أقلام حرة
ثامر الحاج أمين: (الطرطور) في أمثالنا الشعبية
تُعَدُّ الأمثال والكنايات الشعبية مصدرًا مهمًّا لدراسة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للشعوب؛ لأنها تعكس الموروث الحضاري للمجتمع. كما تُسهم في دراسة طبيعة الشخصية وإطلاق الأوصاف المناسبة لها. فتراثنا، بكناياته وأمثاله الشعبية، وحتى في القليل من أشعاره، زاخر بالمفردات التي تعكس طبيعة الشخصية، سواء في ضعفها أو قوتها ودورها الاجتماعي. ومن بين هذه الشخصيات شخصية (الطرطور) وجمعها طراطير، التي جاءت في التراث لوصف الرجل ضعيف الشخصية الذي لا يملك زمام أمره ولا يُعتدّ برأيه.
وقد جاء وصفها بتعابير مختلفة، لكنها اتفقت جميعها على أنها شخصية هامشية مسلوبة الإرادة. ولم يقتصر تداول هذه المفردة على تراثنا الشعبي العراقي فحسب، بل هي متداولة في عدد كبير من تراث الشعوب. ففي الشام يُطلق على الرجل الذي يبالغ في الاهتمام بزوجته ويأخذ بمشورتها في أي تفصيل أنه “طرطور الست” أو “طرطور مرتو”. وكذلك في اليمن تُقال في الرجل التافه الذي لا قيمة له. وفي ليبيا تعني الرجل الذي ليس له رأي ويمشي وراء الجميع. وكذلك الحال في السودان، حيث تُطلق على الرجل البطّال الذي لا يعمل، والتافه الذي لا يفقه شيئًا ويمكن قيادته بسهولة.
أما في تراثنا الشعبي العراقي فهناك كمٌّ كبير من الكنايات والأمثال التي تناولت شخصية الطرطور، ومن بينها المثل الأكثر تداولًا: (لا يهشّ ولا ينشّ)، وتُقال في الشخص الخامل عديم الفائدة الذي لا يُرجى منه خير؛ فهو لا يهشّ، أي لا يطرد الذباب، بمعنى أنه لا يعمل، ولا يملك جرأة أو حركة، ولا ينشّ أي لا ينتج. ليكون غيابه كحضوره، فهو الكسول قليل الحيلة، أو الهامشي الذي لا قيمة فعلية له في المواقف، كما يقال في ضعيف الشخصية العاجز عن انجاز أي مهمه ولا يعتمد عليه في ابسط الأمور (ما يحل رجل الدجاجة)، ويعود أصل المثل إلى بائعي الدجاج قديمًا الذين كانوا يربطون أرجل الدجاج بحبل، ويُقال للشخص الذي لا يملك القدرة أو المهارة لفك هذا الحبل وتخليص الدجاجة.
وتأتي أيضًا في وصف المسؤول الذي تُنسب إليه المناصب الشكلية أو الفخرية المقيّدة، فيُقال فيه: (لا يحلّ ولا يربط). وشبيه له المثل (خصوة على جحر)، ويُضرَب للسخرية من الرئيس أو المدير الذي يُفرض من قبل جماعة معينة لكنه مجرد واجهة؛ فهو كـ“الخصوة” (البيضتين) الموضوعتين على فتحة “الجحر” دون أن تؤديا وظيفة حقيقية. فهو الشخص البارد عديم الفائدة الذي لا يتدخل ولا يحرّك ساكنًا، برغم ما يحصل أمامه من أمور تستدعي التدخل.
وفي الاستخدام الاجتماعي الساخر من أشباه الرجال يُقال (خراعة خضره)، وهي دمية أو فزّاعة تُصنع على هيئة إنسان وتوضع في المزارع بهدف إخافة الطيور وإبعادها عن المحاصيل الزراعية لتلافي أكلها أو إتلافها. ولها ما يقابلها عند المصريين بـ (خيال مآتة) و(نطّار) و(رجل القش) نسبة إلى القش الذي تُصنع منه خراعة الخضرة. وكلها تشير إلى أشباه الرجال الذين تنقصهم الرجولة ولا يتمتعون بمزايا الشخص الطبيعي.
وفي المعنى نفسه هناك المثل القائل: (مثل كركوشة الخرج لا يعدل ولا يميل). والخرج بمثابة حقيبة تُوضع على ظهر الدابة ويضع فيها الراعي حاجاته مثل التمر والماء والخبز. وعادة ما يُزيَّن الخرج بخيوط ملوّنة تُجمع وتُعقد فتصبح كالوردة يضعها الراعي للزينة فقط؛ فهي لا تُعدّل الخرج إذا مال عن ظهر الدابة، وليس لها دور في إرساء توازنه. ويُضرَب المثل للذين يبدو عليهم الوقار والمظهر الحسن، لكنهم في الحقيقة ليس لهم دور اجتماعي يُذكر.
كما تناولت أمثالنا معاناة المرأة مع الرجل الذي يتولى مسؤولية غير جدير بها، حيث هناك عدد من الأمثال التي تشكو فيها المرأة من الرجل الخامل الضعيف، فتقول فيه: (اسمك رجل يكعّيم عن وحشة الليل). وقصة هذا المثل تحكي عن فتاة جميلة أُجبرت على الزواج من رجل اسمه كعّيم. وفي ليلة الدخلة، وعندما مرّ ثلثا الليل، نام كعّيم بينما بقيت هي ساهرة، فقالت هذا المثل تندب حظها العاثر الذي ساق إليها هذا الطرطور. واليوم ما أكثر من يتقلد زمام الأمور وهو ليس أهلًا لها، وبالتالي ما أكثر إخوة كعّيم وأمثاله في هذا الوقت، مع الأسف.
***
ثامر الحاج أمين







