اخترنا لكم
إبراهيم بورشاشن: في مديح الخلود
قصة البشر مع الخلود قصة عجيبة طريفة، لكنها مليئة بالعبر والحكم، فقد كان الإنسان مولعاً بالخلود ولعاً شديداً إلى درجة أن أبانا آدم كان الوهمُ الذي أسقطه من عليائه، ليستبدل بالدار الفانية خلوداً لا يداخله موت، وقصته مع حفيده داوود في هذا المعنى شهيرة أرّخها قوله صلى الله عليه وسلم «يقول نسي أبوكم فنسيتكم».
عنونت هذه المقالة بمديح الخلود وليس وهم الخلود، لأنه في الحقيقة وإنْ كان وهماً فقد نُسي كونه كذلك، ولفردريك نيتشه عبارة جميلة في هذا المقام يقول فيها: «الحقائق أوهام نسينا أنها أوهام»، وعندما تحثنا الحِكم على أن نعمل في دنيانا كأننا لا نموت أبداً، فهو نوع من تكريس هذا الوهم لأنه ضروري لعمارة الأرض التي نُدب إليها الإنسان، ولولا هذا الإحساس الكامن بفطرته بالخلود لما استطاع أن يقيم عمارة الأرض بهذا البذخ والجبروت الذي نراه اليوم. لذا اخترتُ المديح على الوهم، فهو وإنْ كان وهماً فخليق أن يمدحَ ويُنتصر له. ومن هنا فالشوق إلى الخلود لم ينتهِ مع أبينا آدم بل قَوي في أبنائه واستعرّ.
تخبرنا قصة جلجامش، هذه الملحمة البابلية القديمة، عن هذا النزوع القوي إلى الخلود شخصاً، فقد كان جلجامش يطمع في حياة لا نهاية لها، وتروي القصة المصاعب والمتاعب التي قاساها ليصل إلى نبتة الخلود، فما إنْ عثر عليها حتى هجمت عليها حيّة فابتلعتها فتركته كئيباً حسيراً.
إذا كان آدم عليه السلام وجلجامش قد أخطآ خلود شخصيهما، فإن النوع البشري لم يخطئه، على الأقل ما دامت السّماء هي السّماء والأرض هي الأرض، فقد كان لجوء الإنسان إلى التّعبير عن عقله وأشواقه وخططه بأشكال متنوعة نظرية وعملية وجمالية، أملاً في ذكرٍ لا ينقطع ضرباً، من خلود نجح فيه بشكل كبير.
فالأنبياء الذين قعّدوا للحضارة أخلاقها الكاملة لا يزالون يذكرون في جميع المحافل اللائقة بهم، وأساطين الشعراء الذين نَفثوا في البشرية روح المعاني الرفيعة التي نبتت منها العلوم أمثال هوميروس وهوزيود وشعراء المعلقات العرب وغيرهم، وقادة الفكر ممن أسّسوا للحضارة قواعدها من أمثال أرسطو وأوغسطين وأبو نصر الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم لا يزالون يذكرون في محافلهم، وكثير من الصروح العمرانية التي شيّدها الإنسان وبخاصة ما أصبح يسمى بعجائب الدنيا السبع القديمة، وهي عجائب وإنْ اندثر بعضها فإنها ظلّت في مخيلات البشر تنطق بتجلّي هذا الشوق العارم إلى الخلود ضداً على حدثان الزمان وصروف الدهر. ولعل هذا الشوق إلى الخلود هو الذي أنتج عجائب الدنيا الحديثة، كما جعل أبانا إبراهيم عليه السلام يدعو ربّه أن يجعل له ِذكراً في الآخرين، إذ لم يكن فيلسوف الأنبياء بمعزل عن هذا الشعور المضمّخ باللّانهائي البشري، والذي يمتد ما دام زمان الناس قائماً وأسواقهم عامرة، ولعل أفلاطون كان التعبير عن هذا بجلاء في محاورته الشهيرة «فيدون» في خلود النفس، والتي كان لها أثر كبير في حياة فلاسفة الإسلام.
لكن الإنسان الحديث، وقد تملّكه وهم الخلود تملكاً عجيباً أراد أن يجعله خلوداً شخصياً لا خلوداً نوعياً، وهو يمضي اليوم في أبحاثه المتعلقة بالجينوم البشري بحثاً عن إكسير الحياة. نعم قد يزيد العمر، وقد يتضاعف كما هو حال ليلة القدر عند المسلمين، لكن الخلود سيظل أجمل وهم إنساني يَؤزُّه إلى عمارة الأرض والضّرب فيها كأنه سيعيش أبداً، وهو وهم أحرى بمدحه من ذمّه، وأليق أن يشاد به من تخْسيسه.
***
د. إبراهيم بورشاشن
عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 20 فبراير 2026 00:53






