حوّل دولوز ميتافيزيقا لايبنتس (فيلسوف وعالم رياضيات الماني 1646-1716) المنظّمة واللاهوتية الى فلسفة ديناميكية للحركة من خلال مفهوم واحد وهو مفهوم: الطية (The Fold)، يتداخل فيه الداخل والخارج الى ما لانهاية. هنا دولوز يطوي لاييبنتز عبر تحويل نظام عقلاني الى فلسفة ديناميكية تقوم على تكاثر الطيات.(1)
قرر دولوز ان "يطوي لايبنز الى نصفين" لكن عندما طواه، كان عليه ان يطويه مرة أخرى وأخرى الى ان تنتج كل طية المزيد من الطيات. التجعيد اللامتناهي، الذي كان نظام لايبنتز العقلاني عرضة له، فجأة أنتج العديد من الطيات الأنيقة بعدد الزوايا المجعدة والتناقضات المثمرة التي نتجت عنها. ومع تراكم الطيات والتجاعيد، أصبح من الصعب رؤية الاختلاف بين داخل السطح وخارجه. مما أدى الى إيجاد خلق رهيب (الطية).
لجأ دولوز الى لايبنتز لأن الفيلسوف الميتافيزيقي الأكثر انتظاما كان هو الأصعب في الطي، كما يتضح في لوحة لاييبنتز (هايد اويرباخ.)
وبسبب عبقريته الفذة، قد يقول قائل ان قراءة غير تقليدية لتاريخ الفلسفة جعلت دولوز وبلا شك ينال وسامه كمفكر مثير. تفسيره لسبينوزا وهيوم ونيتشه وبرجسون يمكن وصفه بالمنتج والمنفتح.
هو وصف طريقته في يوم ما كنوع من " الإنجاب المعجزة"(2): يقترب من المفكر من الخلف، ينتج شيئا ما هو بالتأكيد من نسل المفكر لكنه غريب الشكل ومثير للدهشة وغير متوقع ابدا. أفكاره تتجاوز دائما حدود الملخص والتعليق. ديلوز يحاول دائما سحب شيء ما جديد، وبالذات مفهوم، بطريقة تسمح له بصياغة شيء غير مرئي، ولم يُسمع به من هذه الشخصية التاريخية او تلك.
هذا يجعل اهتمام دولوز المطول بلايبنتز مصدر إلهام كبير. نُشر كتاب (الطية: لايبنتز وفن الباروك) عام 1988 وهو أهم تعامل له مع فيلسوف منفرد. الكتاب يمتد عبر الميتافيزيقا والرياضيات والموسيقا والبناء المعماري والرسم. مركز هذا الخطاب يحتله مفهوم يستخدمه دولوز على طول النص ألا وهو مفهوم "الطية".
لكن لماذا اختار دولوز لايبنتز؟ كان لايبنز ودون شك الأقل ترجيحا للاختيار الديلوزي نظرا للاسلوب العام للتفلسف الذي اتبعه. لايبنز، خلافا للمفكرين الآخرين الذين اختارهم ديلوز، هو ميتافيزيقي متعمق وثيولوجي أيضا. إله لايبنز يختلف جدا عن إله سبينوزا. المونادات اللايبنزية (3) كل واحد منها بسيط وهي جواهر لاتقبل القسمة ومرايا تعمل أشبه بحلقات في سلسلة محددة تماما للكون. التناغم المسبق التكوين يضمن ان جميع المنظورات المختلفة للعالم تنسجم بشكل تام. كل موناد يعمل بذاته في خط من الفاعلية مثل الجندي. هناك بناء هرمي متميز وثيولوجي، وثقة عقلانية أساسية في فهم كل الأشياء. هذا يبدو وكأنه نظام فلسفي لعدو لدود وليس تأثيرا على دولوز.
