بأقلامهم (حول منجزه)
عدي البلداوي: قراءة في انثروبولوجيا الثقافة لكتاب (النص وسؤال الحقيقة) لماجد الغرباوي
يعدّ استخدام أدوات الاستفهام أمراَ بديهياً في بحوث قضايا الفكر التي يشغل الدين ابرزها في تاريخ المجتمعات البشرية بشكل عام، وفي التاريخ العربي بشكل خاص. في سياق هذا الاستخدام يمكن تصنيف الباحثين الى: باحث تقليدي يوظف أدوات الاستفهام توظيفاً يخدم وصوله الى نتائج كان قد اقرها في نفسه مسبقاً، وليست نتائج تفرض حضورها كمخرجات بحث علمي مجرد. باحث اخر يوظف أدوات الاستفهام في بحثه دون تحديد مسبق للنتائج، فإذا جاءت متوافقة مع ميوله الفكرية واعتقاداته، صادق عليها، وان جاء فيها من الحساسية ما يمكن ان تثيره في المتلقي، داواها بذكاء السؤال ولطف المقال. باحث ثالث يوظف أدوات الاستفهام بجرأة في منطقة بحث حرجة او محظورة في الجو الثقافي الغالب على المجتمع، يحصل هذا عادة مع باحث يتناول ايدولوجيا مختلفة عن التي يتبناها، بهدف تقويض تلك الايدولوجيا، وفي احيان نادرة تأتي تلك الجرأة من داخل منطقة الباحث الايدولوجية بهدف التحديث والتجديد، فيسأل: لماذا واين وكيف ومتى، متجرداً ما أمكنه التجرد، وهي مرحلة يكثر نقّادها على حساب مؤيديها في كل من ثقافة النخبة والثقافة الشعبية أو العامة بسبب ما تثيره من نقاط حساسة جداً.
في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) يرسم الباحث (ماجد الغرباوي) منطقة حياد على خارطة التفكير العميق لعقل الباحث المتجرد، ثم لا يُخرج نفسه من كينونته الفطرية فيزعم مثالية هذه المنطقة في تفكيره، لكن محاولته رسم هكذا منطقة تكشف عن ابعاد عالم جديد في عملية التفكير المعاصر يرجو لها (الغرباوي) ان تظهر لتسهم في إخراج العقل الباحث عن الحقيقة من مساحة محددة، الى مساحة مفتوحة متطورة، تفكر بالمستقبل بلغة انسانية تتخطى مساحة البحث التقليدي عبر إضافة بعد ثاني لأداة الاستفهام، غير البعد الاعتيادي لها في سطور وصفحات الكتاب. هو بعد اجتماعي لا أجدني أجامل إذا ما قلت ان الباحث (ماجد الغرباوي) قد أجاد في انتقائه منطقة الاستفهام في بحثه حين تحدث عن النقد وعن الحقيقة حديثاً وجدته ابعد من ان يكون حديثاً تقليدياً، فقد استخدم عبارة (اوهام الحقيقة) استخداماً كشف لي عن قدرة في تكثيف الفكرة أكثر مما قد يبدو تعبيراً فلسفياً، او قراءة نظرية. ففي ص63 يقول: (الوهم وفضاءاته المتنوعة هو مصدر المعرفة الوحيد بالنسبة للمتلقي العادي). الوعي العام هو مصدر معرفة المتلقي العادي كقارئ او مستمع او مشاهد. والوعي العام تشكله في المتلقي طريقة الحياة التي يعيشها في المجتمع، عادة ما يكون الانفعال هو اداة القياس وليس العقل. فالانسان تؤثر فيه العبرة (بفتح العين) اكثر واسرع من تأثير العبرة (بكسر العين)، فهو يتفاعل مع موقف اكثر من تفاعله مع موضوع. لذا لا يجد الكتاب حضوراً في حياة الفرد والمجتمع مثل حضور الأحداث اليومية وطريقة التعامل بين الناس، فهم يفكرون من خلال ادوات تعاملهم فيما بينهم. هنا اجدني مبتهجاً بتوظيف الاستاذ (الغرباوي) الإستفهام ببعدين. بعد ثقافي يخاطب به المتلقي الفطن، وبعد اجتماعي يخاطب به المتلقي العادي. فهو حين يطرح اسئلة في منطقة المحظور في الشأن الثقافي والاجتماعي للدين، فإنه يرسل استفهاماته كبطاقات دعوة للمتلقي لحضور حفل تأمل ثقافي في اجواء موضوعية ترى في حركة النقد المقتصرة على مضمون النص واسانيده غير كافية لتحقيق تطور في تفكير المتلقي، وهي نقطة حيوية مهمة. فمن الصعوبات التي تواجهها ثقافتنا المعاصرة انها لم تصل بعد الى المرحلة التي تصبح فيها شريكة للانسان في حياته، ومعنى ان تصبح الثقافة شريكة الانسان العادي في حياته هو توفير امكانية نقد الحياة من خلال النقد الذاتي للفرد والمجتمع.
