الفلسفة بطبيعتها ليست علما تجريبيا يبحث عن حقيقة مادية واحدة، بل هي محاولة لفهم الوجود من زوايا ورؤى مختلفة. هذا التصادم ليس عيبا بل هو المحرك الأساسي للفكر البشري، لولا هذا التضارب لساد الركود والتحجر الفكري ولما تطورت العلوم والسياسة وحقوق الانسان.
الأسباب التي تجعل الأفكار والفلسفات في صراع دائم هي:
1- اختلاف المسلمات الأساسية ومنطلقات التفكير
الفلاسفة عادة يبنون انظمتهم على افتراضات أساسية يعتبرونها واضحة بذاتها او صحيحة بديهيا، مثل ما الذي يشكل "الخير" او "الواقعي" او "الموثوق" . الفلسفات تتصادم لأنها لا تتفق على المصدر الأساس للمعرفة. فكل من العقلانيين والتجريبيين والوجودين لهم مصادرهم الخاصة للمعرفة.
2- عدم توفر بيانات الاختبار التجريبي
خلافا للعلوم الطبيعية التي تعتمد على بينات مادية متكررة وتجارب قابلة للتفنيد لإستبعاد النظريات غير الصحيحة، فان الفلسفة تعالج مجالات مجردة مثل الاخلاق والميتافيزيقا والابستيمولوجي.
3- التفسير الذاتي:
بسبب غياب الدليل المادي او كونه مفتوح لعدة تفسيرات، فان التفكير المنطقي يمكن ان يقود مختلف المفكرين الى استنتاجات مختلفة كثيرا لكنها متسقة داخليا.
4- غموض اللغة والمفاهيم
المفاهيم الفلسفية الأساسية مثل الرغبة الحرة والعدالة والحقيقة والوعي هي متعددة الطبقات وتُعرّف بطرق مختلفة ضمن مختلف التقاليد.
5- الفلسفة كتوتر مستمر
العديد من الفلاسفة ينظرون الى التناقض ليس كفشل، بل كمحرك طبيعي للفكر النقدي. الاحتكاك بين الأفكار المتضادة يؤدي الى تحليل أعمق واختبار للافتراضات الضمنية وصقل للفهم البشري.
6- الفلسفة نتاج عصرها وبيئتها:
لا توجد فلسفة نشأت في فراغ. الفيلسوف يتأثر بظروف عصره السياسية والاجتماعية والعلمية، فمثلا فلسفة افلاطون المحافظة جاءت كرد فعل على سقوط الديمقراطية في أثينا وإعدام استاذه سقراط. وفلسفة نيتشه العدمية جاءت بعد الثورة الصناعية وتراجع دور الدين التقليدي في اوربا. عندما يتغير العصر، تصبح الفلسفات القديمة غير كافية، فتأتي فلسفة جديدة ترفض السابقة لتلبي احتياجات العصر الجديد.
7- صراع الاضداد (الديالكتيك): يرى الفيلسوف الألماني هيجل ان تطور الفكر البشري يحدث عبر الصراع، حيث تولد الفكرة ثم يظهر نقيضها (الذي يفندها ويرفضها)، ومن خلال هذا الصراع يولد المركّب الثالث (مزيج أرقى يجمع الصواب من الاثنين)، وهكذا تستمر الدورة الإنسانية في الصعود.
8- نسبية الحقيقة الإنسانية
العقل البشري محدود، والوجود واسع ومعقد. كل فيلسوف يرى الوجود من الزاوية الخاصة به. منْ يعيش في الشرق ومنْ يعيش في الغرب كلاهما صادق في تجربته، لكنهما يتصادمان اذا ادّعى احدهما انه يملك الحقيقة المطلقة الكاملة.
أمثلة على تصارع الأفكار
حفل تاريخ الفكر الفلسفي بأفكار فلسفية كبيرة ومتناقضة جرى تصنيفها حسب الأسئلة الأساسية التي تحاول الإجابة عليها. هذه المدارس الفكرية المتنافسة تتناول اكثر النقاشات استمرارية في التاريخ الإنساني.
في الفلسفة اليونانية القديمة وفلاسفة ما قبل سقراط
كان افلاطون يؤكد على ان الحقيقة توجد في "عالم المُثل" غير المادي، بينما ارسطو وقف بالضد من ذلك مؤكدا ان الحقيقة تُدرك من خلال ملاحظة الواقع المادي. بارمنديس رأى ان الوجود ثابت والتغيير مجرد وهم، اما هيرقليطس فقد رأى عكس ذلك حيث اعتبر "التغيير المستمر" هو الحقيقة الوحيدة (حيث لا يمكنك النزول في نفس النهر مرتين).
في الفلسفة الحديثة:
اما في العصر الحديث فقد اتخذت الفلسفة عدة اتجاهات في مختلف الحقول الفلسفية، وكل نظرية لها مؤيدوها ومعارضوها، تلك الاتجاهات تتمثل بالتالي:
1- الايبستيمولجيا (نظرية المعرفة):
كيف نعرف الأشياء؟ وهذه تشمل المدارس الفلسفية التالية:
أولا: العقلانية:
وهي العقيدة بان العقل والفكر هما المصدر الرئيسي للمعرفة. العقلانيون يجادلون ان حقائق معينة هي فطرية ويمكن اكتشافها من خلال المنطق وحده وبشكل مستقل عن التجربة الحسية (ديكارت، و Leibniz).
