عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

غريب دوحي: عمليق والعمالقة.. بحث في تاريخ الشرق القديم

يُقَسّم النسابون العرب إلى طبقتين كبيرتين: الأولى: العرب البائدة وهم القبائل التي اندرست آثارها وهم تسع: عاد وثمود وطسم وجديس واميم وعبيل وجرهم وجاسم وعمليق ويسمونهم العرب العاربة. الثانية: وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم ويسمونهم العرب المستعربة. الأولى من نسل (ارم) بن سام بن نوح إلا العمالقة فأنهم من نسل (لاوذ) بن ارم بن سام بن نوح وقد ورد ذكرهم في التوراة كما ورد ذكرهم في القرآن مثلاً للكبرياء والجبروت الذين أديا بهم إلى التهلكة، (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) سورة هود، الآية59

من هم العمالقة..؟

العماليق أو العمالقة سمو نسبة إلى جدهم (عمليق) ويرجع أصله إلى سام بن نوح، ويعتبر العمالقة من أقدم طبقات العرب وقد تفرقوا في أرض الجزيرة وتوزعوا إلى قبائل سكنت في عمان والحجاز والشام والعراق ومصر. ويقال ان (عمليق) قد جاء من بابل وذكرتهم التوراة في مواضع عدة ونسبتهم إلى (عيسو) بن اسحق، وعرف عنهم أنهم كان يضرب بهم المثل في الطول وضخامة الأجسام. كما عرف عنهم شجاعتهم وشدة بأسهم وهم أول شعب حارب العبرانيين بعد خروجهم من مصر في طريقهم إلى فلسطين وظلوا يحاربونهم فترات طويلة وذكرتهم التوراة بأنهم كانوا مصدر إزعاج لإسرائيل (.. واتى عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم فقال موسى ليشوع: انتخب لنا رجالاً واخرج حارب عماليق. وغداً أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدي). سفر الخروج: 17: 8.

وقد انتهت المعركة بهزيمة العماليق. وتستمر التوراة في القول: فقال الرب لموسى (أكتب هذا تذكاراً في الكتاب. وضعه في مسامع يشوع بأني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء) سفر الخروج

أما طسم وجديس فكانت مساكنهم اليمامة وما حولها من البحرين وترتبط بهاتين القبيلتين قصة زرقاء اليمامة. ويرى بعض الباحثين ان الفلسطينيين هم الجبابرة الذي ورد ذكرهم في التوراة وفي القرآن، أي العمالقة.

ويؤخذ مما كتبه أحمد سوسه (أن العماليق اسم قبائل قدماء العرب وهم أصل قبائل سائر العرب البائدة وهم اسم شملهم جميعاً وكانت مواطنهم تمتد من حدود مصر إلى فلسطين وكان البابليون يطلقون عليهم اسم (ماليق) وأضاف إليها اليهود لفظ (عم) بمعنى الشعب فقالوا (عماليق) وتؤيد التوراة أنهم أول الشعوب التي كانت مساكنهم تمتد من مصب النيل إلى هيت على الفرات وقد فتح العمالقة مصر وسماهم اليونانيون (هسكوس). العرب واليهود في التاريخ، أحمد سوسه، ص857. ويسميهم أحمد سوسه أيضاً بالعموريين العمالقة الذين يمثلون الهجرة الثانية الكبرى من جزيرة العرب وقد استقروا في الشام وفلسطين وأسسوا دولة (عمورو) وعاصمتها (ماري) كذلك أسسوا دولة بابل القديمة التي أشهر ملوكها الملك (حمورابي) 179201750 ق.م

عوج بن عناق: حقيقة أم أسطورة

يدخل اسم (عوج بن عناق) ضمن النسق الأسطوري الذي يعبر عن تفوق القوة الخارقة لبعض البشر حيث نسج العقل البشري آنذاك مشاهد أسطورية ضمن مسلسل الأساطير كقصة أرم ذات العماد وناقة صالح وطسم وجديس فضلاً عن خرافة التعملق الجسدي الذي تمثل في (عوج) الذي ورد ذكر اسمه في أسفار التوراة غير أن اسمه لم يرد بشكل صريح في القرآن، وقد ذكرت بعض المصادر أنه من بقية الجبابرة وكان هائلاً في قامته وان طوله 333,23 ذراع وعرضه أربعة أذرع وكان ملكاً على مقاطعة (باشان) في أرض كنعان وان سكانها من الكنعانيين التي تصفهم التوراة (بأنهم عشيرة من الجبابرة كان لهم ملك يدعى (عوج) وكان جباراً قامة وبأساً: سفر التثنية 3: 11. حاول عوج أن يمنع مرور الموسويين في أرضه في عهد موسى غير أنه هزم وقتل هو وبنوه وطرد أتباعه من وطنهم. سفر العدد 21: 34.

