أقلام حرة
حميد القحطاني: وهم الاكتمال
لقد تعلّم الإنسان الحديث كيف يشطر الذرّة، لكنه لم يتعلّم بعد كيف ينفذ الى أعماق ذاته. استطاع أن يختصر المسافات بين القارات وأن يملأ العالم بالضجيج والاتصال لكنه ازداد بعدًا عن نفسه. وهذه ليست أزمةً أخلاقية عابرة، بل مأزق حضاري كامل لأن الإنسان حين يفقد صلته بذاته، لا يفقد مجرد معرفة داخلية، بل يفقد البوصلة التي تمنح المعرفة معناه والقوة غايتها والحياة اتجاهها.
إن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل بالعالم، بل الجهل بالنفس. فالأول قد يُنتج إنسانًا متأخرا أما الثاني فيُنتج إنسانًا يمتلك أدوات الحضارة ويعجز عن فهم لماذا يستخدمها. ولهذا لم يكن قول الامام علي (ع): ”من عرف نفسه فقد عرف ربه“ حكمة أخلاقية فحسب، بل كان كشفا عن قانون وجودي عميق: الإنسان لا يبلغ الحقيقة الكبرى الا عندما يمر عبر حقيقة ذاته.
غير أن الذات التي يكتشفها الإنسان أول الأمر ليست ذاتاً مطمئنة. إنه لا يعثر في أعماقه على الكمال الذي تخيّله، بل على النقص. يكتشف أن علمه محاط بالمجهول وأن قوته يجاورها الضعف وأن يقينه نفسه قابل للاهتزاز. وهنا تحديداً تبدأ الرحلة الحقيقية، لأن معظم البشر لا يعيشون داخل حقيقتهم، بل داخل صورة متخيلة عنها. إنهم يقاومون رؤية هشاشتهم فيلوذون بالغرور أو الاستهلاك أو الضجيج أو أوهام النجاح. ذلك أن الإنسان يخشى الاعتراف بنقصه أكثر مما يخشى الفشل نفسه.
لكن النقص ليس مأساة الإنسان، بل مصدر حركته. فالكائن الكامل لا يبدع لأنه لا يحتاج الى الإبداع أصلًا. أما الإنسان فإنه يتحرك لأنه يشعر - بوعي أو بغير وعي - بأن هناك مسافة تفصله عما ينبغي أن يكونه. ومن هنا أدرك ألفرد أدلر أن الشعور بالنقص هو المحرك الخفي للفعل البشري. غير ان الرؤية الروحية تمنح هذه الفكرة بُعدا أعمق، فالإنسان لا يهرب من نقصه فقط، بل ينجذب من خلاله نحو معنى أعلى نحو صورة من الكمال تتجاوز وجوده المحدود.
ولهذا فان الإبداع في جوهره ليس ترفا ثقافيا، بل قلق وجودي يبحث عن خلاصه. فالمبدع الحقيقي لا يكتب لأنه مكتف ولا يرسم لأنه مرتاح ولا يكتشف لأنه راض عن العالم. إنه يفعل ذلك كله لأنه يشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً وفجوة خفية بين الواقع وما ينبغي أن يكون. وكل عمل عظيم في التاريخ كان بطريقة ما محاولة لرأب هذا التصدع بين الإنسان وصورته المثالية.
ولعل هذا ما يفسّر أن الحضارات والدول لا تولد في لحظات الرفاه، بل في لحظات القلق الكبرى. فحين تفقد أمة ما شعورها بالنقص تبدأ في التآكل من الداخل. الحضارات والدول التي تظن أنها بلغت نهايتها تدخل - دون أن تدري - في مرحلة أفولها. ذلك أن الشعور بالاكتفاء هو بداية الجمود، والجمود هو الصورة البطيئة للموت الحضاري. أما المجتمعات الحية فهي تلك التي تظل مشدودة الى أفق أعلى من واقعها، تشعر دائماً بأن ما لم تحققه أعظم مما حققته.
ومن المفارقات الجوهرية أن الإنسان لا يستطيع ادراك نقصه الا لأنه يحمل في داخله فكرة ما عن الكمال. فالإحساس بالقصور يتضمن ضمنًا الإيمان بوجود معيار أسمى. العالم لا يشعر بجهله الا لأنه يلمح اتساع الحقيقة خلف ما يعرفه والفنان لا يعاني من محدودية عمله الا لأنه يرى جمالاً أعظم من قدرته على التعبير. ولذلك فإن معرفة النفس لا تنتهي عند حدود النفس، بل تتجاوزها نحو المعنى الأعلى للوجود، لأن الإنسان في أعمق أعماقه ليس كائناً يطلب الأشياء بقدر ما يطلب المعنى.
وبهذا يظل القلق ملازمًا للعظماء. كلما اقتربوا من الحقيقة اكتشفوا اتساع المجهول وكلما أنجزوا شيئًا أدركوا حدود ما أنجزوه. ان الإنجاز الحقيقي لا يولّد الغرور، بل يولّد التواضع لأن الإنسان حين يقترب من المعرفة يرى بوضوح أكبر حجم ما يجهله. أما الغرور فغالبًا ما يكون تعويضا عن فراغ داخلي ومحاولة يائسة لإخفاء هشاشة لم تُفهم بعد.
لقد منحت الحضارة الحديثة الإنسان قدرة هائلة على السيطرة لكنها لم تمنحه بالضرورة القدرة على الفهم. وهنا تكمن المأساة: فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف نفعل الأشياء لكنه لا يجيب دائما عن سؤال: لماذا نفعلها؟ ولهذا فإن العالم الذي يفقد البعد الروحي والأخلاقي يتحول بسهولة إلى آلة ضخمة بلا غاية. ان القوة حين تنفصل عن معرفة النفس تصبح قادرة على تدمير الإنسان باسم تقدّمه نفسه.
أما الإنسان الذي يعرف نفسه حقًا فإنه لا يسقط في عبودية الإنجاز ولا في وهم الاكتمال. إنه يدرك أن نقصه ليس عيبًا ينبغي اخفاؤه، بل طاقة ينبغي تحويلها إلى خلق وتجاوز. ومن هنا يصبح الوعي بالذات فعلًا حضاريا لا تمرينا نفسيا. فالحضارة لا يصنعها الإنسان الواثق بنفسه على نحو اعمى، بل الإنسان القادر على رؤية هشاشته وضعفه دون أن ينهار، وعلى إدراك محدوديته دون أن يفقد شجاعته.
وربما كانت مأساة الإنسان الكبرى أنه تعلّم كيف يقيس المجرّات البعيدة، قبل أن يتعلّم كيف يفهم الفراغ الكامن في روحه.
***
حميد علي القحطاني