الطية هي ليست شكلا وانما عملية تحوّل الخارج الى الداخل. بعض التعريفات السلبية للطية يمكن ان تقدم نقطة بدء جيدة. الطية لايمكن اختزالها الى شكل او رقم. ان اول صورة ذهنية حدسية يمكن ان تخطر ببال المرء هي صورة الورق المجعد او ثنيات الستائر. وبالمعنى الدقيق، هذه الارتباطات ليست خاطئة. لكن ربما المظهر الأكثر أهمية للطية هو التفكير فيها ليس كأسم وانما كفعل، كفعالية او عملية. الطية تشير الى الطريقة التي تنظم بها المادة والفكر نفسيهما.
ان فكرة الطية تعلن عن العلاقات بين الداخل والخارج. في العادة، نحن نفكر في الباطن والظاهر كمناطق متميزة منفصلة بحدود واضحة او غامضة نوعا ما. جلد الكائنات الحية هو مثال واضح. الجدار هو مثال واضح بشكل مؤلم. في كل حالة، يحدد الداخل والخارج أنواعا مختلفة من الحيز. لكن بالنسبة للايبنز، الموناد، مثلا، هو نوع من الكينونة ليس فيه نوافذ، لاشيء يمر للداخل او الخارج. انه، منافي للبديهية، داخلية خالصة. داخلية ليس لها خارج، وبهذا المعنى، هي تشمل داخلية الخارج.
الموناد المنفرد يحتوي على كل الكون. كل موناد يحمل في طياته تمثيلا للخليقة بأسرها. داخل الموناد هو العالم الخارجي، انه مطوي نحو الداخل ومضغوط ومفهوم ضمن منظور متفرد تماما. هذا ما يسميه دولوز الطية: العملية التي بواسطتها يتم استبطان الخارجانية. ذلك بدون ان تُختزل الى حالة من التماثل، والتي بواسطتها تكون الداخلية دائما كشكل من التعبير يُوجّه أيضا نحو الخارج. الداخل يصبح خارجا. الطية لا تلغي الفرق بين الداخل والخارج، انها تحوّل الامر الى مسألة تتعلق بالدرجة والاتجاه.
بالنسبة لدولوز، الباروك ليس أسلوبا وانما طريقة تفكير في الثنايا او الطيات. العنوان الفرعي لكتاب دولوز (لايبنز والباروك) هو مميز. أولا، دولوز لا يتعامل مع الباروك بوصفه حقبة تاريخية او أسلوبا فنيا يشكل مجرد بيئة او صدفة تحيط بفلسفة لايبنز. بالنسبة لدولوز، الباروك هو مفهوم فلسفي. هو تأثير مهيكل للمادة والفكر يجد تعبيره الفلسفي مع لايبنز. الامر ليس ان الباروك أثّر في لايبنتز بل انه جسّده.
بالنسبة لدولوز، الزخرفة والفيض والطابع المسرحي او غيرها من المفاهيم المألوفة المرتبطة بالكلمة هي ليست السمات المحددة للباروك. انها الطية. الطية هي الباروك. فن الباروك يتسم بأسطح ترفض التسطح flatness. مساحات الباروك تبقى منفتحة على فضاءات أخرى، تطوى كما لو انها بلا نهاية، والفرق بين الداخل والخارج يبدأ بالانهيار. الضوء يتغير بشكل فوضوي، انه لا يضيء بانتظام، بل يقوم بهذا اختياريا ودراماتيكيا، يخلق مناطق من انعدام التمايز.
الباروك لا يحوّل التوترات الى آلية توازن مستقر. انه يضاعفها ويفاقمها. فلسفة لايبنز تعمل طبقا لهذا المنطق بالضبط. التعددية المعقدة للتوترات التي لا يمكن حلها تستمر في إعادة انتاج نفسها الى ما لانهاية عبر ثنائيات مفاهيمية: الاستمرارية والتفرد، المادة والروح، قابلية المادة للانقسام الى ما لانهاية مقابل عدم قابلية الموناد (الوحدة الجوهرية) للانقسام. يحتفظ لايبنز بكل هذه العناصر ضمن نظام معقد، متعدد الطبقات. يتألف الصرح الميتافيزيقي من طابقين هما الطابق المادي في الأسفل والطابق الروحي في الأعلى، وهما ينطوي احدهما على الآخر.
