عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

محمد خليفة: السوفسطائيون.. خارج عباءة أفلاطون

يا أعدَلَ الناسِ إلا في معاملتي

فيكَ الخِصامُ وأنت الخِصْمُ والحَكَمُ

بهذا البيْتِ لَخَّصَ المتنبي ألَمًا يُخامِرُ نفسَ الإنسانِ، حين يكون مصيرُه بين يدي خِصْمه يُسطِّرُه حيث شاء.

لقد ارتبَطَتْ كلمةُ «سُفسطائي» في أذهانِ جمهرةٍ غفيرةٍ من المثقفين وغيرهم، بكل ما هو قبيح؛ فيكفي أن تُذْكَرَ كلمةُ «سفسطائي» ومشتقاتها، حتى يُترجِم ذِهْنُ مَن أمامك هذه الكلمةَ بالمغالطات، والسفه، والجدل العقيم، والتلاعب بالكلمات، وخداع الناس...إلخ من الأوصاف الكفيلةِ بتنفير السامعِ من هذه الطائفة وهذا المسمى.

فمِن أين أتت هذه الصورةُ التي تُشَيْطِن السوفسطائيين؟

إن لفظة «سوفسطائي» في أصلها كانت تعني: كل مَن يمتلك مهارةَ إتقانِ فنٍّ ما من الفنون والمعارف، أي أن دلالة الكلمةِ في بدايتها كانت تشيرُ إلى التميُّزِ والإتقان والدقة، سواء في المجالاتِ النظريةِ أو العملية(١).

ثم حدَثَ تطورٌ في معنى كلمة «سوفسطائي»؛ فأصبحَتْ تدل على «المُعلِّم»، الذي يُعلِّم الناسَ فنونَ الجدلِ والإقناع وإدارة الشأن العام، أي هنا حدثَ انحصارٌ لمصطلح «سوفسطائي»، وبدلًا من اتساعه ليشمَلَ الإتقانَ والتميُّزَ في كل فن من الفنون، كما كان في بدايته؛ أصبحتْ دلالته تنصرفُ وتختص فقط بـ «المُعلِّم»، وهذا يدل على قيمةِ التجديد الذي قام به المعلمون في هذه الحقبة، إلى درجة استحقاقهم وحدهم للفظة «سوفسطائي»(٢)، وحتى مع هذا التطورِ الدلالي لمصطلح «سوفسطائي»، إلا أننا نلاحظُ أنه ما زال يَنحصرُ في معنى إيجابي رفيع، بل كان مصطلح «سوفسطائي» يُقصَدُ به -أيضًا- «مُعلِّمو الحِكمة»، وكان الناسُ يفهمون من هذا اللفظ -سوفسطائي- ما نفهمه نحن من لفظ «أستاذ جامعي»، ولم يكن له معنى مُحِط بالكرامة حتى قام النزاعُ بين الدينِ والفلسفة، فأدَّى إلى هجومِ المحافظين على السوفسطائيين(٣).

ملابسات ظهور السوفسطائيين

قبْل ظهور السوفسطائيين، كان هناك توجُّهٌ للتقليل مِن الحواسِّ وقدرتها على إنتاج المعرفة، انتصارًا للجانب النظري والأنطولوجي، ولكن مع ظهور السوفسطائيين، بدأ الإعلاءُ من قيمة «الشك» كمنهج، وكذلك الإعلاء من دورِ الحواسِّ وأهميتها، والاهتمام بالمسألة الإنسانية بشكل أكبر من القضايا الأنطولوجية والنظرية(٤) التي تتسمُ في بعض الأحيان بالطابع التجريدي في نظر كثيرين، فكان بروتاغوراس -أشهر السوفسطائيين- يرى أن الحواس مُقدَّمة على أي شيء في مجال المعرفة، وهذا الرأي هو ما قال به جون لوك(٥) بعد مئات السنين في عصرِ النهضةِ الأوروبيةِ والثورةِ على القرون المظلمة.

