أقلام حرة
أكرم عثمان: حين يضيق القلب.. ويتسع الإنسان
يمر الإنسان في حياته بمحطات يشعر فيها بأن صدره قد ضاق، وأن الأشياء من حوله لم تعد كما كانت، وأن المعاني في الحياة ورونقها التي كان يستند إليها بدأت تهتز أو تبتعد. في تلك اللحظات، لا يكون الضيق مجرد شعور عابر ومؤقت، بل تجربة عميقة تمس الفكر والمشاعر والروح معاً. إنه حالة يعيشها الإنسان بكليته وتتفاعل معها جميع مكنوناته ودواخل نفسه، تتداخل فيها ضغوط الحياة مع صراعاته الداخلية، وتكشف له جانباً من ذاته ربما لم يكن يراه من قبل.
الضيق ليس ضعفاً كما يظن البعض، وليس دليلاً على الانهيار والإنكسار، بل هو في كثير من الأحيان علامة على وعيٍ يتشكل، أو سؤال يبحث عن إجابة، أو معنى لم يكتمل بعد. فالإنسان الذي يشعر بالضيق هو إنسان حي، يتفاعل مع ما حوله، ويتأثر، ويحزن ويفرح ، ويبحث، ويجتهد في فهم ذاته والعالم من حوله. ولهذا، فإن الضيق قد يكون بداية تحول مهمة، لا نهاية طريق.
حين يضيق الإنسان، فإن أول ما يتأثر هو داخل ذاته؛ أفكاره تتزاحم وتتناثر، ومشاعره تثقل وتتشعب ما بين خوف وحزن وإحباط، وقد يشعر وكأن كل شيء قد فقد توازنه. لكنه في الحقيقة يكون أمام فرصة لإعادة ترتيب هذا الداخل الذي هو بحاجه إلى تنظيمه وإعادة صياغته وتشكيله بصورة أكثر قوة وتحصين نفسي وروحي، لإعادة النظر في طريقة تفكيره، وفي تفسيره لما يحدث حوله. فالحدث نفسه قد لا يتغير، لكن طريقة رؤيته له يمكن أن تتغير وتصبح أكثر وعياً وإحاطة بالظروف والأحداث بشكل أكثر منطقية، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي في النظرة والرؤية الإيجابية ذات النفع والقائدة المرجوة له.
كثير من الضيق الذي نعيشه لا يأتي فقط من الواقع الذي نعيشه، بل من الطريقة التي نحمله بها داخلنا. من تضخيم بعض الأمور دون الحاجة لذلك، بل هي مجرد وهم وتفسير زائد للحدث أو الموقف، أو من جلد الذات وإشعارها بالتقصير والضعف والهوان، أو من توقعات غير واقعية، أو من رغبتنا في أن تسير الحياة وفق ما نريد تماماً وبمثالية زادة عن الحد. وعندما لا يحدث ذلك، نشعر بالاختناق وتتغير أحوالنا ، ونبدأ بتفاعل معها بشكل سلبي بدل الهدوء والانضباط عندما نتعرض لها، وكأن العالم قد ضاق بنا، وإنسدت الآفاق فينا، بينما الحقيقة أن المساحة الداخلية هي التي تحتاج إلى إعادة اتساع وصبر وثبات.
وفي خضم هذا الضيق، يبحث الإنسان عن مخرج، عن شيء يعيد له توازنه وطمأنينته. " وفي ضوء هذا الفهم التكاملي، تتجلى أهمية النظر إلى الضيق النفسي بوصفه تجربةً يمكن إدارتها والتعامل معها بآليات تجمع بين البعدين الروحي والعلمي. ففي الوقت الذي يوجه فيه القرآن الكريم الإنسان إلى ممارساتٍ كالذكر والصلاة والتسبيح والدعاء والتوكل على الله؛ نجد في (التفسير المنير) توضيحاً لذلك، حيث سلى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97]، أي: نعلم يا محمد أن سخرية المشركين تسبب لك الضيق والانقباض، فلا يمنعك ذلك من إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك، والجأ إليه لزوال هذا الضيق. ثم أمره سبحانه بالتسبيح والعبادة بقوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 98-99]، أي: داوم على ذكر الله وتسبيحه وعبادته عبر الصلاة حتى يأتيك اليقين، وهو الموت الذي لا مفر منه".1
وأن البعض قد يجده في الحديث مع شخص قريب، والبعض في العزلة المؤقتة، والبعض في التأمل أو الدعاء أو إعادة ترتيب حياته. وكل هذه الطرق، مهما اختلفت، تشترك في أنها تعيد الإنسان إلى ذاته وتجدد حياته، وتمنحه فرصة ليهدأ، ويرى الأمور بوضوح أكبر.
