عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ستار الزهيري: حين يصبح الواقع أقسى من كل النظريات

ليس كل من قرأ الحياة عرفها، وليس كل من حفظ الكتب أدرك حقيقتها. قد تقضي عمراً بين صفحات الكتب، لكنك قد تعجز عن فهم صفحة واحدة من كتاب الحياة. تقرأ عن الفاجعة، فتتأثر بها، لكنك حين تعيشها يصبح لكل كلمة طعم آخر، ولكل دمعة معنى آخر. يروي التاريخ الأحداث ببرود الحروف، أما الواقع فيكتبها بحرارة الدم والدموع.

وحين تفتح كتاباً لكاتب تحبه، فإنك كثيراً ما تدخل إليه محاطاً بهالة من الإعجاب، فتقرأ بعين المريد لا بعين الناقد، فتسلم له بما يقول، وتغلق باب السؤال قبل أن تفتحه. قد يبدو هذا الحديث بعيداً عن واقعنا، لكنه في الحقيقة هو واقعنا نفسه.

إننا لا نقرأ الحياة من زاوية همومنا، بل نقرأها من زاوية هموم الآخرين. أما الذين تصدّوا لقراءة همومنا، فقد كانوا منشغلين بمصالحهم وهمومهم هم، لذلك جاءت النتائج دائماً بعيدة عن آلامنا، وقريبة من مكاسبهم. أصبح فقرنا مشروعاً للاستثمار، وأصبحت معاناتنا طاولة يتفاوض عليها المستربحون.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل الواقع الاجتماعي هو الذي يصنع معارفنا، أم أن معارفنا هي التي تصنع الواقع؟

أخشى أن الحقيقة أكثر قسوة مما نحب أن نعترف به... فالواقع هو الذي يصوغ شخصياتنا، ويحدد اقتصادنا، ويؤثر حتى في فهمنا للدين. نحن أبناء واقعٍ سبق أن رُسم لنا، قبل أن نتعلم أول حرف، وقبل أن ننطق أول كلمة.

من منا اختار بيئته؟ ومن منا اختار والديه؟ ومن منا رسم دينه الأول أو طبقته الاجتماعية بيده؟ كل ذلك فُرض علينا قبل أن نمتلك حق الاختيار. ولذلك فإن ابن الخائبة يبقى أسير خيبته ما لم تتغير شروط الواقع نفسه، لا مجرد الأمنيات.

وحين تمشي في شوارع مدننا، يصعب عليك أحياناً أن تميز بينها وبين المقابر. عمران بلا روح، وأحياء بلا ذوق، وبيوت بلا ملامح، وكأن المدينة اعتادت الحزن حتى صار جزءاً من هندستها.

وإذا التقطت صورة لبغداد، فلا تخجل من أن تُظهر وجعها كما هو. فبغداد ليست الكرخ وحدها، ولا شارع المتنبي، ولا أبو نؤاس. بغداد أيضاً مدينة المقهورين، والمهمشين، وسكان الأزقة المنسية، والأحياء التي لا تصل إليها عدسات الإعلام إلا حين تقع فيها كارثة.

وحين يكون قدرك أن تولد في مدينة الثورة، فلا تُكثر عليّ الحديث عن نظريات التغيير التي تبدأ من الداخل فقط، ولا عن صرخات الإرادة المجردة. ادخل شوارع الفقر، وادخل الجوادر، والداخل، والمعامل، وحي طارق، والأرفلي، والدسيم ،وحي النصر ثم أخبرني كم تستطيع الإرادة وحدها أن تفعل أمام واقع يطحن الإنسان منذ ولادته.

هناك ستعرف أن المدينة ليست أبنيةً فحسب، بل مواسم عزاء لا تنتهي... بكائيات مزمنة، ويتم أطفال، وفقد أحبة، وصور شهداء تملأ الجدران، ودماء شباب ما زالت الأرصفة تحفظ آثارها. مدينة تروي ألف قصة، لكنها تعجز عن البوح بكل أسرارها، لأن حجم المأساة أكبر من أن تختصره الكلمات.

إنه واقع عصيّ على التبرير.

لذلك، كفانا تعالياً على الواقع، وكفانا إلقاء اللوم على الضحايا. فلنعش الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها.

فنحن اليوم لا نقف أمام أزمة عابرة...

بل نقف على حافة انهيار، لا يحتاج إلا إلى خطوة أخرى ليبتلع ما تبقى من أحلام هذا الوطن.

***

ستار الزهيري

في المثقف اليوم