عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: مفهوم السببية بين التفسير العلمي والتأويل الفلسفي

في حدود المفهوم وتحولاته

قلّ أن يوجد في تاريخ الفكر مفهوم استطاع أن يجمع بين الحضور الكثيف في الممارسة العلمية والاضطراب العميق في التحليل الفلسفي مثلما فعل مفهوم السببية. فهو المفهوم الذي يستخدمه الفيزيائي حين يربط بين متغيرين في معادلة ويستخدمه الطبيب حين يعزو عرضا إلى علة ويستخدمه الإنسان العادي حين يفسر حادثة يومية بأخرى سبقتها، ومع ذلك يظل عند إخضاعه للفحص الفلسفي من أكثر المفاهيم مقاومة لأي تعريف جامع مانع. ذلك أن السؤال عن السببية ليس سؤالا عن واقعة بعينها بقدر ما هو سؤال عن الشرط الذي يجعل ربط الوقائع بعضها ببعض ممكنا من الأساس، كيف نعرف أن حدثا أنتج حدثا آخر لا أنهما تعاقبا فحسب؟ وما الذي يضيفه العقل إلى ما تقدمه الملاحظة حين يصف علاقة بأنها سببية؟

يكتسب هذا السؤال طابعه الحرج من كونه يقع على الحد الفاصل بين مجالين يبدوان للوهلة الأولى متمايزين تمام التمايز، مجال العلم الذي يفترض أنه يتعامل مع وقائع قابلة للملاحظة والقياس والتنبؤ ومجال الفلسفة الذي ينصرف إلى تحليل المفاهيم وشروط إمكانها. غير أن أدنى تأمل في الممارسة العلمية نفسها يكشف أن هذا التمايز أبعد ما يكون عن الصفاء الذي يوحي به. فالعالِم حين يصوغ قانونا يربط بين متغيرين لا يبرهن بذلك على وجود رابطة سببية بينهما بل يصف انتظاما رياضيا قد يكون تعبيرا عن سببية حقيقية، وقد يكون أثرا لعامل ثالث خفي وقد يكون مجرد ارتباط عرضي لا يحتمل أي تعميم يتجاوز حالات الرصد. ومن هذا الموضع بالتحديد تنبثق الحاجة إلى تأويل فلسفي لا يزاحم العلم في مجاله بل يسائل الأسس المفهومية التي يقوم عليها.

يسعى هذا المقال إلى مقاربة مفهوم السببية من هذه الزاوية المزدوجة عبر تتبع تحولاته الكبرى من التصور الأرسطي الذي وسع دلالته لتشمل أنماطا متعددة من التفسير مرورا بالقطيعة التي أحدثها ديفيد هيوم حين رد الضرورة السببية إلى أثر نفسي ناشئ عن تكرار الاقتران ثم بالتحول الكانطي الذي نقل السؤال من مستوى الوجود إلى مستوى الشروط القبلية للتجربة وصولا إلى الصياغات المعاصرة التي أعادت بناء المفهوم في ضوء الاحتمال والآلية والتدخل. والغاية من هذا المسار ليست حصر تعريف نهائي للسببية بل إبراز أن حدودها هي بالذات ما يمنحها خصوبتها الفلسفية وأن العلاقة بين العلم والفلسفة في هذا الموضوع علاقة تكامل نقدي لا علاقة تنازع على الحقيقة.

ولم يكن أرسطو أول من تحدث عن السبب لكنه كان أول من صاغ نظرية منهجية في أنماط التفسير حين ميّز بين السبب المادي الذي منه يتكون الشيء والسبب الصوري الذي يحدد ماهيته والسبب الفاعل الذي يحدثه والسبب الغائي الذي من أجله يوجد. وبهذا التوسيع لم تكن السببية عنده مجرد إشارة إلى العامل الذي يُحدث الظاهرة بقدر ما كانت طلبا لفهم الشيء في مجموع أبعاده، أي بحثا عن قابليته للإدراك العقلي لا مجرد رصد لتتابعه الزمني مع غيره. وقد ظل هذا التصور مهيمنا قرونا طويلة لأنه وفّر نموذجا تفسيريا شموليا يجمع بين البعد الوجودي والبعد المعرفي في آن واحد.