مشكلة المتلقي العادي ان ثقافته جاءت نتاج مزيج من موروث شعبي ووعي تلقائي، اضيف اليه رصيد من القراءة. فهو بذلك مثقف موهوم بالحرية، منهوم بطلبها، ولمّا يعرف معناها بعد، حتى يكون قادراً على ممارسة النقد بتجرد شبه تام عن هذا المزيج، فإذا اجاد ذلك كسب وعيه الموضوعي ليصبح منتجاً قادراً على تطوير صناعة وعي الفرد والمجتمع.
اتفق مع الباحث المُجيد في ان النقد المستمر كفيل ببعث الحركة في القوالب الجامدة لنصوص التراث التي اخذت شكل الخطوط الحمراء في مصدرية المعلومة والخبر، فلا تمتد اليها اصابع النقد بقدر ما تركز عليها في نقد النصوص التالية لها تاريخياً، ولعلي أرى ان يتحقق هذا النقد المستمر في بيئة انثروبولوجية حيث البحث في كل ما له علاقة بطبيعة الانسان.
هل الحقيقة مفهوم ام موضوع، ما هو الحقل العلمي الذي نعرّف الحقيقة من خلاله، هل هي حقيقة نسبية ام حقيقة مطلقة، هل هي حقيقة موضوعية ام تلقائية. في تناوله عبارة (اوهام الحقيقة) في ص22 في سياق الحديث عن النص، يُخرج الباحث اصطلاح الحرية من إطار المطلق. انه يميز بين النص وبين قراءة النص، وفي هذا التمييز تحفيز قوي للمتلقي العادي كي يلحق بركب التفكير العملي حين يؤشر الى نقطة مهمة في قوله (النصوص جاءت لمعالجة الواقع) وليس لتبريره أو تكراره على منوال الماضي. فالتراث بما يمثله من مصدرية قد يصبح (خطراً على العقل ما لم يتداركه النقد ويفضح الاعيبه) ولعلي استبدل عبارة (يفضح الاعيبه) بـ يكشف نقاط ضعفه.
ويقف (الغرباوي) عند عقدة كبيرة في مسار تطور النقد البنّاء تتمثل في تقديس المصادر والنصوص التراثية والتاريخية، حتى ان بعض الباحثين المعاصرين يعاير نجاح بحثه بمدى موافقته لتلك المصادر وموآمته لها.
في العالم العربي الاسلامي رعت السلطة الحاكمة الخطاب الايديولوجي وهيأت له اجواء الهيمنة على وعي الناس لما يحققه من تحكم سهل بالجماهير. ولأن السلطة الحاكمة هي القوة المسيطرة على المشهد الحياتي والمتحكمة بموارد البلاد المالية فقد وجد الخطاب الايديولوجي استثماراً كبيراً في الدين لرواج سوقه بين الناس، لأن الناس يسمعون اكثر مما يقرأون، الأمر الذي سهّل على السلطة الحاكمة أن تتلاعب بوعيهم عبر نصوص مفبركة وأحاديث موضوعة. في ص128 يرى الاستاذ الغرباوي ان: الخطاب الايديولوجي خطاب نفي، يقصي الآخر.. بعد ان رأى في ص88 ان الاسلام الديني انتهى بعد وفاة نبي الأمة (وبدأت مرحلة الاسلام السياسي، لحظة توظيف النص الديني لشرعنة الموقف السياسي..)