من المهم جدا للفلاسفة ان الباروك هو طريقة في التفكير. وسيلة للفكر يمكن إعادة تفعيلها اليوم. تشير الفصول الأخيرة من كتاب الطية الى هذا الاحتمال بالذات. شكل من "باروك جديد" يمكن فيه انقاذ العمارة اللايبنتزية وتخليصها من دلالاتها اللاهوتية.
بقية المحاضرات في هذه السلسلة تتعقب الخيوط الرئيسية لإنشغال دولوز مع لايبنز، منتقلا من الأكثر عمومية الى الأكثر تحديدا من الناحية التقنية. ماهو الباروك؟ (دولوز و لايبنز حول الأسلوب والفكر) سوف يقدم عرضا مفصلا للمفهوم الفلسفي للباروك.
ماذا يعني القول ان الأسلوب الجمالي هو أيضا طريقة للتفكير؟ كيف يبني دولوز الباروك من المبادئ الأولى بدلا من مجرد استعارة المفردة من تاريخ الفن؟ وما هي العلاقة بين المعمار الميتافيزيقي للايبنز والمنطق المرئي والمكاني للعمارة والرسم الباروكيين؟ دولوز حوّل موناد لايبنز الخالي من النوافذ الى فضاء مطوي يحمل الحجة الميتافيزيقية الرئيسية.
المعيار، القراءة اللادولوزية لموناد لايبنز يؤكد الانغلاق وخلوه من النوافذ، وترتيبه الهرمي في ظل التناغم الذي أقامه الله سلفا. إعادة صياغة دولوز تحوّل هذه الصورة بشكل هام، لأن الموناد يتحول من كونه وعاء مغلقا ليصبح أقرب الى حيز مطوي. وبذلك يصبح الادراك تعبيرا نشطا عن العالم، ومستندا الى منظور معين بدلا من مرآة سلبية. المقالة ستركز على تلك الفائضية الدولوزية الدقيقة التي تخالف القراءة السائدة. لا حاجة للقول، ان ملائمتها الفلسفية وانتاجيتها سيتم ابرازها تحت خط واضح.
المقالة الرابعة، عوالم يتعذر جمعها: دولوز حول لايبنز والإمكانية، تعالج واحدة من أهم اللحضات الفارقة الدقيقة فلسفيا في الطية. يرى لايبنز ان العوالم التي يتعذر جمعها هي عوالم لايمكن ان توجد في نفس الوقت. لقد خلق الله عالما واحدا ممكنا دون سائر العوالم الأخرى. يطرح دولوز السؤال: ماذا سيحدث لهذا الاطار عندما ينظر له المرء بدون بنية فوقية ثيولوجية؟ ماذا لو كانت العوالم المتعذر جمعها، هي في الحقيقة متعايشة؟ هذه المرة، ليس كمنافسين لإختيار الاله وانما كسلسلة متباينة بشكل متزامن حقا. هذه الخطوة تندرج ضمن نفس المجال الذي تربطه الميتافيزيقا النمطية التحليلية بالعوالم المحتملة، رغم ان خطوة دولوز تتعارض مع الافتراض اللايبنتزي القائل بان العوالم الممكنة تتنافس على واقع واحد.
الطية لا تزال هامة لأنها تسمح لنا في التفكير بعالم بدون حدود ثابتة. ان مواجهة دولوز مع ليبنز تنتقل فوق التعليق التاريخي. انها إنعاش عنيف راديكالي، وفلسفة قائمة بذاتها لا تقل عنه شأنا. كونه جرّد لايبنز من ركائزه الثيولوجية الصارمة، الإله الشامل لكل شيء، والكون المتناغم بدقة، يؤسس دولوز فلسفة ديناميكية للحركة. الطية تعيد الدخول الى ساحة معركة الميتافيزيقا وتاريخ الأفكار كآلية تحدد وتنظم الحياة والفكر. خارج يُسحب للداخل، يُضغط، ويُعبر عنه باندفاع الى الامام، كمنظور فريد.