غير أن صعود المنهج التجريبي والرياضي في العصر الحديث أعاد تشكيل هذه الصورة من جذورها، فبدل البحث عن الغايات النهائية للأشياء، اتجه العلم إلى الكشف عن العلاقات الثابتة القابلة للصياغة الرياضية بحيث أصبحت معرفة الشروط المنتجة لظاهرة ما مرادفة للقدرة على التنبؤ بها أو إعادة إنتاجها. وقد بدا هذا الإنجاز من حيث فاعليته العملية متفوقا بلا منازع على التصورات الغائية القديمة. إلا أن هذا التفوق لم يحسم إشكالا فلسفيا ظل كامنا في صميم المشروع العلمي، هل القانون الذي يربط بين الظواهر يفسرها فعلا أم أنه يكتفي بوصف انتظام نلاحظه دون أن يبرر نسبة إحدى الظاهرتين إلى الأخرى بوصفها سببا؟ فحين تصاغ العلاقة بين متغيرين في معادلة رياضية متماثلة الاتجاه لا يوجد داخل المعادلة نفسها ما يميز أيّهما السبب وأيّهما النتيجة؛ وهذا وحده كاف لإظهار أن التفسير العلمي مهما بلغت دقته الرياضية، يحتاج إلى تأويل فلسفي يمنح العلاقة معناها السببي.

بلغ هذا الإشكال ذروته في فلسفة ديفيد هيوم الذي وجّه إلى فكرة الضرورة السببية أعنف نقد عرفه تاريخ الفلسفة الحديثة. فحين نلاحظ حادثتين متعاقبتين كاصطدام كرتين مثلا فإننا لا ندرك حسّيا أي قوة تربط بينهما وتجعل الأولى منتجة للثانية؛ كل ما تقدمه لنا الحواس هو تعاقب زمني متكرر. أما فكرة "الإنتاج" أو "الإلزام" التي نضيفها إلى هذا التعاقب فمصدرها بحسب هيوم ليس التجربة الخارجية بل عادة ذهنية تنشأ من تكرار الاقتران بحيث يصير الذهن مهيأ لتوقع الحادثة الثانية كلما شهد الأولى. بهذا التحليل، ويفقد مفهوم السببية طابعه الموضوعي القائم في الأشياء ليصبح بناء ذاتيا تفرضه بنية العقل على تجربته.

وتكمن قوة موقف هيوم في أنه يفصل بدقة بين ما تمنحه الملاحظة فعلا وما يضيفه الذهن إلى معطياتها؛ فالتجربة تكشف الاقتران المتكرر لكنها لا تكشف القوة التي يفترض أنها تربط بين حدّي الاقتران. غير أن هذا التحليل على عمقه يواجه صعوبة جوهرية حين يوضع في مواجهة الممارسة العلمية الفعلية؛ ذلك أن العلم لا يكتفي برصد التتابعات بل يفترض إمكان التدخل في الظواهر وتغيير شروطها لاختبار أثر هذا التغيير وهو ما يفترض ضمنا وجود رابطة تتجاوز مجرد الاقتران المتكرر. فحين يُدخل الباحث تعديلا على متغير في تجربة مضبوطة ويلاحظ أثره في متغير آخر، فإنه لا يكتفي بتسجيل تعاقب بل يستدل على تأثير فعلي بحيث يبدو اختزال السببية في العادة الذهنية قاصرا عن استيعاب هذا البعد التدخلي من الممارسة العلمية.

في مواجهة هذا المأزق، قدّم إيمانويل كانط مخرجا مغايرا حين رفض ردّ السببية إلى مجرد عادة نفسية ومنحها في المقابل مكانة الشرط القبلي الذي بدونه لا تكون التجربة نفسها ممكنة. فليست السببية بحسب هذا التصور صفة نكتشفها في الأشياء بعد ملاحظتها بل هي أحد المقولات التي يفرضها الفهم على المعطى الحسي كي يتحول إلى تجربة منظمة قابلة للفهم؛ فبدون افتراض أن كل حادثة تخضع لقانون يربطها بما سبقها يستحيل على الذهن أن يميز بين تعاقب موضوعي للظواهر وبين مجرد تتابع ذاتي في تدفق الإدراكات. بهذا الانتقال لم يعد السؤال هل السببية قائمة في الأشياء أم لا؟ بل أصبح ما الشروط التي تجعل تجربة منظمة وبالتالي معرفة علمية ممكنة من حيث المبدأ؟

ولا يعني هذا التحول أن كانط حسم النزاع لصالح موقف واحد بعينه بل يعني أنه أعاد صياغة السؤال ذاته على مستوى أعمق، فسواء اعتُبرت السببية بنية موضوعية في العالم أو شرطا ذاتيا يفرضه العقل، فإن وظيفتها التأسيسية في بناء معرفة قابلة للانتظام تبقى واحدة. وهذا ما يفسر لماذا ظل النقاش حول طبيعة السببية حيا حتى بعد هيوم وكانط إذ لم يقدم أي منهما حلا نهائيا يُغلق الباب أمام مزيد من البحث وإنما قدّم كل منهما إطارا مفهوميا جديدا أعاد توزيع الإشكال دون أن يمحوه.