ولقد أحدثَ السوفسطائيون، وعلى رأسهم بروتاغوراس، هزَّةً عنيفةً في المجتمع آنذاك، عندما قالوا بأن الحقيقة المُطلَقة لا وجود لها، وأن كلَّ المعارفِ نسبية، وأنه قد تكون الأقوالُ المتناقضةُ حقائقَ متساوية القيمة في اعتقادِ أشخاصٍ مختلفين، أو في أزمنةٍ مختلفة، وأن الحقيقة كلها والخير والجمال أمور نسبية وشخصية(٦). ولعل الواقع يؤكد صحةَ كلام السوفسطائيين فيما يتعلق بأمر النسبية، فنحن نرى بالفعل أن قيمةً ما في المجتمع الغربي تُعَد مباحةً وغير مُستنكرَة، بينما نجدها في مجتمعاتنا الشرقية قبيحةً ومُسترذَلة، وهذا هو جوهر النسبية: اختلفَت الثقافات، واختلفَ الأشخاصُ؛ فاختَلَفَتْ بالتبعية طبيعة النظرة إلى الأمور والحُكم عليها.

وقد نستنتج جزءًا مِن حالة السخطِ على السوفسطائيين، من خلال معرفتنا بأن مبادئهم هذه قد لاقت مجتمعًا منغلقًا من الناحية الدينية، وعندما طبَّقَ بروتاغوراس هذا المبدأ على الدين، كان من البَدَهي أن يلقى ثورةً عارمةً تقفُ في وجهه وفي وجْهِ جماعةِ السوفسطائيين كلهم، وكانت نتيجة ذلك أن تم نَفْي أشهر السوفسطائيين: بروتاغوراس، وإصدار الأوامرِ إلى الأثينيين بتسليم أيَّة كتابات له عندهم، وتم إحراقُ كتبه في السوق العامة(٧).

ولنا هنا وَقْفةٌ: لو كان السوفسطائيون مجرَّد أناس يتسمون بالتفكير السطحي والتلاعب، وأن هناك مَن هو أقوى منهم حُجَّةً وعِلْمًا، فلِمَ كل هذا الخوف مِن أفكارِهم، إلى درجة اتخاذ مثل الإجراءات السابقةِ ضدهم؟ ولو وُجِد مَن هو أعمق منهم فكرًا، فلِمَ لمْ يتم التصدي لأفكارهم بالفكرِ والمواجهةِ بدلًا من المطاردة وإحراق الكتب وتعمد التشويه؟

لقد كان من خصالهم المشهود لهم بها: أنهم هم الذين اخترعوا لأوروبا النحو والمنطق، وهم الذين ارتقوا بفن الجدل، وعلموا الناسَ كيف يكشفون المغالطاتِ المنطقيةَ، وهم الذين استخدموا المنطق في اللغة؛ فزادوا الأفكارَ وضوحًا، ويَسَّروا انتقالَ المعرفةِ انتقالًا صحيحًا دقيقًا، وبالإضافة إلى مَلَكاتهم العلميةِ هذه، وأثرهم في الحضارةِ اليونانية والغربية، فقد كانوا أيضًا -على المستوى الشخصي- من ذوي الأخلاق الطيبة، والعاداتِ المحتشمة المهذبة(٨).

وهذا يدفع عنهم التهمة التي تقول بأنهم كانوا سببًا في الانحلال الذي شهدته هذه الحقبة، فقال خصومُهم إن مبدأ «النسبية» الذي نادوا به، شجَّعَ الناسَ والشبابَ على الخروج عن تقاليد المجتمع، ورأى كل شخص -من المقتنعين بأفكارهم- في نفسه معيارًا للحكم على الأشياء، وأن له الحرية في الخروج عن تقاليد مجتمعه، هذا ما أراد بعضهم تحميله للسفسطائيين، بينما الانحلال الذي حدث في هذه الحقبة له أسباب أخرى غير مبادئ السوفسطائيين، ومن هذه الأسباب والعوامل: حالة الثراء التي انتشرتْ عند كثيرين في هذا الوقت، والثراء، في بعض الأحيان يكون عاملًا في القضاء على التزمُّت والفكر التقليدي(٩).

ولا أرى أن تأثرَ كثير من الناس بالسوفسطائيين، وأن يروا في أنفسهم أن لهم الحرية، أقول: لا أرى أن هذا الأمر تهمةٌ للسوفسطائيين من الأساس، فالإنسان بالفعل له حريةُ تقرير مصيره، طالما لم يَتَعد على حقوقِ الآخرين، وحتى إن وُجِدَ بعضُ مَن اتخذ من مبادئ السوفسطائيين مدخلًا للانحلال، فهذا ليس ذنب السوفسطائيين؛ فمُختَرِع السكين ليس له عَلاقة بمَن أساء استخدامها في الجرائم، ولنا في أوروبا الحديثة والمعاصرة خيرُ دليلٍ على ذلك، فقد شاعَ فيها مبدأ النسبية، بل توغل هذا المبدأ واستفحل أكثر في فلسفة ما بعد الحداثة، ومع هذا، لا نجِد الانحلالَ في القانون العام للبلاد، نعم على المستوى الفردي أصبح هناك من الحرية ما قد يُعَد في ثقافاتٍ أخرى من قبيل الانحلال، ولكني أتكلمُ عن الشكل العام للنظام، لم نجد خروجًا وفوضى في بلادهم ثم نسبوا ذلك إلى مبادئ النسبية وفلسفة الشك.

