عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

خالد اليماني: الأغنيّة الجيدة

يُقال إن الموسيقى والأغاني أقدم من الأديان، على الأقل كما نفهمها اليوم، والعلوم والحضارات الإنسانية؛ قد تكون الحاجة العميقة للغناء لم تُدرس بعد من النواحي النفسيّة والانثروبولوجيّة والسوسيولوجيّة بالشكل الكافي، إذ -وكما يبدو- لا توجد ثقافة في العالم، لا تغني وتسمع الموسيقى وتتشرّب الأغاني بكل أشكالها المتنوعة الحديثة، وفي كل المناسبات تقريبًا، فهي لغة العالم، يفهمها اليافع قبل الراشد، والأجنبي قبل الناطق الأصلي، فهي تُغطي جميع قصص التاريخ والثقافة والروح، و الكثير من تناقضاتنا الراسخة، كوننا نجهل ما نريد في أحياناً كثيرة.

كنت دائماً أشعر -حدسياً وفطريًا إن شئتم- الأغنية الجيدة، من الأخرى السيئة الرديئة، أو حتى الأغنية العاديّة المملة الرتيبة، المعتادة والمكررة، يمكننا تسميتها «الأغنية النسخة» لأسباب ستتضح بين طيّات مقالنا. 

إن ما يجعل الأغنية جيدة، جميلة ومحببة، ليست الموسيقى -وهي عامل مهم- ولا حتى الكلمات- وهي عامل هام أيضًا- ولا حتى الاداء - أداء المغني، وكذلك السبب لا يعود إلى مزج الإغنية سوياً، أو ما يسميه أهل الإختصاص Mixing وهذه مرحلة حاسمة أيضًا؛ مع ذلك، كل هذه - من وجهة نظري - إذا لم تتوّج بهذا العنصر الذي سأتطرق له الآن، لن تكون أغنية جيدة، أو محببة عند الجماهير، لا سيما إذا أٌريد لها أن تكون كلاسيكيّة باقيّة في قلوب الناس، ولها بُعد أصيل يشبهنا.

الذي يجعل الأغنية جيدة هو ما يسمى بالإنجليزيّة Melody وهو ما يطلق عليه غالبًا "الجملة اللّحنيّة"، وهو مفهوم يعرفه الفنانين، خاصةً الملحنين، والمطربين المبدعين أمثال كاظم الساهر أو عمرو دياب، وغيرهم؛ أما الأكثريّة العظمى من الناس، لا تُدرك معرفيًا وبشكل مباشر لماذا نحب أغنيّة، ما الذي يجعلها ممتعة إلى حد لا نمل منها أبدًا، وأخرى نشعر أنه ينقصها شيء ما، ليست مكتملة الأطراف فنياً، حتى لو بدت التفاصيل الظاهرة من لحن وكلمات ودمج بطريقة أكثر من جيدة، تبقى ميزة الجملة اللّحنيّة العامل المؤثر على «نص الأغنيّة»، وأدل بالنص هنا على المخرج الكامل للعمل الفني، لا للدلالة المتعلقة بالكتابة.

قيمة الجملة اللّحنيّة تكمن في أبعاد، أشك أن كثير من فناني العالم يعرفوها، يعيها بعض عمالقة الفن أمثال مايكل جاكسون، وغيره من القلائل الذين أتقنوا البُعد الأعمق منها. لكن قبل أن نعرج عليها بالتفصيل والتوضيح، دعونا نعرف معنى الجملة اللّحنيّة أولًا، كما يتداوله أهل الاختصاص، و المهتمين بهذا المجال.

الجملة اللّحنيّة -كما أفهمها، وبالقدر المقتصد في التعبير- هي اللحن المُغنى فيه؛ وهو يختلف تماماً عن اللحن في الأدوات الموسيقيّة؛ فاللحن يتماشى مع الجملة اللّحنيّة، لا العكس، في أغلب الأغاني العظيمة. فالجملة اللّحنيّة هي أسلوب التجويد للنص المكتوب (كلمات الأغنيّة)، وهذه نقطة قد تبدو غامضة، أو فيها نوع من المبالغة، لكنها أعمق النقاط لفهم قوة الجملة اللّحنيّة، والسبب يكمن جزئيًا في أن هناك عدد لا يحصى من الاحتمالات لقراءة نص، وكلمات؛ احتمالات، أقصد بها تحديداً بالمعنى الرياضي الفلسفي الواسع، أي أن هناك بالفعل، وبدون أدنى مبالغة، آلاف الإحتمالات لقراءة وتجويد أي جملة.

فالجملة اللّحنيّة هي أقرب إلى الوجدان الإنساني، والتّجربة المعاشة، وشعورنا العميق بحياتنا وتجاربها، ليست فقط قراءة كلمات ذكية تحرك المشاعر. بل الحاصل هو العكس: الشعور يكتب بالطريقة الأنسب للتجويد، وهناك أمثلة لا تحصى، وربما توظيف مثل شهير قد يكون مواتيًا لهذا المقام، وهي الجملة اللّحنيّة لأغنيّة عمرو دياب الشهيرة "تملي معاك". هذا العمل، على بساطة الكلمات عند قراءته بدون لحن (أي جملة لحنية، لأن اللحن امتداد للجملة اللّحنيّة، والوجدان)- إلا أن الجملة توّجتها كعمل كلاسيكي عربي منذ صدورها في عام 2000 حتى الساعة، وستظل على هذا الحال إلى عقود آتية فيما يبدو. وهي ليست أفضل مثال، لكنها على الأقل ترسم الصورة بوضوح، لأننا إذا قرأناها ككلام عام، لن تحمل ذات الحمولة الوجدانيّة.

ولهذا السبب تحديداً، الأغاني الرتيبة، هي المفتقرة إلى جملة لحنيّة بنيويّة، نابعة من تجربة تكتب بدمها، لا لبيع تذاكر حفلات، أو تكملة ألبوم، وغيرها من الأسباب التي -مرة أخرى- نعرفها جميعاً على مستوى معين، فنقول أمورًا من قبيل: "الأغنية تفتقر للروح"، أو "الأغنيّة ميّتة".

ما يجعل الجملة اللّحنيّة -وبالتالي الأغنيّة- عظيمة، أو ممتازة على الأقل، فيما أحسب، هو كونها أقرب إلى أعمق المشاعر الإنسانيّة، المنسيّة منها والمدفونة، العميقة الخالدة في تجربتنا الوجوديّة، فالجملة اللّحنيّة الأعمق هي قول الشعور الأعمق، والوجدان الإنساني طيف واسع وهوة سحيقة، فجميعنا نعيش مشاعر الحزن والطمأنينة، التيه والشغف، التعاسة والسعادة، الاحتضار البطيء والتسامي وغيرها من المشاعر الإنسانيّة المتجذّرة. والفنان البصير، مثل مايكل، عرف هذا، وكتب أغاني روحانية بجدارة، مثل "Earth song" أغنية الأرض؛ هذه الجملة، لاسيما الشطر الثاني منها؛ ندرك حينها أنها ليست الكلمات، ولا الألحان، إنما حين تتوسل الأغاني بجملة لحنيّة خالدة، متأصلة في صميم الوجود الإنساني، تنبعث فيها أعمق وأقدم ما فينا، الفن، والأدب بمعناه الأقصى، والأصالة الإنسانيّة المهدورة.

***

 خالد اليماني

 

في المثقف اليوم