يفرض التحول من التأمل الفلسفي المجرد إلى الممارسة العلمية الفعلية سؤالا منهجيا لا يقل حدة، وهو هل يكفي وجود ارتباط إحصائي منتظم بين متغيرين للقول بوجود علاقة سببية بينهما؟ تُظهر تجربة العلوم المعاصرة لا سيما تلك التي تعتمد على النمذجة الإحصائية أن الجواب سلبي بصورة قاطعة؛ فقد ينشأ الارتباط عن وجود عامل ثالث يؤثر في المتغيرين معا دون أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر كما قد ينشأ عن بنية خفية لا تظهر في مستوى الملاحظة المباشرة. ومن هنا صار التمييز بين الارتباط والسببية شرطا منهجيا أساسيا لا مجرد تدقيق نظري هامشي لأن الخلط بينهما يفضي إلى استنتاجات قد تبدو مدعومة إحصائيا بينما هي من حيث بنيتها التفسيرية بلا أساس.

يترتب على هذا التمييز أن التفسير العلمي لا يتخذ صورة واحدة عبر مختلف الحقول المعرفية، ففي بعض العلوم يقوم التفسير على إخضاع الظاهرة لقانون عام وفي علوم أخرى يتخذ شكل الكشف عن الآلية التي تولد الظاهرة خطوة بخطوة بينما تكتفي مجالات معاصرة بنماذج احتمالية تقدر أثر عامل معين دون أن تدعي حسم السؤال عن آلية هذا الأثر. وفي جميع هذه الصور يبقى مفهوم السببية حاضرا لكنه لا يختزل في أي منها بمفرده؛ فقد يحقق نموذج ما دقة تنبؤية عالية دون أن يمنحنا فهما كافيا للآلية الكامنة وراءه تماما كما قد تُقترح آلية تفسيرية تحتاج إلى اختبار مستقل قبل أن يُعترف لها بصفة التفسير السببي المكتمل الشروط.

ويزداد هذا التعقيد وضوحا حين ننتقل من نموذج السببية الحتمية القائم على أن الحالة السابقة تحدد اللاحقة تحديدا صارما إلى نموذج السببية الاحتمالية الذي فرضته اكتشافات فيزيائية وإحصائية معاصرة. فالقول إن عاملا معينا يرفع احتمال وقوع نتيجة ما يختلف اختلافا جوهريا عن القول إنه ينتجها حتما، لكنه مع ذلك لا يخلو من قيمة تفسيرية وتنبؤية معتبرة. وإدخال الاحتمال في صميم التحليل السببي لا يعني التخلي عن فكرة السببية ذاتها بل يستدعي إعادة تحديد معناها بحيث تنتقل من صورة الضرورة المطلقة إلى صورة العلاقة المنظمة داخل حقل من الإمكانات المتفاوتة الاحتمال.

ويفتح هذا الانتقال بابا فلسفيا دقيقا، هل الاحتمال سمة كامنة في بنية الواقع نفسه بحيث تكون بعض الظواهر لا حتمية بطبيعتها، أم أنه انعكاس لنقص في معلوماتنا عن الشروط الكاملة المحيطة بالظاهرة أم هو أداة منهجية تفرضها طبيعة الأنظمة المعقدة التي يتعذر رصد جميع متغيراتها؟ لا يملك أي من هذه الأجوبة حسما نهائيا بالاستناد إلى المعطيات المتاحة وحدها وهو ما يبقي هذا السؤال مفتوحا في صميم فلسفة العلم المعاصرة ويؤكد أن التقدم العلمي لا يغلق الأسئلة الفلسفية بقدر ما يعيد صياغتها على مستوى أدق.