يبدو لي ان كل من العقل الديني والعقل السياسي حرما المجتمع العربي من فرصة تعلم لغة الحياة عندما استخدم العقل الديني لغة ايديولوجية لا يتعلم الناس منها سوى حرية الحركة بين مفهومي التقييد والتقليد. وعندما استخدم العقل السياسي لغة تسلطية لا يتعلم الناس منها سوى العلاقة بين الرضا بما تعطيه لهم الحكومة، والاذعان لما تريده منهم. والذي يحاول الخروج على هاتين اللغتين فهو مرتد او معارض. وقد ذهب (الغرباوي) في ص41 الى ان الخطاب الديني يعمل على تزييف الوعي ويقمع المعارض، على الضد من الحكم القرآني.
ان الخطاب الديني المتعصب يُخرج المفاهيم الجميلة مثل التسامح والعفو من دائرة تعريفهما الموضوعية ويقحمهما في دائرة الانفعال، فيغدو التسامح عطفاً من منطلق قوة مسك الأرض. ويصبح العفو هدنة مشروطة بعدم المواجهة. اما التسامح والعفو بالفهم الموضوعي فلهما ابعاد انسانية من منطلق قوة الايمان وهذا هو الخطاب القرآني الذي ضاعت معالمه في اجندات السياسة التي البست الخطاب الطائفي ثوب الخطاب الديني حتى تدهور الحال وصار الارهاب رديف الدين والعنف صفة دينية، ودخل الاعلام السلبي على خط الترويج لهذا الانحراف، فظهرت اعراض الحساسية الاجتماعية من الشأن الديني. لذا فمن بين اسباب تخلف مجتمعاتنا العربية المعاصرة انها لم تتوصل لحد الان الى الآلية او التقنية او الطريقة التي تتجاوز بها مرحلة الغفلة، إذ تمر بهم المشكلة وتتكرر فيهم المعاناة وتتجدد فيهم الازمات، فلا ينتبهون الى انهم مروا بها من قبل، فلا يتذكرون الا حين يقعون، وحينها لا ينفعهم نص الناصحين.
في الكتاب جهد جامع، رائع، ماتع، نافع، له ضرورته في المرحلة الحالية التي نعيشها في القرن الواحد والعشرين، حيث يدعو الباحث الى رؤية عملية موضوعية للمستقبل (فلا مستقبل لأمة لا تبني تاريخها بنفسها. وهذا مرتهن بتلاشي روح العبودية القابعة في اعماقنا، وقدرتنا على استعادة ثقتنا بانفسنا..) ص155
لعل الخطأ الثقافي الذي وقع فيه العقل الديني العربي هو إقصار فهم المتلقي على بعد واحد من ابعاد المعاني الأساسية المستخدمة في الحياة كالصبر والقناعة مثلاً. فقد جاء اهتمام العقل الديني بالصبر اهتماماً موقوفاً على معنى التحمل فقط، وليس على معنى التأمل أيضاً. كما جاء اهتمامه بالقناعة قائماً على معنى التبرير وليس على معنى التغيير. فكانت الحصيلة، مجتمعات راكدة، ساكتة، وجدت قوة السلطة الحاكمة في ذلك منفذاً ميسراً للتسلط على الناس، فتمكنت بقوة قانونها الوضعي من الانتقال بالناس من حالة الركود والسكوت التي هيأها لهم العقل الديني، الى مرحلة الخضوع لإرادة الدولة، وكان من السهل على الناس قبول ذلك عندما ربطوه بفكرة رجوع الامر كله لله، وان الخضوع الذي يعيشونه للسلطة حال كونها ظالمة، ما هو الا ابتلاء عليهم تحمله وتمريره بجرعات صبر يقدمها العقل الديني في خطاب يعدهم بتحسين احوالهم بضمانة الفهم التلقائي للنص المقدّس الذي يحث على الصبر وان الله يحب الصابرين. هكذا أصيبت حركة الدين بالخمول في حياة الناس، وقد أثّر ذلك على نمو خلايا التفكير، مما نتج عنه إصابات واضحة في إرادة التغيير. فالناس يرون الظلم يلحق بهم، ويرون الفساد ينهش جسم المجتمع ولسان حالهم يقول لا حول ولا قوة الا بالله !!.. ويخطئون في تفكيرهم وفي تقريرهم وفي علاقاتهم وعندهم تبرير لذلك: (لسنا معصومين)، ولعلي اضيف الى ما ذكره الباحث الفاضل في ص203 تحت عنوان (مفهوم العصمة)، فأقول ان الواقع العملي لطريقة حياة الناس يكشف ان العقل الديني الشيعي