الكثرة البشرية بحر هادر يغرق ما فوق التراب، فما عاد في الدنيا بارز وفريد، بل الجميع غرقى في هذا البحر، والغرقى يشتركون بالإختناق بالماء، ولا تنجيهم من سطوته ألواح المصير الطافية.
وفي زمن الذكاء الإصطناعي تهاوت الحواجز، وأزيلت الفروقات بين البشر، وأصبحت المجتمعات كالآواني المستطرقة، يتساوى مستوى ما فيها من السوائل.
ما أكثر الشعراء والكتاب والمفكرين والعلماء والفقهاء، وحملة الشهادات العليا والمتخصصين في شتى المجالات.
وبفضل الذكاء الإصطناعي صار الكل يعرف ويدري، ولا يريد أن يسمع أو يقرأ، لأن هاتفه الجوال يستحضر له ما يريد بوقت لحظي، بفضل شبكات التواصل والمواقع المتنوعة التطبيقات والتي تجيبك عن أي سؤال.
فالعلاقة بين البشر والشاشة صار إدمانيا، وتحول الهاتف الجوال إلى جزء مهم من الذات الفردية، وكأن الشخص لا يمكنه مفارقته ولو لدقائق معدودات.
يسألني لماذا فلان وهو أفضل من الذي كان بارزا قبل عقود لا يبرز كإسم لامع في مجال إختصاصه؟
ويبدو أن للكثرة دورها في إغراق مَن هم أقدر من السابقين بمرات عديدة، فالسابقون بارزون وخالدون بسبب القلة البشرية، واليوم الجميع مغمورون في بحر الكثرة.
المعاصرون يعرفون مئات المرات أحسن من السابقين الذين نتغنى بمنطلقاتهم، ونحسبهم نجوما لامعة لا يذوي بريقها، لكنهم برزوا، والمعاصرون يندثرون أو يتدثرون بالكثرة البشرية الطافحة.
إن معالم الوجود ومعاييره تبدلت في القرن الحادي والعشرين، واُديمت الحياة وتعززت بما يمنع غوائل الأخطار، التي كانت تفتك بالبشر كالأوبئة والأمراض السارية والمعدية، ونسبة وفيات الأطفال بلغت أدنى مستوياتها في التأريخ، وإمتدت الأعمار وكثر الذين في العقد الثامن من العمر، بينما في السابق المحظوظ من البشر مَن يتجاوز العقد السادس وهم ندرة.
ولو نظرنا إلى قادة المجتمعات بمختلف مسمياتهم وقدراتهم لوجدنا معظمهم يغادر الدنيا في العقد الخامس أو السادس، وأكثرهم دون ذلك بعقود، على إفتراض أنهم يتمتعون بمعيشة متميزة وراقية.
وفي هذا الخضم الإغراقي يبرز نداء " وقل إعملوا..."، فالعمل هو المقياس، ودع الأفكار تتجول في فضاءات العقول، وتتفاعل مع الأدمغة المؤهلة لإستقبالها، ولا تفكر بالظهور والشهرة أو التميز وغير ذلك من منطلقات ما مضى من القرون.
فالذات السائدة جمعية وليست فردية!!
تذوبُ جموعُها في بحرِ أدْري
وتأتيها مَعارفُها كنَهْرِ
كأنَّ وجودَنا أضْحى سَراباً
نُطاردهُ كخافِقةٍ بصَدْرِ
مَعالمُ إنَّنا سادتْ وجازَتْ
توافينا بمَلحَمَةٍ وفَجْرِ
***
د. صادق السامرائي