وقد شهدت فلسفة العلم في العقود الأخيرة تحولا لافتا تمثّل في الانتقال التدريجي من البحث عن "القانون السببي" العام إلى البحث عن الآليات التي تجعل حدوث الظاهرة ممكنا في التفاصيل، فمعرفة أن متغيرا يرتبط إحصائيا بنتيجة معينة لا توضح بالضرورة كيف تنتقل التأثيرات من أحدهما إلى الآخر بينما يتيح الكشف عن الآلية فهما أعمق للكيفية التي تتولد بها الظاهرة خطوة بخطوة. وقد أصبح مفهوم الآلية بهذا المعنى ركيزة مركزية في التفسير العلمي المعاصر لأنه يحوّل السؤال من "هل يوجد ارتباط؟" إلى "كيف يتحقق هذا الارتباط فعليا؟".

بيد أن هذا المفهوم نفسه لا يخلو من إشكال فلسفي، ذلك أن الآلية التي يكشفها العلم ليست دائما شيئا قائما أمام الملاحظة المباشرة بل هي غالبا بناء نظري يستند إلى حزمة من الأدلة والتجارب والنماذج المتضافرة. ومن ثم فإن القول بوجود آلية سببية معينة يظل مرهونا بمدى نجاح النموذج المفترض في تفسير مجموعة متنوعة من الظواهر وقدرته على الصمود أمام اختبارات مستقلة لا بكونه حقيقة جاهزة تُستخرج من الواقع دون وساطة مفهومية. فالعلم إذن لا يلتقط السببية كما تلتقط العين جسما محسوسا بل يعيد بناءها عبر التجربة والقياس والمقارنة والتدخل المتكرر.

يستدعي هذا التحليل تمييزا آخر لا يقل أهمية هو التمييز بين قدرة نموذج ما على التنبؤ وقدرته على تقديم تفسير سببي مكتمل. فقد ينجح نموذج إحصائي في التنبؤ بسلوك ظاهرة معينة بدقة عالية لمجرد أنه يلتقط انتظاما مستقرا إحصائيا دون أن يكشف الآلية الفعلية المسؤولة عن هذا الانتظام. والتنبؤ من هذه الزاوية يتعلق بإمكان تحديد النتائج المرتقبة في ضوء معطيات معينة، في حين يتصل التفسير بالسؤال عن البنية التي تجعل هذه النتائج مفهومة في ذاتها. وعليه لا ينبغي جعل النجاح التنبؤي معيارا وحيدا للحكم على القيمة التفسيرية لنموذج سببي كما لا يصح في المقابل التهوين من شأن التنبؤ لأنه يظل أحد أهم الاختبارات العملية لصلاحية النماذج العلمية ومصداقيتها.

وحين ننتقل إلى الأنظمة المعقدة حيث يتعذر غالبا عزل عامل واحد واعتباره سببا مستقلا للظاهرة. فالنتيجة في مثل هذه الأنظمة تكون عادة حصيلة تفاعل عدد كبير من العوامل التي لا تعمل منعزلة بعضها عن بعض، بل تتبادل التأثير ضمن شبكة من العلاقات المتشابكة والتغذية الراجعة. وفي هذه الحالة تكف السببية عن أن تكون علاقة خطية بسيطة تصل بين سبب واحد ونتيجة واحدة لتصبح بنية متعددة المستويات تتداخل فيها الشروط والقيود بصورة يصعب معها الحديث عن سبب أوحد بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. ويفرض هذا الوضع على التحليل الفلسفي إعادة النظر في النموذج التقليدي الذي يتصور السببية باعتبارها سهما أحادي الاتجاه ينطلق من نقطة أولى نحو نتيجة نهائية ذلك أن بعض الظواهر لا يمكن فهمها إلا داخل شبكة سببية تتغير فيها الأدوار بحسب مستوى التحليل والسياق المدروس.

يرتبط بهذا الوضع مبدأ لا يقل أهمية هو مبدأ شرطية السببية، فالسبب لا يمارس تأثيره في فراغ وإنما ضمن مجموعة من الشروط المصاحبة التي تسمح للنتيجة بأن تتحقق فعلا. وقد تكون العلاقة السببية صحيحة تماما داخل مجال معين بينما تفقد صلاحيتها إذا نُقلت خارج ذلك المجال دون مراعاة الفروق في الشروط المحيطة. فالتجربة العلمية الجادة لا تكتفي برصد ما يحدث، بل تحرص أيضا على تحديد الشروط الدقيقة التي يحدث فيها وهذا وحده كفيل بأن يجعل التفسير العلمي أكثر صرامة من الأحكام العامة المتسرعة التي تنسب النتائج إلى أسبابها دون تحديد سياقها. وكلما ازداد تعقيد الظاهرة المدروسة ازدادت الحاجة إلى تحديد النطاق الذي تكون فيه الدعوى السببية مشروعة ومحتملة الصدق.