بل أقولُ إن منهجَ الشكِّ والنسبيةِ هذا هو الذي حرر أوروبا من العصور المظلمة، وكان الدافعَ لها نحو عصر الحضارة والتقدم والاكتشافات العلمية المذهلة، وحتى -جدلًا- إن افترضنا أن مبدأ النسبية له دور في التحرر والانحلال، فماذا عن الشعوبِ والبلادِ التي لا تقتنعُ بمبدأ النسبية، ولا بمبادئ السوفسطائيين؟ هل كانوا أحسنَ حالًا من البلاد التي اقتنعت بمبدأ النسبية؟! هل اختفى فيها الانحلالُ وتلاشَت الجريمةُ؟ هل استطاعوا أن يحققوا قدرًا من العيشِ الكريم كما حققتْه بلاد مبدأ النسبية؟ وإذا عَلِمنا أن الإجابة على كل هذه الأسئلة تؤكد عدم امتياز البلاد غير المؤمنة بالنسبية على غيرها من البلاد المؤمنة بها، فهل بعد ذلك يكون من المعقولِ أن نتَّخِذَ من مبادئ السوفسطائيين، وعلى رأسها مبدأ النسبية، مُبرِّرًا لتشويههم وإلصاق الاتهامات بهم؟ لا أريدُ بذلك كله ادِّعاءَ العصمةِ للسوفسطائيين؛ فهم بشرٌ في أول الأمر وآخره، ولكن أنْ يتم قَلْب كلِّ الحقائقِ والموازين، والسعي بكل طريقة لإلصاق كل نقيصة بهم، فهذا هو الذي يَبْعَثُ على الأسى.

أفلاطون وقَلْب دلالة لفظة «سوفسطائي».

بعد انتشار فِكْر السوفسطائيين، وترسيخهم لمبادئ التفكير العملي، والإعلاء مِن قيمة الحس والتجربة؛ ظهرَ آنذاك منافسٌ شرسٌ لهم، وهو: أفلاطون، الذي سعى إلى استعادةِ المشروعِ الفلسفي النظري؛ لمناهضة الحس العملي والتجريبي للسوفسطائيين، وأفلاطون هو الذي استطاع بحِدة نقْده والتسفيه اللذيْن امتلأتْ بهما نصوصه، إن يَقْلِبَ معنى لفظة «سوفسطائي» مِن معنى إيجابي إلى معنى سلبي قَدْحي؛ فصارت كلمات مثل: «سوفسطائية» و «سوفسطائي» و «سفسطة» نُعوتًا تُورَدُ مواردَ القدْحِ والاستهانة، وتدور كلها حول معاني: زَعْم امتلاكِ الحقيقة، وخداع الناس، وإحقاق الباطلِ، وإبطال الحق(١٠).

وكانت بداية المشروع الأفلاطوني في محاربة السوفسطائيين وتشويههم: أنه ابتدعَ لهم لفظًا يَصِفُ ما يختصون بتعليمه، وهذا اللفظ هو: «ريطوريقا» أي: «الخطابة»، بعدما كان يُطلَق على ما يقومون بتعليمه: «اللوغوس»، أي «العقل»، وكانت هذه الخطوة تمثِّل حِرْصَ أفلاطون الكبير على استبدال المصطلحاتِ، والتعديل الجذري في دلالتها، وهذا التغيرُ الدلالي للفظة «سوفسطائي» كان المحطةَ الأخيرةَ التي استقر عندها المعنى السلبي للكلمة في الأذهان دون تغيير، وبلغ التشويه الذي تعمده أفلاطون في محاورته، إلى حد نَفْي السوفسطائيين خارج حقل التفلسف(١١).