ثانيا: التجريبية:
وهي الرؤية المضادة للعقلانية، حيث تؤكد هذه المدرسة على ان التجربة الحسية هي المصدر الحقيقي الوحيد للمعرفة. التجريبيون يجادلون ان الذهن البشري يبدأ كصفحة فارغة ثم يراكم المعرفة فقط من خلال الملاحظة والتجربة (جون لوك، و ديفد هيوم).
2- الميتافيزيقا (ما هي طبيعة الواقع؟) وتتمثل في:
اولاً: المثالية:
وهي الادّعاء بان الواقع هو في جوهره ذهني او غير مادي. المثاليون يرون ان العالم المادي هو اما وهم او يعتمد كليا على الوعي البشري والادراك ( جورج باركلي، و عمانوئيل كانط).
ثانيا: المادية:
وهي العقيدة بان ما هو موجود هو فقط العالم المادي. الماديون يرون ان كل شيء في الكون بما في ذلك الوعي الإنساني والأفكار والعواطف هي نتيجة للتفاعلات المادية (كارل ماركس، وتوماس هوبز).
3- الإرادة الحرة: هل نحن نمتلك السيطرة على حياتنا؟
اولاً: الحتمية Determinism:
هذه الفلسفة تؤمن بان جميع الاحداث تتقرر كليا بالاسباب الموجودة سلفاً. وفق هذه الرؤية، الإرادة الحرة للإنسان هي وهم، لأن كل ما نختار من فعل هو نتيجة حتمية للظروف السابقة، والجينات، والبيئة المحيطة. (باروخ سبينوزا، وارثر شوبنهاور).
ثانيا: الليبرتارية:
وتؤكد بان الكائن البشري يمتلك إرادة حرة مطلقة. الليبرتاريون يجادلون ان الاشخاص يمتلكون القدرة على الاختيار من بين نطاق واسع من الأفعال الممكنة، وان اختياراتنا غير مقيدة بالضرورة السببية (جين بول سارتر، و روبرت خان).
4- الاخلاق: كيف نقرر الصحيح من الخطأ؟ وتشمل
اولاً: اخلاقيات الواجب Deontology:
وهي نظام أخلاقي يرتكز على الواجب وقواعد مجردة. هؤلاء الاخلاقيون يرون ان الأفعال هي بطبيعتها صحيحة او خاطئة بصرف النظر عن نتائجها. فمثلا، الكذب هو دائما خاطئ حتى لو انقذ حياة شخص ما. (عمانوئيل كانط في أخلاقه المطلقة).
ثانيا: مذهب المنفعة او النتائج:
وفيه ان المحصلات تقرر أخلاقية الفعل. النفعيون يجادلون ان أحسن فعل هو الفعل الذي يضاعف الى اقصى حد السعادة الكلية او يقلل المعاناة، بما يعني ان العمل "السيء" مثل الكذب سيكون مقبولا اذا قاد الى أفضل النتائج. (جيرمي بنثام، و جون ستيوارت مل).
5- معنى الحياة: هل هناك هدف؟
اولاً: العدمية:
وهي العقيدة بان الحياة بأكملها خالية من أي معنى موضوعي او هدف او قيمة جوهرية. العدميون يرون ان القيم التقليدية والاطر الأخلاقية هي كليا بلا أساس، نيتشه العدمي لم يرغب في ان يعيش الناس في فراغ، بل أراد التغلب على النزعة العدمية من خلال مفاهيم تؤكد الحياة، مثل الرجل الخارق، والرغبة في القوة، والعود الابدي.
ثانيا: الوجودية:
طبقا لهذه الفلسفة انه مع ان الحياة لا تنطوي على معنى كامن، لكن الفرد يجب ان يخلق هدفه. الوجوديون يشحذون طاقة الفرد ليحدد جوهره الخاص به من خلال الخيارات والمسؤولية (جين بول سارتر،و البير كامو). كيركيجارد أسّس الوجودية المسيحية التي ترى ان معنى الحياة يتحقق بالقفزة الايمانية نحو الله، بينما نيتشه أعلن عن موت الإله فكريا وهاجم المسيحية داعيا الانسان الى صنع معناه وقيمته بنفسه.
6- السياسة والمجتمع:
اولاً: توماس هوبز وجان جاك روسو:
هوبز يرى ان الانسان شرير وفوضوي ويحتاج لحاكم مستبد لضبطه، بينما يرى روسو ان الانسان طيب وحر بطبعه، لكن المجتمع والملكية الخاصة هما من أفسداه.
ثانيا: كارل ماركس وآدم سمث:
سمث هو الاب الروحي للرأسمالية والسوق الحر والملكية الفردية، بينما ماركس دعا لإلغاء الملكية الخاصة وإدارة الدولة لوسائل الإنتاج.
***
حاتم حميد محسن