في مواجهة هذا التعدد الذي يميز الممارسة العلمية يتضح الدور الذي تضطلع به الفلسفة إزاء مفهوم السببية، إنها لا تأتي لتقترح سببا بديلا عن الأسباب التي يكشفها العلم بل تتولى فحص البنية المفهومية التي تنتظم بها لغة السبب والنتيجة ذاتها. فهي التي تسأل عن معنى الضرورة التي يفترضها كل حديث عن السببية وعن الفرق الدقيق بين مجرد الاقتران وبين التأثير الفعلي وعن طبيعة القانون العلمي وشروط الانتقال من الملاحظة إلى التفسير وعن الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها التعميم انطلاقا من حالات محدودة. وتعمل الفلسفة على منع المفاهيم العلمية من التحجر في هيئة مسلمات ميتافيزيقية لا تُفحص وهي وظيفة نقدية لا تنافس فيها العلم بقدر ما تراقب شروط اشتغاله المفهومي.

في المقابل يقتضي هذا الدور النقدي من الفلسفة أن تحترم استقلالية المعرفة العلمية وحدودها الإجرائية، ذلك أن التأمل المجرد لا يمكن أن يحل محل التجربة حين يتعلق السؤال بواقعة تجريبية قابلة للاختبار المباشر. والعلاقة الصحيحة بين المجالين بناء على ذلك لا تقوم على إخضاع أحدهما للآخر بل على تمييز دقيق بين مجال السؤال ومجال البرهنة، فحين يسأل العلم عن العامل الذي يُحدث ظاهرة في شروط محددة فإنه يشتغل بأدوات التجربة والقياس والنمذجة؛ أما حين يسأل التفكير الفلسفي عن معنى عبارة "يؤدي إلى" وعن طبيعة الضرورة التي تتضمنها فإنه ينتقل إلى مستوى مختلف من التحليل دون أن يعني اختلاف المستوى تفاضلا في درجة الحقيقة بين الجوابين.

يقود هذا المسار التحليلي إلى استنتاج مؤداه أن الموقف الأكثر اتساقا مع تعقيد الظاهرة السببية هو النظر إليها بوصفها مفهوما متعدد الأبعاد لا يُستنفد في تعريف واحد جامع. ففي حقل الممارسة العلمية تعمل السببية بوصفها أداة لتحديد العلاقات المؤثرة وبناء التفسيرات واختبار التدخلات؛ وفي حقل فلسفة العلم تصبح موضوعا لتحليل شروط هذه الممارسة وحدود صلاحيتها؛ وفي حقل الميتافيزيقا تبقى سؤالا مفتوحا عن طبيعة الضرورة والعلاقة القائمة بين الأحداث؛ وفي حقل المنهج تتحول إلى مسألة تتعلق بكيفية الانتقال المشروع من المعطيات الملاحظة إلى الأحكام المعممة. ولا يستدعي هذا التعدد الانزلاق نحو نسبية مفهومية تسوي بين جميع الاستعمالات إذ يظل من الضروري تحديد المجال الذي يُستخدم فيه المفهوم والمعيار الذي يُقاس به نجاح استخدامه في كل حالة. ولا تُفهم حدود السببية باعتبارها عجزا في المفهوم عن أداء وظيفته بقدر ما أمكننا أن  نعتبرها شروطا تضبط مجال مشروعيته. فكل دعوى سببية ينبغي أن تكون متناسبة مع الأدلة التي يوفرها المجال المدروس ومع النموذج النظري المعتمد ومع نوع التدخل الممكن فعليا ومع الافتراضات الضمنية التي يقوم عليها التفسير المقترح؛ وكلما اتسعت الدعوى عن حدود الأدلة المتاحة تحول المفهوم من أداة معرفية صارمة إلى تعميم غير مبرر يفتقر إلى السند التجريبي. وعليه فإن نقد السببية لا يرادف التخلي عنها بل يعني تحرير استعمالها من التسرع ومن الادعاءات التي تتجاوز ما تسمح به حدود البرهان.