لم يكن متمكناً ثقافياً في استخدامه مفهوم العصمة في علاقة الناس بأئمة اهل البيت، لأنه أقصر مناخ العصمة على أئمة اهل البيت، الأمر الذي حرم الناس من الاستئناس بتطور مفهوم العصمة في حياتهم كدرجة من الفضيلة بوسع أي شخص ان يبلغها مقتدياً بأئمة اهل البيت الذين يمثلون قمة هرم هذا المفهوم، فإذا بلغها امتنع من الوقوع في الخطأ مع قدرة فيه على ذلك. ومن بين أسباب تأخر المجتمع ان العقل الديني قدّم للناس أدوات الخوف من الحياة الآخرة، قبل ان يقدّم لهم أدوات العمل في الحياة الدنيا. فمن شأن الخوف انه يهدّد حرية التفكير، ولعل ذلك بدا واضحاً حين وجد المجتمع نفسه أمام تطور علمي متسارع في الغرب في العصر الحديث، فأراد ان يعيد ضبط ساعة تفكيره ثقافياً كي ينجح في مواكبة هذا التطور العلمي الغربي، لكن نتائج تفكيره جاءت قلقة بسبب إدمان الخوف الذي أُرغمت عليه خلايا التفكير لفترات طويلة من الزمن، فظهرت جرّاء ذلك ثقافة تجميلية شكلية اكثر مما هي ثقافة تحليلية موضوعية.
اننا بحاجة الى تجديد ثقافي يعالج واقعنا معالجة جذرية، فلا يقصي الدين، ولا ينغمس فيما قدّمه السلف. بل يعيش الدين من حيث هو رسالة حياة تقدّم أدوات العمل في الحياة الدنيا قبل ادوات الخوف من الحياة الآخرة. هكذا يصبح الموت جزءاً ضرورياً وحافزاً حياتياً لا يتسبب في قلق المتلقي المعاصر بقدر ما يحفزه على العطاء الإيجابي. يقول السير آرثر ثومسن (فالذي نحن على يقين منه اننا بحاجة الى مزيد من العلم ومزيد من الدين). وفي أواخر كتابه (فلسفة العلم الطبيعي) يقول السير آرثر إدنتجون (وفي عصر العقل تظل العقيدة راجحة لأن العقل بعض مادة العقيدة).
يأتي نقد الشأن الديني في القرن الواحد والعشرين من واقع بلوغ التقنية الرقمية مرحلة الذكاء الاصطناعي، وبلوغ النفس البشرية مرحلة وجود العقل البشري في مساحة تكثر فيها الاستفهامات، وتقل فيها الاجابات المقنعة، فاذا اخذنا في نظر الاعتبار ان النقد نقدان: نقد بنّاء، ونقد هدّام، فإن نقد الشأن الديني الرائج اليوم لا يُخشى منه على الدين، قد يتراجع حضور الدين في الحياة الاجتماعية فيعود غريباً كما في الحديث النبوي، لكنه لن ينتهي ابداً. ان ما نحن بصدد بحثه في جو نقد الشأن الديني اليوم هو ما التأثير الذي يمكن ان يتركه نقد الدين ؟ هل يسهم في إظهار ثقافة جديدة قادرة على استيعاب التطور العلمي بحيث لا يبقى للدين سوى مساحة صغيرة في بعض النفوس. ام ان هذا النقد سيؤثر سلباً على ثقافة الواقع ؟ وقبل ذلك من هم اولئك الذين يمارسون نقد الشأن الديني اليوم ؟ هل هم من ثقافة النخبة ام من الثقافة العامة ممن يستخدمون حرية التعبير التي اتاحتها الشبكة العنكبوتية في مواقع التواصل والتطبيقات التقنية، للتعبير عن انفعالاتهم بعيداً عن الوعي العميق الذي يستلزمه النقد البناّء. في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) يوضح الباحث المُجيد (ماجد الغرباوي) طريقاً، لا اقول انها سهلة، لكنها مقبولة جداً لمواصلة النقد البنّاء. لا من اجل نصوص صامتة في كتب على رفوف المكتبات، وانما من اجل تدريب المتلقي العادي وتعليمه لغة الحياة (الحلوة الخضرة) بتعبير الحديث الشريف، عبر محطات الاستفهام المرتبطة بالواقع الحياتي للناس. الواقع الذي جعل كثيرين يتكلمون ويشاهدون ويسمعون لأوقات اطول من تلك الاوقات التي يقرأون فيها ويكتبون، فضلاً عن ان القراءة والكتابة هي فعل فردي، ذاتي، وليست فعلاً جماعياً، عكس الكلام والمشاهدة والاستماع التي هي نشاطات جماعية.
