أقلام حرة
ثامر الحاج امين: (الخلود) بين الجسد والتاريخ
إنَّ التطلع إلى الخلود واحدةٌ من الأفكار التي استحوذت على تفكير الإنسان، فسعى عبر أزمانٍ متواصلة إلى تحقيق هذه الفكرة، ولعلَّ ملحمة كلكامش (2700–2000 قبل الميلاد) واحدةٌ من أبرز وأقدم القصص الملحمية التي تناولت رحلة البحث عن الخلود وجسّدت الصراع الأبدي بين الإنسان والموت. وظلت هذه الفكرة مصدر إلهام وبحث للعديد من الفلاسفة والعلماء، وكذلك الأدباء الذين اختاروا موضوعات ترمز إلى الخلود التاريخي ومن بينهم الروائي التشيكي (ميلان كونديرا 1929–2023)، الذي اتخذ "الخلود" عنوانًا لواحدة من أهم رواياته التي عالجت فكرة الخلود من زاوية رمزية وهي أن يظل الإنسان حيًا في الذاكرة والتاريخ عبر أسماء مثل نابليون بونابرت ولودفيغ فان بيتهوفن وإرنست همنغواي وكان يرمز بها إلى الخلود التاريخي لا الخلود الجسدي. وكذلك الروائي البرتغالي (أندريه أوليفيرا) كتب رواية (ماراثون الخلود)، التي تتبّع فيها حياة عدّاء رياضي وحلمه بحياة أفضل من خلال كفاحه للفوز بالماراثون الأولمبي، لكن الموت يقف حائلًا أمام تحقيق أمنيته.
أما العلماء، فقد سخّروا أفكارهم وكرسوا تجاربهم لتحقيق الخلود الجسدي، وكان من أبرزهم عالم الفيزياء الأمريكي روبرت إيتينجر (1918–2011)، الملقب بـ"أبو علم التجميد"، الذي طرح في كتابه (آفاق الخلود) الصادر عام 1962 فكرة تجميد جثث الموتى علميًا على أمل إحيائهم مستقبلاً بفضل التطور العلمي، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، قام بتأسيس "معهد التجميد"، حيث تم تجميد جثث أفراد عائلته بعد وفاتهم أملًا في تحقيق الخلود، وسرعان ما تلقفت السينما هذه الفكرة، فقامت بترجمتها في فيلم سينمائي بعنوان "الغيبة الطويلة"، شاهدته في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ويحكي قصة حب بين شابين. تتعرض فيه الحبيبة إلى مرض غريب، يتفق الأطباء على أنه يمكن التوصل إلى علاج للمرض بعد 25 عامًا من التجارب. ولشدة تعلق الشاب بحبيبته، واستعداده للتضحية بكل ما يملك من أجل إنقاذ حياتها، يتم الاتفاق مع الفريق الطبي المشرف على علاجها على تجميدها لحين حلول الموعد المتوقع، وبعد انقضاء المدة، ينجح الفريق الأطباء في التوصل إلى العلاج ويتمكنون من شفائها، فتعود الحبيبة إلى الحياة وهي ما تزال شابة، محتفظة بنضارتها وحيويتها كما كانت عليه هيئتها عند تجميدها، إذ إن النمو قد توقف ولم تتأثر بعامل الزمن بفعل التجميد، غير أن الصدمة تقع حين يحضر حبيبها لمقابلتها فلا تتمكن من التعرف عليه بسبب التغيرات التي طرأت على شكله، وذهاب جانبٍ من ألق شبابه، ليصبح الفارق بينهما في العمر كبيرًا، ففكرة الفيلم تقول: حتى لو انتصر العلم على الموت، لكنه يستحيل الانتصار على الزمن.
مساكين العلماء.. كانوا يأملون في "هزيمة الموت" بإعادة الجثث المجمدة إلى الحياة، ولكن الزمن كان القوة القاهرة التي هزمت الحب وانقضّت عليه، فالموت ليس وحده هو الخصم انما هناك الزمن الذي يؤثر في بنية الكائنات ويعمل على اختلال العلاقات وتدهور العاطفة.
***
ثامر الحاج أمين