ويأخذ مشهد (عوج) بعداً أسطورياً فقيل أنه كان يحتجز السحاب ويشرب منه الماء وكان يتناول الحوت من قرار البحر ثم يأكله بعد ان يشويه في عين الشمس، ويروى أن الطوفان في عهد نوح لم يتجاوز ركبته.

وتستمر الأسطورة قائلة: (تذكر كتب الأنساب ان لآدم بنت كان اسمها (عناق) وهي أم (عوج) وأنها كانت مشوهة الخلق إذ كان لها رأسان ويمكن ان يكون هذا ناتج عن بويضة غير متكاملة الانقسام وخصوصاً وان كتب التاريخ تذكر أن حواء كانت دائماً تلد توائم باستثناء ولادتها (عناق) وتذكر كتب التاريخ ان لها عشرة أصابع وهذا التشويه الخلقي جعلها معقدة نفسياً وقد ولدت ولداً أسمته (عوج) حيث كان عملاقاً وقوياً وباغياً وقد نجا من طوفان نوح بسبب طوله وكان موته على يد النبي موسى الذي قتله بمعجزة سماوية إذ أستطاع موسى ان يرفع أحد الجبال ويدخل رأس (عوج) تحته حتى مات..) غرباء وخارقون، فريد مجيد، ص99-100.

ويتكرر هذا المشهد الأسطوري الجميل بشكل آخر قائلاً.. (أن عناق وهي أم (عوج) فإن كل أصبع من أصابعها طوله ثلاثة أذرع وفي رأس كل أصبع ظفران حديديان مثل المنجلين وهي أول من بغى على وجه الأرض ولهذا أرسل الله عليها أسوداً كالفيلة فقتلوها. وقد ولدت عوجاً الذي عمر حتى أدرك الطوفان وطلب سفينة نوح لكي يغرقها وامتد به العمر حتى أدرك موسى وأمر موسى قومه ان يرتحلوا إلى أريحا قرية (الجبارين) ولقي (عوج) جماعة موسى فوضعهم على رأسه وسار بهم إلى امرأته ونثرهم أمامها يريد طحنهم فقالت امرأته بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم فتركهم. ثم ذهب (عوج) إلى الجبل وحفر صخرة على قدر معسكر موسى وحملها ليلقيها عليهم فبعث الله هدهداً فنقر الصخرة وزلت من رأسه إلى عنقه فوثب عليه موسى وقومه وأجهزوا عليه حتى مات..) مضمون الأسطورة في الفكر العربي، د. خليل أحمد خليل، ص33-34.

فقرية (أريحا) الفلسطينية كانت مركزاً لتواجد الجبابرة ولهذا نرى ان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يردد في خطاباته مفتخراً: (ان شعب فلسطين هو من نسل الجبارين) ويقصد العمالقة الذين كانوا يتغلبون في مرات عديدة على العبرانيين ويلحقون بهم الهزائم.