وكان أمام أفلاطون مشكلة في طريق تغييره لدلالة لفظة «سوفسطائي»، هذه المشكلةُ تتمثل في أن الكلمةَ في جذرها اللغوي الإغريقي متصلة بمعاني «الحِكْمة»، وهو الوصف ذاته الذي وُصِفَ به حكماءُ اليونان وفلاسفتهم، وكان أفلاطون واعيًا بالمعنى الإيجابي للفظة سوفسطائي في الأصل اللغوي؛ ولذلك لم يجد حلًّا إلا تحويل لفظ «فيلو – صوفيا» مِن مركَّب لفظي دارج ومنتشر على الألسنة، ويدل على معاني الحكمة والفلسفة والعقل، إلى دلالة اصطلاحية جديدة معزولة عن أصلها اللغوي، فبدلًا من دلالة اللفظ في أصله على «الحِكمة» ذاتها، نَقلَه أفلاطون ليجعله دالًّا على «محبة الحكمة» فقط، وذلك كي يُقِيمَ قطيعةً بين الفلاسفةِ والسوفسطائيين، وليس هذا فقط؛ بل لكي يَطرْدَ السوفسطائيين من جماعة الفلاسفة، غير أن أفلاطون لم ينتبه إلى منزلقٍ خطيرٍ وقع فيه، وهو أن سعيه إلى تغيير دلالةِ اللفظِ اللغوي نكاية في السوفسطائيين، دَفَعَهُ إلى القولِ بأن الفيلسوفَ لا يَزعُمُ امتلاك الحكمة؛ بل هو فقط «راغِبٌ» و «مُحِبٌّ» لها، وعلى هذا يكون ضد الفيلسوف: السوفسطائي، الذي يمتلكُ الحكمةَ كلها وليس فقط كونه محبًّا لها، وهذا على أساس أصل اللفظ اللغوي، الذي سعى أفلاطون إلى تغيير دلالته، وأفلاطون بذلك قد وقع في تناقض، لأنه هو بنفسه قدَّمَ السوفسطائيين على أنهم نِسْبيون، ولكنه بتحويله لدلالة لفظة «فيلو صوفيا»، لينقلها من «الحكمة» إلى «محبة الحكمة» فقط، نَسَبَ السوفسطائيين إلى الامتلاكِ الكامل للحكمة لا مجرد الرغبة فيها(١٢)، فعظَّمَهم مِن حيث أرادَ استنقاصهم!

وكان لابد لأفلاطون -في طريق تشويهه للسوفسطائيين- أن يجِدَ له مستندًا آخر، هذا المستند تمثل في: ذم السوفسطائيين لأنهم يُعلِّمون الناس مقابل أجْر مالي، وقد أستخدمَ أفلاطون الحسَّ الشعبي السائد آنذاك، والذي كان يحتقِرُ أيَّ عملٍ مقابل أجْر، في تعميقِ تشويه السوفسطائيين(١٣).

والرد على ذلك يتمثل في القولِ بأن السوفسطائيين لم يكونوا خاضعين لتقاليد البيئة اليونانية، وهذا مقتضى مذهبهم في الشك، فهم لم يكونوا تقليديين لكي ينصاعوا إلى كل ما هو موروثٌ من عاداتٍ وتقاليدَ، وبالتالي فإن أخْذهم لمقابل مالي نظير تعليمهم للناس، أراه، في نظري، مُتَّسِقًا مع ثورةِ الشك التي أحدثوها، وكذلك ثورتهم على التقاليدِ الفكريةِ المتوارثة، فقد أرادوا البرهنةَ، بطريقةٍ علميةٍ نستنتجُها، على أنهم ليس بالضرورة أن يخضعوا لها، ولربما كان هناك بُعد آخر غير مُلتَفَتٍ إليه، وهو أن ميل السوفسطائيين إلى أخْذ مقابلٍ ماليٍّ على التعليم، يتسقُ مع فلسفتهم «العملية»، بدليل أن أفلاطون مناقِضٌ لهم في فلسفتهم العملية؛ وبالتالي ناقضَهم في مبدأهم العملي، وهو أخْذ مقابلٍ على التعليم، وهذا انتصار مِن أفلاطون لنزعته التجريديةِ المتعاليةِ المفارِقةِ للجانب العملي (في بعض الأحيان لأن هذا الجانب فيه تفصيل لا على إطلاقه)، والتي تميل إلى النظر وعالَم المُثُل/المدينة الفاضلة، حتى أصبح يُضرَبُ المثل بالأفلاطونية على كل شيء مُفارِق للمادة ويتسم بالتجريد ويميلُ إلى المعاني أكثر من الناحية الحسية والعملية.

