات التَّنمية بالاعتماد على نقل المعرفة وحده، بل أصبحت مطالبةً بالانتقال من التَّركيز على المعرفة المجرَّدة إلى الجمع بين المعرفة والفعل والممارسة. فالتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة لم تعد مجرَّد صورةٍ من صور الوعي النَّظريِّ الجامد، بل ينبغي أن تكون ممارسةً فكريَّةً وثقافيَّةً وسلوكيَّةً حيَّةً في الواقع اليوميِّ.

وهذا يعني أنَّ على الأنظمة التَّربويَّة أن تستنفر طاقاتها لتشكيل وعيٍ عميقٍ بالتَّحدِّيات التَّنمويَّة، وأن تعمل في الوقت نفسه على تحويل هذا الوعي إلى ممارسةٍ فعليَّةٍ في حياة الأفراد والجماعات.  وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الوعي الوجوديَّ بالمصير؛ أي الوعي بأهمِّيَّة التَّنمية المستدامة بوصفها حضورًا في الحياة وفلسفةً في النَّظر إلى المستقبل.

وقد حقَّق المجال المعرفيُّ الذي يُعنى بالعلاقة بين التَّربية والتَّنمية تطوُّرًا كبيرًا في البلدان المتقدِّمة، وكذلك في كثيرٍ من البلدان الآخذة بأسباب التَّقدُّم والسَّائرة في طريق النُّموِّ.  وسجَّلت المناهج التَّربويَّة في ميدان التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة تقدُّمًا ملحوظًا، كما شهدت الدِّراسات والبحوث والأدبيَّات المتخصِّصة نموًّا كبيرًا في هذا الميدان.

ويُضاف إلى ذلك الاهتمام المتزايد للمجتمع الدَّوليِّ بتطوير العمل التَّربويِّ وتنمية منهجيَّاته في مجال التَّربية من أجل التَّنمية المستدامة.  كما تشهد مجتمعاتٌ كثيرةٌ نموًّا في أعداد الجمعيَّات والمؤسَّسات والمراكز العلميَّة والثَّقافيَّة النَّاشطة في مجال تنمية الوعي بالتَّنمية المستدامة وترسيخه في السُّلوك الإنسانيِّ.

ومن يتأمَّل التَّطوُّر الحاصل في بعض هذه البلدان يجد أنَّ الوعي البيئيَّ والتَّنمويَّ بلغ مستوياتٍ متقدِّمةً نسبيًّا، وأنَّ بعض أنماط السُّلوك الاجتماعيِّ أخذت تتشكَّل وفق منطقٍ أكثر مراعاةً للبيئة والاستدامة في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وليس غريبًا في هذا السِّياق أن نرى ما حقَّقه التَّعليم في مرحلة الطُّفولة المبكِّرة ورياض الأطفال من تطوُّرٍ تربويٍّ في مجال ترسيخ الوعي والسُّلوك البيئيِّ والتَّنمويِّ لدى الأطفال والنَّاشئة.

وعلى خلاف هذه الصُّورة المتقدِّمة في بعض المجتمعات، تبدو الصُّورة أقلَّ إشراقًا في عددٍ من مجتمعاتنا ومؤسَّساتنا التَّربويَّة العربيَّة، التي تعاني قصورًا منهجيًّا ومعرفيًّا في مجالاتٍ متعدِّدة. ويتجلَّى جانبٌ من هذا القصور في مجال التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، حيث ما يزال الحضور محدودًا بالمقارنة مع حجم التَّحدِّيات. ويرتبط ذلك بعوامل متنوِّعة تتَّصل بالتَّطوُّر السِّياسيِّ والاجتماعيِّ وبالبنية الثَّقافيَّة في مجتمعاتنا العربيَّة.

ويمكن القول بوجود ضعفٍ واضحٍ في ثقافة التَّربية من أجل التَّنمية في عددٍ من مؤسَّساتنا التَّربويَّة، وإذا حضرت هذه الثَّقافة فإنَّ حضورها يكون أحيانًا باهتًا ومنفصلًا عن سياقٍ فلسفيٍّ وحضاريٍّ متكامل، وقد يقتصر على معرفةٍ نظريَّةٍ تعتمد على الحفظ والاستظهار أكثر ممَّا تعتمد على الممارسة والفعل.  أمَّا في المستوى الأكاديميِّ، فلا تزال كلِّيَّات التَّربية في حاجةٍ أكيدةٍ إلى تطوير العمل العلميِّ في ميدان التَّربية من أجل التَّنمية والتَّنمية المستدامة.  وهي معنيَّةٌ اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى بتعزيز الفاعليَّة التَّربويَّة في هذا المجال تأليفًا ونشرًا وبحثًا وممارسةً وتوعيةً.

وقد حان الوقت لمعالجة أوجه النَّقص في مقرَّرات التَّنمية والتَّربية من أجل التَّنمية المستدامة، والعمل بجدٍّ على إعادة تشكيل العقل التَّربويِّ العربيِّ أكاديميًّا ومعرفيًّا، بما يمكِّنه من التَّجاوب مع قضايا التَّربية والتَّنمية انطلاقًا من فلسفةٍ إنسانيَّةٍ تتفاعل مع تحدِّيات المصير.

فنحن نعيش في عالمٍ يواجه تحدِّياتٍ خطيرةً تتَّصل بالتَّلوُّث والتَّغيُّر المناخيِّ والحروب والفقر والفاقة والاستنزاف المنظَّم للموارد الطَّبيعيَّة، وهي تحدِّياتٌ تجعل قضيَّة التَّنمية المستدامة واحدةً من أكثر قضايا العصر إلحاحًا.  ونأمل أن تشكِّل هذه التَّحدِّيات والهواجس المتعلِّقة بالمصير الإنسانيِّ بواعثَ فكريَّةً تحضُّ على العمل والدِّراسة والتَّفكير في هذا الميدان الخصب الذي يحتضن التَّفاعل العميق بين الإنسان والوجود.  وقد تكون هذه الهواجس حافزًا على الخوض في هذه المسألة بقدرٍ أكبر من الجدِّيَّة والمصداقيَّة والنُّزوع إلى البحث المعمَّق.

وعلينا، نحن المربِّين والباحثين وعلماء الاجتماع، أن نتناول هذه القضيَّة اليوم تناولًا منهجيًّا وفلسفيًّا يراعي الأبعاد الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة لقضايا التَّنمية والتَّربية، وأن نعمل على تقديم رؤيةٍ موضوعيَّةٍ ومتجدِّدةٍ للعلاقة بينهما، تأكيدًا للدَّور المحوريِّ الذي تستطيع التَّربية أن تؤدِّيه في بناء ثقافة التَّنمية المستدامة، وفي المحافظة على الإنسان والطَّبيعة والوجود.

***

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت كلية التربية

في المثقف اليوم