عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: في تأمل معنى العقل والفكر والتفكير في زمن الذكاء الاصطناعي

طالما نستخدم كلمات ومصطلحات ومفاهيم مختلفة في حديثنا عن الإنسان والعالم، فإن أول ما تقتضيه منا الفلسفة هو ألا نكتفي باستخدام الكلمات، بل أن نتوقف عند معانيها. فالكلمات التي تبدو متجاورة في اللغة قد تكون متباعدة في الدلالة، وربما كان الخلط بينها أحد أسباب كثير من الالتباسات التي تحاصر وعينا بأنفسنا وبالعالم. ومن هنا يبدأ السؤال: ما العقل؟ وما الفكر؟ وما التفكير؟ وهل نحن نعقل لأن لنا دماغًا، أم نفكر لأننا تعلمنا كيف نستخدم هذا الدماغ؟ وهل يكفي أن يمتلك الإنسان عقلًا لكي يكون كائنًا مفكرًا؟

تلك هي وظيفة التفلسف الدائمة: أن يعيد النظر في الأشياء التي ألفناها حتى صارت تبدو لنا بديهية، وأن يحول المألوف إلى سؤال.

تنطلق فرضيتنا من التميز بين العقل والدماغ بوصفه الجهاز المركزي ومحور التحكم في الجسد الحيواني والإنساني. لكنه، لا يضمن وحده نشوء العقل المفكر. فالدماغ يمكن أن يبقى أسير حاجاته الأولية إذا لم يجد البيئة التي تستثير قدراته وتوسع إمكاناته. وإذا تُرك الإنسان لفطرته الغريزية وحدها، فإنه يظل قريبًا من اللحظة البيولوجية للحياة: الهواء والماء والغذاء والتكاثر والحماية من الخطر.

ولعل تاريخ الإنسان الطويل هو، في جانب منه، تاريخ الخروج التدريجي من هذه اللحظة البيولوجية إلى لحظة أخرى أكثر تعقيدًا: لحظة الوعي بالحاجة إلى الأمن والاستقرار وتنظيم العيش المشترك في المدن والحواضر السياسية إذ احتاج الإنسان إلى آلاف الأجيال كي ينتقل تدريجيًا من الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار، ومن الجماعة الصغيرة إلى المدينة، ومن الأسطورة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى العلم، ومن المشاهدة المباشرة إلى التفكير المجرد. وفي كل انتقال كان الدماغ الإنساني يتعلم وظيفة جديدة.

ويمكن النظر إلى تاريخ الذكاء البشري بوصفه مسارًا متدرجًا عبر أربع تحولات كبرى في إنتاج المعرفة وتداولها. بدأت المرحلة الأولى باكتشاف اللغة، حين انتقل الإنسان من الإشارة والأصوات الغريزية إلى الرموز والكلمات، فأصبح قادرًا على استحضار الغائب، وتذكر الماضي، وتخيّل المستقبل، وتحويل التجربة الفردية إلى خبرة مشتركة؛ وهكذا أصبحت اللغة بيتًا للوعي ووسيطًا للفكر. ثم جاءت المرحلة الثانية باختراع الكتابة، التي حررت المعرفة من حدود الذاكرة الفردية، وحولت الكلام العابر إلى أثر قابل للحفظ والتداول عبر الأجيال، فصارت الكتابة ذاكرة خارجية للإنسان. أما المرحلة الثالثة فتمثلت في اختراع غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر، حيث خرجت المعرفة من ندرة المخطوطات إلى فضاء أوسع من النشر والتداول والتراكم، وأسهم ذلك في نشوء الثقافة الحديثة والعلوم الحديثة. ونحن اليوم ندخل المرحلة الرابعة، مرحلة الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي لا تكتفي بتخزين المعرفة ونشرها، بل تشارك في معالجتها وتحليلها وإعادة تركيبها وإنتاج محتويات جديدة بسرعة ونطاق غير مسبوقين. وإذا كانت اللغة قد وسعت قدرة الإنسان على التعبير، والكتابة ذاكرته، والمطبعة انتشار معرفته، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل علاقته بالمعرفة نفسها، ويفتح سؤالًا جديدًا حول مستقبل العقل والتفكير ومعنى الذكاء البشري.

فكيف يمكننا التمييز بين العقل والفكر والتفكير؟

العقل، في تصوري، هو الإمكان الإنساني العام للوعي والإدراك والتذكر والتخيل والتمييز وربط المدركات بعضها ببعض. إنه أشبه بالنور الداخلي الذي يجعل العالم الخارجي قابلًا للظهور أمام الإنسان بوصفه عالمًا ذا معنى. أما الفكر فهو ما ينتجه العقل حين يبدأ في تجاوز الاستجابة المباشرة للمؤثرات، فيتساءل ويشك ويقارن ويحلل ويستنتج ويحكم. وأما التفكير فهو الفعل الذي يجعل هذا الإمكان حيًا ومتحركًا؛ إنه ممارسة العقل بواسطة الفكر.

لكن العقل لا ينمو تلقائيًا كما ينمو شعر الرأس . بل يحتاج إلى تربية ورعاية مثلما تحتاج الأرض إلى الحراثة. فالأرض مهما كانت خصبة لا تعطي ثمارها من دون زراعة ورعاية، والعقل مهما كان ذكيًا لا ينتج المعرفة والفهم من دون لغة وتعليم وتجربة وحوار وممارسة.