ويفضي الحديث في مفهوم السببية عند حدود التفسير العلمي والتأويل الفلسفي إلى نتيجة أساسية مفادها أن هذا المفهوم يستعصي على أي اختزال في صيغة واحدة تستوعب جميع أشكال استعماله. فقد مر تاريخ الفكر بتحولات عميقة نقل خلالها السؤال عن السببية من البحث عن المبادئ والغايات النهائية إلى التركيز على القوانين والانتظامات القابلة للقياس ثم إلى نماذج أكثر دقة تُعنى بالآليات والاحتمالات وشروط التدخل والسياق. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تبدل في المصطلحات المتداولة بقدر ما كان تعبيرا عن تحول أعمق في تصور الإنسان لعلاقته بالطبيعة وبحدود عقله ذاته.

وقد أظهر التفسير العلمي أن السببية تؤدي وظيفة لا غنى عنها في تنظيم البحث عن الظواهر لأنها تمكّن من تجاوز الوصف السطحي نحو بناء نماذج تحدد الشروط التي تجعل الأحداث قابلة للفهم والتنبؤ والتدخل الفعلي فيها. غير أن هذا النجاح العملي لا يمنح السببية بمجرده معنى ميتافيزيقيا نهائيا، ذلك أن كل نموذج علمي يظل مقيدا بأدواته وشروطه ومستوى التحليل الذي يعمل داخله وينتقل من نجاح التفسير إلى دعوى امتلاك حقيقة السببية في ذاتها انتقال يحتاج إلى مبررات إضافية لا توفرها التجربة وحدها. وأظهر التأويل الفلسفي أن السببية تحمل في صميمها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد تكثيف التجارب أو تراكم البيانات؛ فالسؤال عن معنى الضرورة وعن الحد الفاصل بين الاقتران والتأثير وعن طبيعة القوانين العلمية وعن العلاقة بين النموذج والواقع، يظل سؤالا فلسفيا بامتياز حتى حين يستثمر نتائج العلوم التجريبية. وبهذا تتحدد وظيفة الفلسفة بوصفها نقدا مستمرا للمفاهيم التي تستند إليها المعرفة لا بوصفها بديلا منافسا للعلم في ميدانه الخاص؛ فالفلسفة تحول دون انغلاق التفسير العلمي على مسلماته المفهومية غير المفحوصة كما يحول العلم دون انفصال التأمل الفلسفي عن بنية الواقع التجريبي.

وتكمن القيمة المعرفية العميقة لمفهوم السببية في كونه يرسم حدودا دقيقة بين ما يمكن معرفته فعلا وما يمكن استنتاجه بحذر منهجي وما ينبغي أن يبقى في دائرة الفرضية القابلة للمراجعة. والاعتراف بهذه الحدود لا ينتقص من قوة العلم بل يزيدها صرامة لأن المعرفة تصبح أشد رسوخا حين تميز بدقة بين ما تثبته الأدلة وما تسمح به النماذج المقترحة وما تقترحه التأويلات الفلسفية المصاحبة لها. وعلى هذا الأساس ينبغي أن تُفهم السببية باعتبارها مفهوما ديناميا يتحدد معناه داخل علاقة متبادلة بين النظرية والتجربة وبين النموذج والظاهرة وبين السؤال العلمي والتحليل الفلسفي؛ فهي ليست رابطة ميكانيكية جامدة بين حدثين ولا مجرد عادة ذهنية عابرة ولا حقيقة ميتافيزيقية نهائية يمكن ضبطها بصورة قاطعة، وإنما بنية تفسيرية متجددة تأخذ صورا متعددة بحسب طبيعة الظاهرة والمنهج ومستوى التحليل الذي يُجرى فيه البحث.

والعلاقة بين التفسير العلمي والتأويل الفلسفي في موضوع السببية ليست علاقة تنازع على امتلاك الحقيقة بل علاقة تكامل في السؤال واختلاف في الوظيفة، حيث يبحث العلم في كيفية انتظام الظواهر وفي الشروط القابلة للاختبار التجريبي، بينما تبحث الفلسفة في المفاهيم التي تمنح هذا الانتظام معناه وفي الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها الادعاء المعرفي. وحين يحترم كل مجال مقتضياته المنهجية الخاصة تغدو السببية ميدانا خصبا للحوار بين العلم والفلسفة لأنها تكشف أن تقدم المعرفة لا يقوم فقط على اكتشاف وقائع جديدة بل يقوم أيضا وبالقدر ذاته من الأهمية على إعادة فحص المفاهيم التي نستخدمها لفهم تلك الوقائع.

***

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم