المكانة هي موقع الإنسان في المجتمع، والكلمة مشتقة من الأصل اللاتيني Statum، وتشير الكلمة بالمعنى الضيق الى موقع الإنسان قانونياً ومهنياً في المجتمع، ولكنها تُشير بالمعنى الأشمل الى قيمة المرء وأهميته في أعين الناس، وللمكانة العالية نتائج مُستحبة أهمها إحساس الإنسان بأنه موضع إهتمام وتقدير، ويُشير "آلان دو بوتون" في كتابه "قلق السعي الى المكانة"، الى أن الكثيرون يعتبرون المكانة العالية هي من بين أثمن المُتع الدنيوية، وإن إمتلاك المكانة العالية يولد الفخر والرضا، وفقدانها يولد الشعور بالإحباط والمهانة، وقليلون هم من يعترفون بذلك صراحةً، فالإنسان في سعي دائم الى المكانة والتقدير، وإن ذلك يسبب له قلق يسميه آلان دو بوتون "قلق السعي الى المكانة".
القلق في حد ذاته ليس مرضاً، بل هو حالة وجودية تميز الإنسان عن سائر الموجودات، لأنه ينشأ من وعي الإنسان العميق، وقدرته على الإختيار، ويرى الفيلسوف "سورين كيركجارد" بأن القلق ليس عيباً في النفس البشرية، بل هو ميزة فيها، ينشأ من وعي الإنسان بحريته وقدرته على الإختيار، وبالتالي فالقلق في نظر "كيركجارد" ليس معاناة أو أزمة، بل هو ضرورة وجودبة وإبداعية، وهو المُحفز الذي يدفع بالإنسان الى البحث عن المعنى الحقيقي للحياة، ففي عالم مليء بالفرص والإمكانات والإحتمالات المفتوحة يجد الإنسان نفسه في مواجهة خيارات لانهائية، وحين يُدرك ذلك يُعاني من ما أسماه كيركجارد "دوار الحرية" هذا الدوار أو القلق ليس مرضاً بل هو مايميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى، ويمنحه فرصة السعي لتحقيق ذاته، والوصول الى المكانة التي يريدها.
أما "قلق المكانة" هو قلق خبيث، قادر على إِفساد مساحات شاسعة من حياتنا لانه يجعل السعي الى المكانة محورها، فأصبح الإنسان المعاصر رهيناً وأسيراً لقلق السعي الى المكانة، مُتناسياً ذاته الحقيقية خشية الفشل في مجاراة معايير النجاح التي وضعها المجتمع المعاصر.
قلق المكانة له قدرة إستثنائية على توليد الأسف والحسرة، لأنه يضع النفس في مقارنة مستمرة مع الآخرين، وفي الوقت ذاته له مميزات منها انه يدفعنا الى الإستمرار في السعي والرغبة في الإنجاز والتفوق، ولكن رغم ذلك فإن الإفراط في قلق المكانة له عواقب وخيمة أبرزها الإحباط والشعور بالحزن والعار وإنعدام القيمة، وذلك لأن الصورة الذاتية لدى من يعاني من قلق المكانة تعتمد بشكل كبير على صورته الخارجية ورأي الناس فيه، وإن أنجح السُبل لمعالجة قلق السعي الى المكانة هو محاولة إستيعاب هذا القلق والتحدث عنه وعدم إخفاءه أو كبته، وضرورة تقبل الإنسان لذاته الحقيقية و وضع أهداف واقعية قابلة للتحقيق وإستناداً الى قدراته الحقيقية، لأن هنالك فرق كبير بين ما نتمنى أن نكونه، وما نستطيع أن نكونه، وما نتمنى أن نحققه في حياتنا، وما نستطيع أن نحققه فعلياً على أرض الواقع.
إن الدافع وراء رغبتنا كبشر في الإرتقاء على درجات السلم الإجتماعي قد لا يكون بالضرورة مُرتبطاً بما نراكمه من سلعٍ مادية، أو ما نحوزه من مكانة وسلطة، بقدر ماهو مرتبط بمقدار الحب الذي نتطلع لأن نتلقاه نتيجة للمكانة العالية.
وبوسعنا القول أن علاج مشكلة القلق حيال المكانة يبدأ من الإقرار بأننا لا نعرف أنفسنا بشكل كافٍ، ولا نعرف ما يشعرنا (نحن) بالطمأنينة والسعادة وليس الآخرين، فقد لا يكون السعي الى المكانة لذاتها بل لما يترتب عليها من محبة وتقدير في نظر الناس، وبالتالي فنحن قد نريد شيئاً ما فقط لان الجميع يريده، ولعل الدواء الناجح لقلقنا بشأن مكانتنا هو أن ندرك حقيقتنا من نحن؟ مالذي نريده فعلاً؟ وهل مانريده هو من أجل أنفسنا؟ أم من أجل أن نلائم معايير النجاح في مجتمعنا؟ والسؤال الأهم الذي يقينا من الوقوع في غياهب القلق الخبيثة هو ان نسأل أنفسنا لماذا نخاف؟ لماذا نقلق على المكانة؟ ولماذا نعيش بعيون الآخرين؟ ولماذا نقيس مكانتنا بمقاييسهم؟ ولماذا نضحي بما يسعدنا نحن في سبيل إرضاء الآخرين؟ وما الذي يُشعِر ذاتنا الحقيقية بالرضا والطمأنينة بعيداً عن معايير المجتمع؟ إن مواجهة النفس هي اولى خطوات التعافي، والعودة الى الذات هي أولى درجات الشفاء.
***
شيماء هماوندي