وكما تُظهر المقالات التالية في السلسلة، ان المواد المتشعبة والبناء المعماري الميتافيزيقي للباروك الدولوزي – اللايبنزي ينطوي على تداعيات واسعة النطاق. انها، ان لم تكن حيوية، فهي تصبح على الأقل سلاحا أصليا مفيدا لإعادة النظر في طبيعة الواقع المعاصر.
من خلال تتبع مسار التحول من المساحات الدرامية المليئة بالظلال في عصر الباروك، مرورا بالداخلية اللامتناهية للموناد، وصولا الى التعايش المذهل بين عوالم متعددة ومتضاربة، نكتشف نموذجا فكريا قد يكون ملائما تماما لحداثتنا المجزأة. هذا على الأقل هو الوعد غير المتواضع للتيار النيو- باروكي الدولوزي. انه يبدو بالفعل ان الطفل اللايبنتزي الذي نقلته قراءة ديلوزية الى القرن العشرين هو بالضبط ما أراده: مخيفة ومبتكرة بشكل مفيد. اذا كنا ندرب انفسنا للتفكير من خلال منطق الطية، ربما نتوقف عن البحث عن حدود ثابتة حيث لا توجد أي حدود ولا ينبغي ان تكون هناك حدود. طبقا لذلك، يمكننا ان نتوقف عن النظر الى الكون على انه مجموعة من المونادات الخالية من النوافذ، ونبدأ في النظر اليه على انه سطح واحد مطوي على نفسه الى ما لانهاية.
***
حاتم حميد محسن
.........................
References: The collector, Sep 29, 2026
الهوامش
(1) ان مفهوم دولوز للطية، جرى استطلاعه بكثافة في كتابه (الطية: لايبنتز والباروك) في اطار فلسفي يفترض ان الكون لم يُصنع من مبادئ ثابتة، وانما من عمليات مستمرة ومتدفقة للمادة والفكر تلتوي وتطوى وتنتشر بلانهاية. بدلا من رؤية العالم منقسما الى قطع منفصلة مثل (الذهن مقابل الجسد او الداخل مقابل الخارج)، دولوز يرى ان كل شيء مترابط في نسيج مستمر من طيات لا متناهية.
(2) وصف الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز طريقة قرائته لتاريخ الفلسفة بانها تشبه "الإنجاب المعجزة"، بمعنى انه يأتي المؤلف من الخلف لينجب معه طفلا يكون حقا لذلك المؤلف، ولكنه في الوقت ذاته طفل "مسخ" غريب ومختلف كليا. هذا يعني انه لا يزوّر أفكار الفلاسفة ولا ينسب لهم ما لايقولوه "ابن شرعي". لكن دولوز عبر الانزلاقات والانزياحات والتفاصيل الخفية يغير شكل الفكرة تماما ويضعها في سياق حركي جديد لم تكن عليه من قبل مما يؤدي الى خلق مولود فكري عجيب ومبتكر. يرى دولوز ان الممارسة الفلسفية الحقة هي فعل ابداعي خلاق يعيد اخراج الأفكار ويبعث بها الحياة بطرق غير مألوفة.
(3) كلمة موناد monad تأتي من الكلمة اليونانية monas وتعني "وحدة" او "التي هي واحد". موناد لايبنتز هو المادة الأساسية غير المادية والغير قابلة للانقسام التي تشكل الواقع. وبلغة مبسطة، نظر لايبنتز للموناد باعتباره "الذرات الحقيقية للطبيعة" ولكن خلافا للذرات المادية، هي كينونات غير مادية تماما، تشبه العقل كمراكز للقوة والطاقة.