هل العمالقة هم الهكسوس .. ؟

تعرضت مصر خلال تاريخها الفرعوني في عصر المملكة الوسطى وتحديداً في عام 1785 ق. م إلى غزو قبائل بدوية أطلق عليها اليونانيون اسم (الهكسوس) وسماهم المصريون (ملوك الرعاة) و(حكام البلاد الأجانب) وكانوا يتمركزون في الشام وقد عبروا إلى مصر عبر صحراء سيناء واحتلوا (الدلتا) وبنو لهم عاصمة فيها إلا أن مدينة (طيبة) وقد رفعت راية الكفاح المسلح بقيادة ملكها (أحمس) استطاعت طردهم نهائياً من مصر. فهل كان هؤلاء الهكسوس هم العمالقة أنفسهم حيث كانوا يسكنون حدود مصر وقد أغرتهم أرض مصر الخصبة وجريان النيل فيها ليطفئوا ظمأ وجوع الصحراء القاسية التي كانوا يعيشون فيها؟ ذكرت آراء متعددة في هذا الصدد منها ما قاله الدكتور هاشم الملاح.. (اطلق اليونانيون على أبناء القبائل البدوية التي كانت تنتقل بين بوادي الشام وشبه جزيرة سيناء والذين توغلوا إلى مصر وتمكنوا من إقامة دولة لهم فيها حوالي سنة 1671-1570 ق. م اسم (الهكسوس) ويعني (ملوك الرعاة) كما أطلق المصريون عليهم اسم (الشاسو) ومعناها (العربي) أو (البدوي) أما المصادر العربية القديمة فقد أسمتهم (العمالقة). الوسيط في تاريخ العرب قبل الإسلام، الدكتور هاشم يحيى الملاح، ص48.

ويرى بعض المؤرخين ان النبي يوسف هاجر إلى مصر في زمن الهكسوس حيث عثر على (جعارين) من عهد الهكسوس تحمل اسم (يعقوب ايل) – والجعران عند قدماء المصريين تمثال لحشرة سوداء من نوع الخنافس قدسها المصريون وجعلوا منها تميمة وحلية – والمعروف انه صحبت هجرة الهكسوس إلى مصر هجرات كثيرة وليس من البعيد ان يكون من بينهم أصحاب يعقوب ويوسف. وقد يكون هذا هو سبب الخلط بين الهكسوس واليهود عند بعض المؤرخين حيث يرى قسم منهم ان الهكسوس هم اليهود وقد حكموا مصر لتبرير سيطرة اليهود على مصر باعتبارها جزء من أرض إسرائيل.

أما المؤرخ المصري (مانيثون) والذي كان معاصراً لاحتلال الهكسوس مصر فقد وصف الاحتلال في كتابه قائلاً: (في عهد الملك (يتماوس) أصابتنا نقمة من الإله فاندفع نحونا أقوام مجهولون الأصل جاءوا من المناطق الشرقية وكانوا من الجسارة إلى الحد الذي جعلهم يقومون بغزو بلادنا وقد أخضعوا البلاد بسهولة دون ان نخوض معركة معهم وعندما تمكنوا من هزيمة ملكنا أقدموا على إحراق المدن وإتلاف معابد الآلهة وعاملوا جميع السكان بوحشية بالغة فذبحوا البعض واسترقوا أبناءهم وزوجاتهم ثم جعلوا واحداً منهم ملكاً على البلاد).

إن (مانيتون) لم يصرح بأن المحتلين (هكسوس) ولم يسمهم بهذا الاسم بل اكتفى بالقول بأنهم مجهولي الأصل رغم أنهم جاءوا من المناطق الشرقية وهي بالطبع بلاد الشام ولم يقل كذلك بأنهم عرب أو من القبائل العربية وقال أنهم أخضعوا البلاد بسهولة دليل تفوقهم على المصريين لأنهم كما تقول كتب التاريخ أنهم – أي الهكسوس – كانوا قد استعملوا في حروبهم الخيول والعربات الحربية وهي آليات حربية حديثة قياساً إلى ذلك الوقت ولم يكن أهل مصر يعرفونها آنذاك فضلاً عن أن استعمال العربات والخيول قد أبعد صفة البداوة عنهم فالبدوي لا يجيد استعمال العربة الحربية لأن إستراتيجيته الحربية تقوم على مبدأ الكر والفر وقد أعطى هذا الأمر أحد المؤرخين إلى القول بأن الذين احتلوا مصر ليسوا من العمالقة أو العرب (البدو) وإنما نزلوا إلى مصر من آسيا الصغرى (تركيا الحالية) والذين كانوا في حروبهم أكثر تطوراً من عرب البادية الذين كانوا أقوام متنقلة بين شمال الحجاز وفلسطين حتى شبه جزيرة سيناء ولم يكونوا بذلك مؤهلين إلى احتلال مصر لفقدانهم الآليات العسكرية اللازمة للاحتلال.

***

غريب دوحي