بالإضافة إلى ذلك، فهناك عواملُ اجتماعيةٌ دَفَعَتْ أفلاطون، في نظري، إلى أن ينتقدَ مبدأ التعليم مقابل أجْر، يتمثل هذا العامل الاجتماعي في أن أفلاطون قد وُلِدَ في بيئةٍ وأسرةٍ أرستقراطية عريقة(١٤)، ونشأةُ الشخصِ في بيئةٍ مثل هذه، تُكْفيه عن أي شيء، وتحقق له الراحةَ التامة مِن عناء البحث عن مقابِل للعيش، وهذا العامل في نظري، كان مِن العوامل الكامنة في بناءِ الفلسفةُ الأفلاطونية واتجاهها نحو التجريد وعالَم المُثُل، إذ ليس بمقدور شخصٍ غير أفلاطون، في الغالب لا على التعميم، أن يتجرَّدَ من الجانبِ العملي بهذه الطريقةِ الكبيرة إلا إذا كان هناك ما يكفيه ويضمنُ له استقرارَ العيش، والتفرُّغ للتأمل والمُثُل، وهذا ما توفَّرَ لأفلاطون؛ فبالتالي كان رُكْنًا مهمًّا نحو بناء فلسفته الخاصةِ المتعالية/المدينة الفاضلة.

ومن جهة أخرى، فإن التعليمَ آنذاك لم يكن منظَّمًا مِن قِبَلِ الدولة، فبالتالي كان المعلمون السوفسطائيون يأخذون أجرَهم مباشرة من المتعلمين، ولم يكن كل السوفسطائيين يأخذون أجْرًا مقابل التعليم، كما شاركهم في أخْذ الأجْر مقابل التعليم بعض الفلاسفة الفقراء، مثل: كزينوفان(١٥)، وهذا قد يُعَضِّدُ رأينا السابق، مِن أن الحالة الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ للشخْصِ تؤثِّرُ -أحيانًا- على اتجاهِهِ واختياراته، بدليل أن المثال السابق يَذْكُرُ فيلسوفًا من الذين يرفضون مبدأ التعليم بمقابِل، ولكن حالةَ فقرِهِ دفَعَتْهُ إلى عكس ذلك.

وإذا أردنا تقييم الأمرِ بقانون العرْض والطلب؛ سنجِدُ أن السوفسطائيين لم يخجلوا أصلًا من هذا الأمر، بل وكانوا يتفاخرون أحيانًا بأنهم يأخذون مقابلًا ماليًّا كبيرًا نظير تعليم الناس، أي كأنهم يشيرون بذلك إلى قيمتهم العاليةِ، التي تجعلُ مَن أمامهم يَدفعُ ثمنًا كبيرًا كي يتعلم عندهم، بل إننا قد نأخذُ دليلًا من كوْن السوفسطائيين يأخذون أجرًا مقابل التعليم، على أن الناسَ كانوا يُقبِلون عليهم بشدة آنذاك، ولولا هذا الإقبال؛ لَمَا كان باستطاعةِ السوفسطائيين أخْذ مقابلٍ ماليٍّ كبيرٍ على تعليمهم للناس، وذلك بحسب قانون العرْض والطلب كما قلنا، فإقبال الناس عليهم، رغم أخذْهم لمقابل مالي، دليلٌ على الاحتياج إلى ما عندهم من علوم(١٦)، وأنهم لديهم من فنون المعارفِ ما ليس عند غيرهم.

خاصةً إذا عَلِمنا أن «نوعية التعليم» السائدة في أثينا آنذاك كانت تقليديةً بدائية، لا تؤهِّلُ مَن له طموح لتقلُّد المناصبِ الرفيعةِ، وتصدُّر الشأن العام، ولم يجد مَن أراد التأهيلَ لمثل هذه المكانة إلا السوفسطائيين، بما لديهم مِن مَلَكاتٍ علميةٍ متنوعةٍ في شتى الأمور، وما يقدمونه من مستوى أعلى من التعليم غير متوفر إلا عندهم(١٧)، ومِن ثَمَّ، فإن العُملةَ الفكرية التي كان يقدِّمُها السوفسطائيون حينها كانت عملةً نادرة؛ فاستحَقَّتْ بذلك ألا تُوضَعَ في نفس المكانة التي كان يتبؤأها التعليم التقليدي، الذي لا يتم تقاضي أموال عليه.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذا الأمر (التعليم بمقابل مالي) في عصرِنا الحالي لم يَعُد يشكِّل حَرَجًا، ولكننا نرد على الشبهةِ بمقاييس زمنها، لا بمقياس الزمن الذي نحن فيه.