ومن أهم ما يساعد الإنسان في هذه اللحظات أن يدرك أن الضيق لا يدوم، وأن ما يشعر به الآن ليس حكماً نهائياً على حياته. فكم من لحظة ضيق كانت بداية لفهم جديد وتغير سديد وناجح، وكم من أزمة فتحت باباً لم يكن ليفتح لولاها والظروف التي احاطت بها. الضيق قد يكون قاسياً ومؤلماً، لكنه أحياناً يحمل في طياته بذور التغيير والخير والنفع والسمو والرفعة والمكانة.
كما أن وجود الآخرين في حياة الإنسان يلعب دوراً كبيراً في تخفيف هذا الشعور وتسليته وحمل جماعي وتحد مشترك له. فالكلمة الطيبة، والاستماع الصادق، والدعم الحقيقي، يمكن أن يخفف الكثير من ثقل الضيق وهموم المرحلة. الإنسان لا يعيش وحده وليس بمعزل عن الآخرين ، هو في الحقيقة كائن اجتماعي يتفاعل ويأنس بغيره وهم بجواره ومحيطه، ومشاركته لما يشعر به قد تكون خطوة مهمة نحو التعافي والدعم والمساندة.
ومع ذلك، يبقى الجزء الأهم هو العلاقة التي يبنيها الإنسان مع نفسه. كيف يتحدث معها؟ كيف يفسر ما يمر به؟ هل يقسو عليها أم يحتويها؟ هل يراها ضعيفة أم يراها في طريقها للنمو؟ هذه الأسئلة تصنع الفارق الحقيقي بين أنسان وعى ففهم واستفاد من تجربته وآخر قد يرى نفسه ضائقاً به صدره لا يتحمل ولا يقوى على المواجهة والهم الذي يلازمه وينخص عليه حياته، فيتلاشى ويضعف رويداً رويداً حتى تذبل حياته وينتعد عن المشهد وينعزل عن واقعه ويثقل بالهموم. فالإنسان الذي يتعامل مع نفسه برفق ووعي، يكون أقدر على عبور الضيق، وتحويله إلى تجربة تعلم ونضج.
إن الضيق، رغم صعوبته، يحمل رسالة. رسالة تدعونا للتوقف، للتفكير والتأمل، لإعادة التوازن، وربما لتغيير بعض المسارات والمسلكيات. هو ليس دائماً شيئاً يجب الهروب منه، بل أحياناً يحتاج إلى مواجهته وأن نقترب منه، نفهمه، ونستمع لما يحمله لنا من الخير والنفع وتقوية الذات والأواصر بين الناس.
وفي النهاية، حين يمر الإنسان بتجربة الضيق ويتعامل معها بوعي وادراك، فإنه لا يخرج منها كما دخل. يخرج أكثر فهماً لنفسه، أكثر قدرة على التكيف والتوافق مع الناس والمستجدات واكتساب الخبرات، وأكثر نضجاً وتماسكاً ومنعة وقوة في نظرته للحياة ولمن حوله. قد لا تختفي التحديات، لكن طريقته في التعامل معها تتغير ويكون لديه رصيد كاف من القدرة على مواجته والصمود أمامه، وهذا هو الفرق الحقيقي. فالضيق قد يضيق بالقلب لحظة، لكنه قد يوسع الإنسان عمراً كاملاً ويكسبه قوة التحمل والصلابة والثبات في مواقف الحياة وشدتها.
***
د. أكرم عثمان
5-4-2026
......................







