عُرِف ماجد الغرباوي مفكرا في سؤال الدين، حاملًا - على كتف عقودٍ مُفعمة بالإنتاج الغزير في مهجره بأستراليا - مشروعَ انتشالِ العقل من براثن الأسطورة والجمود، فيما يربو على خمسة وثلاثين عملا، يأتي في صدارتها سلسلة متاهات الحقيقة، مُزيحةً اللثام عن أسئلة لا تهادن، غير أنّه ثمّة جانبٌ لا يقِلّ شأوًا وبَذاخَةً في نوعية إنتاجه، وهو الحسّ الأدبي، حِسًا مُرهفًا، من السُّمُوق بمكان، لدرجة أنه بحقّ يستوقفك هذا التشاوُج في قلم واحد، فأَنْ يكون القلم الذي قُدّ من نقدٍ حازم تعوّد على الاحْتِدام المنطقي، هو نفسُه الذي يخُطّ نصوصًا تميدُ من ثِقْل حمولتها الشاعرية، ويتضوّع الإحساس من دهاليز كلماتها وأقبية تعابيرها، لَشيءٌ يَبْعَثُ على التبجيل.
في هذا المقال الاحتفائي والامتناني والأدبي، أحاول أنْ أَزُجَّ باسمي في قائمة مَنْ كتبوا عن نتاج الغرباوي في ثاني مقال لي عنه، حيث كتبت سابقا مقالا بعنوان: (الانقلاب الديني.. إلى أين؟ إخفاقات الوعي الديني للمفكر ماجد الغرباوي نموذجا)، وأنا هنا أمْتَح من معينه، وأنْهل من نبعه، ولكن هذه المرة من سَبْكه الأدبي المُترَف بالشعور، وتحديدا في نصه النثري الغَزَلي (مَديات حُلُم) أحد نصوص إصداره الأدبي (يَتهادى حُلُمًا) الذي تتنوّع نصوصه النثرية بين السردية في قصص قصيرة جدا وبين النُتُفات الأدبية، حيث أحاول سَبْر أغوار ما يقبع في أعماق هذا النص الغزلي.
(مَديات حُلُم) يقع في ثمانية مقاطع قصيرة، وسنوردها في مقطعين رئيسين، مَتْلوٌّ كل مقطع بتحليلنا الأدبي، وهو ألصق بالاستنطاق منه إلى النقد، وبالاسْتِكْناه منه إلى التقويم.
عميقًا تهادتْ أَناملُ الشَّمسِ
تمزِّق شَرنقةَ الغرورِ
*
سُلَّمٌ يدي
تفتدي
سَنَا النيازك
*
تَوغّلْ.. تَوغّلْ
فَلذيذُ الطعناتِ
آلامُها
البَدْءُ بالتأطير الزمني هو بَرَاعةُ اسْتِهْلال، سِيّما أنّ النصّ يحاول تقديم مشهد يحبس الأنفاس، قَلّ مَن يتناوله حين يأتي الحديث على ذِكْر الحُبّ وأهله، فهل كبدايات الصباح التي تسبقها ليلةٌ مكتظةٌ بالكثير من الكفر بالمسافات، والانتقام من جاثوم الشوق، مأوى خيرًا منها لتكون مَحِلًا لقلبين عاشقَين ومَوئلا لِحِبٍ ظَفِر بمحبوبه وهَنِئَ، فبرغم خيوط النور إذْ تجتاحُ هيبةَ السواد، ما زال الحبيبان منهمكين في معاقرة الحب، بضحكات تَنِدّ، وهمساتٍ تئنّ، تطالُ كل رَبْوَةٍ وانحناء! وأطرافٍ اختلطتْ عليها الاتجاهات، وكأنّ لحافَ الليل ما فَتِئ يتستّر عليهما، (توغّلْ.. توغّلْ) فلا شَبَعَ في الحب، بل طمع لا يَنْشَبُ راغبًا في المزيد، وليس المزيد فحسب، بل الموغِل في العمق حيث يُسْتَلَذُّ معه كل أَلَم، إنه الحب، حين يحيلُ الألمَ إلى نشوةٍ تجتثّ كل ألَم!
سامقًا تعاقرُ آلهة الحُبّ
مترعةً جداولُ الصباحِ
بِذلكَ الضَباب الرُّومانسي
*
توغّلْ.. توغّلْ
فلذيذُ الطعناتِ
آلامها
*
فِي مَدياتِك القصيّةِ حلمٌ
شاسعانِ جَناحاك
حَلِّقْ.. فلنْ تجدَ سُوى الريحِ موطئًا
*
تَشُدكَ أَزْرارُ اللَّهفةِ
وَقودُ حناياكِ دمي
*
توغّلْ.. توغّلْ
فلذيذُ الطعناتِ
آلامها
انتشاءٌ لا يَأْبه للتوقف ولا يَعْبَأ، وكل ما يحيط بالحبيبين متضافرٌ معلنًا مباركتَه، انتشاءٌ غيرُ مُكترِث بأسطورة أن الحب مسكنُه الأوحدُ الليل لا غير، ليعلنها مدوّيةً: أن صباح الليلة التي خامَرها الحب من أوّلها إلى منتهاها لا يقلّ دِفْئًا ولا يكُفُّ نَهَمًا، وقد أجاد النصّ حين ثنّى بالنداء مجدَّدًا (توغّلْ.. توغّلْ) إنه صباحٌ لم تُثْنِه ليلةٌ متخمةٌ بالحب عن المطالبة بالمزيد، المزيد من الحياة! حيث يغمُر كلّ ثنيّةٍ من ثنايا المحبوبين بالحب كما يتشبّع جدول الصباح بالضباب!
ليس رغبةً بالمزيد فحسب، بل إعلانٌ وإذْعانٌ، إعلانٌ بأن المنطق لا يسعفه استيعاب امتلاء الأماني في المحبوب، أمَانٍ تقفزُ على كل حدّ، وتمتطي صهوة اللاحَياء، وإذْعانٌ لتحليق المحبوب، فجناحاه من السَّعة التي لطالَما كانت حُلُمًا، ثمّ ماذا؟ فليحلّق المحبوب كيفما شاء؛ إذْ استحالَ الحبيبُ ريحا تجري، وتُزْجي أجنحةَ المحبوب على هوى أجنحته!
ويختمُ النص لوحتَه - المكتظّة بمُعاقرة الشعور - بامتزاجٍ يفيض منه الدّهَشُ والشَّدَهُ، فالرغبة ليست طيرا يحطّ في صدر أحدهما، أو طَيرين مستقلّان يحطان في صدر كلٍّ منهما، بل جسر متفاعلٌ ممتدٌ من الصدر إلى الصدر، فما يَعْتمِلُ في جوانح المحبوب هنا، يجتاح حنايا الحبيب هناك، درجةً وآنًا، وحينئذٍ يغدو النداء ملحمةً ثنائية: (توغّلْ.. توغّلْ) يتوغّلُ هو محلّقا، وتتوغّل هي سماءً، غير مبالين بأي ألمٍ يعبر الجسد، فالحبُّ يسكرهما لدرجة أنْ يكون الألمُ غايةً يُلِحّ بها الأحبة ويجتلِبوها: (توغّلْ) وحُقَّ عندئذٍ أن يكون (لذيذُ الطعناتِ آلامُها).
***
محمد سيف
........................
* النص من كتاب: يتهادى حُلما، ماجد الغَرْباوي، ص 81-83، مؤسسة المثقف العربي، أستراليا، الطبعة الأولى، 2025.