ومِن الأمور الدالة على سَعْي أفلاطون إلى محاولةِ الانتقاصِ الدائمةِ للسوفسطائيين: تركيزُ نقْده على جوانبَ محددةٍ، خاصة قضية التعليم بمقابل مالي، وتعليم النجاح العملي وسُبل النقاش والرد، بينما في الحقيقةِ لم يكن هذا جُل اهتمام السوفسطائيين؛ فقد كانوا يُدرِّسون أيضًا قواعدَ اللغةِ والبلاغة، والنقد الأدبي، والموسيقى، والقانون، والدين، والأخلاق، والسياسة، وكل ما يتعلق بالمجتمع، بالإضافة إلى العلوم الطبيعية، وقدَّموا منهجًا متكاملًا للتعليم العالي رفيع المستوى(١٨).

وبالتالي فإن محاولةَ غضِّ الطرْفِ عن كل هذه الفنون التي برعَ فيها السوفسطائيون وقاموا بتدريسها، والتركيز على جانب محدد عندهم هي محاولة ظاهرة في السعي لتشويههم، وهذه من أشهر المغالطاتِ المنطقية، وهو أن يُركِّزَ الخصمُ على جانبٍ محددٍ، يرى فيه بعضَ الثغرات الممكنة، عند مناظرة خصمه أو نقده، ويُهْمِلُ باقي الجوانب تفاديًا لعدم إظهار مزايا الخصم، وهذه المغالطة تُعرف بـ «رجل القَش»(١٩).

ونأتي على آخر العوامل التي نتناولها، والتي نظن، في رأينا، أنها كانت مِن بين الأسبابِ التي زادتْ مِن حدةِ تشويه أفلاطون للسوفسطائيين، وهذا العامل يتمثل في: سقراط، أستاذ أفلاطون، فكما هو معلومٌ أنه كان هناك خلافٌ كبيرٌ بين سقراط والسوفسطائيين، وقد حَمَلَ أفلاطون على عاتقِهِ الدفاعَ عن أستاذه سقراط، وهذه نقطة لا يَجِبُ أن نَغْفَلَ عنها، مع بقية العوامل، فقد يكون الدفاع عن أستاذِهِ زادَ مِن حدَّةِ تشويهه للسوفسطائيين، خاصة إذا عَلِمنا قوة العَلاقةِ بينه وبين أستاذه سقراط، وأنه كان متأثرًا لا بآرائه ومعتقداته فقط؛ وإنما في حياته وأخلاقه(٢٠).

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

الهوامش:

(١) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». (ط١، بيروت، مركز نماء للدراسات والبحوث، ٢٠١٧م)، ص ٨٠.

(٢) المصدر السابق، ص ٨١.

(٣) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ترجمة: محمد بدران، (ط١، بيروت، دار الجيل، د.ن)، ٢/٢١١: ٢١٢

(٤) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٦٨.

(٥) وِل ديورانت، «قصة الحضارة»، ٢/٢١٣: ٢١٤.

(٦) المصدر السابق، ص ٢١٤.

(٧) المصدر السابق، ص ٢١٤.

(٨) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(٩) المصدر السابق، ص ٢١٨.

(١٠)  د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين». ص ٨٢: ٨٣.

(١١) المصدر السابق، ص ٨٣.

(١٢) المصدر السابق، ص ٨٣: ٨٤، ٨٦.

(١٣) المصدر السابق، ص ٩٤.

(١٤) يوسف كرم، «تاريخ الفلسفة اليونانية». (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ٧٩.

(١٥) د. الطيب بوعزَّة، «دفاعًا عن السوفسطائيين»، ص ٩٥: ٩٧.

(١٦) المصدر السابق، ص ٩٥: ٩٧.

(١٧) أنتوني جوتليب، «حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة»، ترجمة: محمد طلبة نصار، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٤م)، ص ١٣٨.

(١٨) المصدر السابق، ص ١٣٩: ١٤٠.

(١٩) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢٠) أفلاطون، «الجمهورية»، ترجمة: عيسى الحسن، (ط١، الأردن، الأهلية للنشر والتوزيع، ٢٠٠٩م)، ص ٦، ١٣.

في المثقف اليوم