أقلام حرة
صابر الحميدي: الحاضر ليس لحظةً عابرة بين ماضٍ يبتعد ومستقبلٍ يلوّح
بل هو الوطن الوحيد الذي نقيم فيه حقًّا.
الماضي… ظلٌّ طويل، نستظلّ به أحيانًا، ونرتجف منه أحيانًا أخرى. والمستقبل… وعدٌ جميل، لكنّه يظلّ فكرةً مؤجّلة، كنافذةٍ لم نفتحها بعد. أمّا الحاضر، فهو الهواء الذي يدخل صدرك الآن، النبضة التي تطرق قلبك دون استئذان، الضوء الذي يسقط على يدك وأنت تقرأ هذه الكلمات.
نحن لا نملك الأمس لنغيّره، ولا نملك الغد لنضمنه، لكننا نملك هذه اللحظة، بكلّ ارتباكها، بكلّ نقصها، بكلّ هشاشتها التي تشبهنا. أن تعيش الحاضر لا يعني أن تهرب من ذاكرتك، ولا أن تتخلّى عن أحلامك، بل أن تمنح الآن حقّه من الوعي، أن تأكل خبزك بامتنان، أن تصغي لصوتٍ يُنادى باسمك، أن تبتسم دون أن تؤجّل الابتسامة إلى مناسبةٍ قادمة.
كم من أعمارٍ ضاعت وهي تستعدّ للحياة! نؤجّل الفرح حتى يكتمل المشهد، ونؤجّل السلام حتى تنتهي العواصف، ولا ننتبه أنّ الحياة لا تُمنح دفعةً واحدة، بل تُعاش رشفةً رشفة.
الحاضر ليس مثاليًا، لكنه حقيقي. وفي الحقيقة وحدها تنبض المعاني. عِشه الآن… لا كمن يركض خلف الزمن، بل كمن يصادقه. لا كمن يخشى الفقد، بل كمن يعرف أنّ كلّ لحظةٍ عطيّة.
الحاضر هو المساحة الوحيدة التي نمتلكها فعلًا، فلا تحوّله إلى ممرٍّ عابر، بل اجعله بيتك، واسكُن فيه بكلّ قلبك.
***
صابر الحميدي