من مجمل قراءتي لكتاب (النص وسؤال الحقيقة) اسجل نقطتين: الأولى للباحث، والثانية تمنيتها عليه. فأما التي هي له فقدرته على حظر قوة انفاله النفسي من دخول منطقة العمل الفكري الثقافي النقدي الموضوعي برغم كثرة وحساسية الموضوعات التي تناولها الكتاب، وهي نقطة تحسب له، لأن بعض الباحثين لم يتمكنوا من إخفاء دوافعهم المذهبية وميولهم النفسية وهم يكتبون ويبحثون في الشأن الديني والتاريخي والفلسفي والأدبي. فعلى جميل ومعقولية ما ذكره (طه حسين) مثلاً، عن الإمام علي في كتابه (الفتنة الكبرى – علي وبنوه) كشف عن ضعف في منطقة تفكيره الموضوعي النقدي حين جعل (الإمام علي) جديراً بأن يسير في الناس سيرة عمر ! وكنت قد سألت (طه حسين) في كتابي (دولة الإسلام بين مفهومين محمد النبي ومحمد القائد): لماذا سيرة عمر وليست سيرة محمد ؟. وكذلك بدا لي (سيد قطب) في مثل هكذا موقف حين علل سبب مخالفة بعض الصحابة الأوائل لتعليمات وتوجيهات واوامر النبي، بأنهم خالفوه لما هم اعرف به منه في شؤونهم.
وأما النقطة التي تمنيتها على الباحث العزيز فهي ان يتناول العلاقة بين الثقافة والدين، إذ يبدو لي ان في دراسة هذه العلاقة ما يوصل الى نتائج حيوية مهمة تدعم مشروع البحث، وأرى ان الأستاذ ماجد الغرباوي يملك سبر اغوارها، فقد توصل الى ان ثقافة العربي هي (ثقافة وصفية – بيانية، تهيم بالوصف دون التوغل في أعماق الظواهر الحياتية..) ص95، وهو ما ارجعته في كتابي (قضايا في نقد الواقع الثقافي) الى غياب الكتاب في حياة العربي في تلك الفترة، فتحت عنوان (بين ثقافة الإلمام وثقافة الإلهام) ذهبت الى ان ثقافة العربي هي ثقافة الهام لأنها لا تعتمد الكتب والمصادر، بينما ثقافة الروم والفرس كانت ثقافة المام لاعتمادها على الكتب والمصادر. كما تمنيت على الباحث العزيز لو تطرق الى التمييز بين البشري والإنساني داخل سلطة كل من العقل الديني والعقل السياسي، وقد تطرق في ص91 الى التمييز بين البشري والإلهي في السلطتين. لاعتقادي ان خللاً وخلطاً حصلا في حياة العربي بين مرحلتي البشرية والإنسانية، فالوقوف على ذلك سيسهم في توضيح معالم المشهد الحياتي لعمل العقل الديني والعقل السياسي، وهو ما قد يساعد العقل الثقافي العربي المعاصر على إيجاد المنطقة المشتركة المفقودة بين العقل الديني والعقل السياسي في عالمنا العربي الإسلامي.
من واقع البحث الانثروبولوجي اليوم، اجد في الناس ظمأً شديداً للثقافة، لا بالمعنى العميق لمفهوم الثقافة، ولكن بالمعنى الذي يشعر معه المواطن أنه لا يزال داخل دائرة الحياة، وانه لا يزال على قيد الوجود الانساني، وان بوسعه مواكبة التطور في العالم. فالانفتاح العالمي ووعي المواطن بوجود عالم افتراضي الى جانب واقعه، قد تسبب في ظهور شعور متواصل بالظمأ الثقافي، وبرغبة في الوصول الى حالة من التوازن بين التطور العلمي الغربي والتطلع الثقافي العربي، واجد من موضوعية النقد عندي ان اضم كتاب (النص وسؤال الحقيقة) للباحث المُجيد (ماجد الغرباوي) الى قائمة الكتب التي من شأنها ان تروي الظمأ الثقافي للمتلقي العربي المعاصر.
***
د. عدي عدنان البلداوي