ومن هنا تأتي أهمية الفلسفة والعلوم والآداب والفنون. إنها ليست مجرد تراكم للمعلومات، وإنما وسائل لتوسيع إمكانات العقل، وتحريره من أسر البداهات الجاهزة، وتعليمه النظر إلى الشيء من أكثر من زاوية فالمعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على الفهم والحكم والفعل تظل معرفة خارجية. قد يحمل الإنسان آلاف المعلومات في ذاكرته، لكنه لا يستطيع استخدامها في حياته؛ عندئذ تكون المعلومات قد سكنت ذاكرته دون أن تصبح جزءًا من عقله فالمفاهيم هي نظارات العقل التي ننظر من خلالها إلى العالم. لا نرى الواقع عاريًا، وإنما نراه عبر الكلمات والصور والمفاهيم والتصنيفات التي تعلمناها. وحتى جون لوك، حين تحدث عن العقل بوصفه صفحة بيضاء، لم يكن يعني أن الإنسان يظل صفحة بيضاء؛ فاللغة والتربية والثقافة تبدأ منذ الطفولة في نقش هذه الصفحة.

لكن المفاهيم نفسها يمكن أن تتحول إلى أوثان.

فحين نكرر مفهومًا طويلًا دون أن نعيد مساءلته، يتحول من أداة للفهم إلى قيد على الفهم. وحين نرث إجابات الماضي ونستخدمها بوصفها أجوبة نهائية لكل أسئلة الحاضر، تتحول المعرفة إلى عقيدة، ويتحول العقل إلى مستودع، ويتراجع التفكير.

لهذا كانت الفلسفة، منذ ولادتها، نوعًا من تطهير العقل من أوهامه فالفيلسوف لا يأتي بمعجزات ولا يهبط من خارج التاريخ ليمنح البشر الحقيقة النهائية. إنه، في أقصى ما يستطيع، يبني صورة مفهومية عن العالم الذي يعيش فيه، ويعيد صياغة أسئلة عصره في لغة أكثر تجريدًا واتساقًا وعقلانية.

التفكير ليس مجرد تشغيل للدماغ، ولا تكديسًا للمعلومات، ولا القدرة على إنتاج الكلام، وإنما هو حوار داخلي يجعل الإنسان قادرًا على مراجعة أفكاره والشك في يقينياته والقول: ربما أكون مخطئًا. ولهذا فإن التفكير فعل معرفي وأخلاقي في آن؛ لأنه يحرر الإنسان من أسر ما ورثه، ومن ضغط الجماعة، ومن سطوة الأيديولوجيا، ومن الاستسلام لما تقترحه الخوارزميات. وإذا كانت الحرية قد ارتبطت قديمًا بالتحرر من سلطة الإنسان على الإنسان، فإنها في العصر الرقمي تحتاج إلى معنى جديد: التحرر من الاستسلام الأعمى للآلة والخوارزمية. فالعقل هو الإمكان، والفكر هو ما يتشكل داخله، والتفكير هو الفعل الذي يوقظ هذا الإمكان ويختبره. وقد يمتلك الإنسان عقلًا دون أن يستخدمه، ومعرفة دون أن يفهمها، وفكرًا دون أن يمارسه. لذلك لا تكمن حاجتنا اليوم في عقل يعرف معلومات أكثر، بل في عقل يفهم ويميز وينقد ويربط ويحكم، وفي فكر يتجدد كلما تغير العالم. وحين تصبح الإجابات متاحة بضغطة زر، تصبح قيمة السؤال أعظم؛ وحين تستطيع الآلة إنتاج الكلام، تصبح مسؤوليتنا البحث عن المعنى. ولعل السؤال الأعمق في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ بل: هل ما زال الإنسان يعرف كيف يفكر؟

وهنا نصل إلى السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم: ماذا يحدث للعقل والتفكير حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية المعرفية؟ لقد تغيرت علاقتنا بالمعرفة؛ فلم نعد نبحث عنها في الكتاب والمكتبة والإنترنت فحسب، بل أصبحت تقترب منا، وتبحث وتقارن وتلخص وتترجم وتكتب وتنتج في ثوانٍ. ولذلك لم يعد السؤال الأهم: كيف نحصل على المعرفة؟ بل: ماذا نفعل بها حين تصبح متاحة إلى هذا الحد؟ لقد انتقلنا من عصر كانت فيه المشكلة ندرة المعلومات إلى عصر تكمن مشكلته في وفرتها، ومن ثم من نقص المعرفة إلى خطر فائضها ونقص المعنى. هنا تتغير وظيفة التعليم والفلسفة معًا: لم يعد كافيًا أن نعرف، بل ينبغي أن نتعلم كيف نسأل، وكيف نتحقق، وكيف نميز، وكيف نربط، وكيف نحكم، وكيف نتحمل مسؤولية ما نقول ونفعل. فالآلة تستطيع أن تساعدنا في التفكير، لكنها لا ينبغي أن تفكر بدلًا منا؛ تستطيع أن تنتج الإجابات، لكنها لا تمنحها المعنى. وكلما ازدادت الآلات ذكاءً، ازدادت حاجتنا إلى إنسان يعرف لماذا يفكر، وماذا يريد، وما الذي يستحق أن يفكر فيه. ولعل مستقبل الإنسان لا يتوقف على أن نجعل الآلة أكثر شبهًا بنا، بل على أن نجعل أنفسنا أكثر وعيًا بمعنى أن نكون بشرًا.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم