عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: الفلسفة.. رحلة الشك نحو اليقين

بدأت رحلة الانسان مع الفلسفة بالتساؤل منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء متسائلًا عن سر الوجود، وبذلك كانت الفلسفة في نشأتها، دهشة أولى، وحوارا مفتوحا، مع الكون والإنسان والحياة ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)، وبذلك اتسمت الفلسفة بانها تبدأ بالسؤال، حيث أن السؤال هو الشرارة التي تشعل وهج العقل، وتدفعه إلى البحث عن الحقيقة.

وهكذا ظل الفلاسفة عبر العصور، يطرحون أسئلة كبرى، حول الوجود، والمعرفة، والأخلاق، والحرية، والعدالة، والمصير، إلا أن الإجابات بصددها، لم تكن نهائية، بل كانت كل إجابة تفتح بابا واسعا، لأسئلة جديدة، حتى أصبحت الفلسفة، فضاء مفتوحا للحوار، أكثر منها، مستودعا مغلقا للحقائق المطلقة.

ومن هنا ارتبطت الفلسفة بالحيرة، والشك، لأن العقل كلما اتسعت دائرة آفاقه، أدرك أن المجهول، أكبر من المعلوم، وأن غير المنظور، أكبر من المنظور، وبالتالي فان الحقيقة لا تُستوعب بالظنون، بل بالبحث الجاد، والتأمل العميق، والنقد الموضوعي.

وتجدر الاشارة إلى أن الحيرة الفلسفية، قد تتحول أحيانًا إلى قلق وجودي، إذا ما فقد الإنسان بوصلته القيمية، وأصبح الشك عنده غاية في حد ذاته، لاوسيلة للمعرفة. فالعقل الذي لا يهتدي بمرجعية أخلاقية، أو روحية، قد يبقى أسير الحيرة، والشك، والتساؤلات، متنقلا بين الاحتمالات الوهمية، دون أن يبلغ الطمأنينة.

ولذلك فإن المعرفة الإسلامية لم ترفض التفكير العقلي، بل دعت إليه، وجعلت التفكر والتدبر، من أهم وسائل معرفة الخالق، وإعمار الأرض على قاعدة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191). إذ يمكن الاشارة في هذا المجال، إلى جهود ابن رشد، والغزالي، في توكيد العلاقة العضوية، بين العقل والإيمان.

ولابد من الاشارة في هذا المجال، إلى أن القرآن الكريم لا يدعو إلى الإيمان القائم على التقليد الأعمى، بل يحث على التفكر، والتدبر، والنظر، واستخدام العقل في اكتشاف عظمة الخالق، والتأمل في خلق الإنسان والسماوات والأرض، وإدراك السنن والقوانين الدقيقة، التي تحكم الكون، وصولًا إلى اليقين بعظمة الله ووحدانيته ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...﴾ (الرعد: 2).

على أن المعرفة الإسلامية فرقت بين التفكير الذي يقود إلى اليقين، والجدل العقيم الذي يستهلك العقل، في دوائر لا تنتهي من الشكوك. فالإسلام يدعو إلى تغعيل العقل، لكنه يربطه في الوقت نفسه بالوحي، ليظل العقل نورا يهدي إلى الرشد، لا متاهة تقود إلى التضليل.

وفي تاريخ الفكر الإسلامي نماذج مشرقة، استطاعت أن توائم بين العقل والإيمان، وأن تجعل الفلسفة وسيلة لفهم الكون ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6)، لا سبيلًا لمخاصمة الدين. كما أن كثيرًا من العلماء المسلمين جمعوا بين الفلسفة، والعلوم الطبيعية، والطب، والرياضيات، مؤكدين أن المعرفة وحدة متكاملة، وأن (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها).

وفي عصرنا الحاضر، حيث تتسارع الاكتشافات العلمية، ويتنامى الذكاء الاصطناعي، وتتعدد الرؤى الفكرية، فإن الحاجة إلى التفكير الفلسفي، تبدو اليوم، أكثر إلحاحا، من أي وقت مضى، لا لإغراق الإنسان في الشك، بل لتنمية قدرته على التحليل، ونقد المعلومات، والتمييز الواعي، بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة والجهل.

وهكذا يتضح ان الفلسفة ليست دعوة إلى القلق، وإنما هي تدريب للعقل على التفكير المنهجي، والبحث عن الحكمة، وصولا إلى اليقين، ما دامتاا تنفصل عن القيم، وتتحول إلى جدل عقيم، حيث تفقد رسالتها، وتصبح عند ذاك، أسئلة مجردة بلا أفق، وحيرة دائمة بلا نهاية.

وهكذا يتبين أن الفلسفة ليست نقيضًا للإيمان، وإنما تصبح أداة لبناء الإنسان، طالما التزمت بضوابط العقل، والقيم، وجعلت من البحث عن الحقيقة، غايتها الكبرى.

ويبقى الإنسان بحاجة إلى عقل يفكر، وقلب يؤمن، وروح تطمئن بالعقل يكتشف سنن الكون، والقوانين التي تحكمه، وبالإيمان يهتدي إلى غاية الوجود، وبهما معا، تتحقق الحكمة التي تنقل الإنسان، من قلق السؤال، إلى سكينة المعرفة، ومن حيرة الطريق، إلى وضوح المقصد، ويقين الايمان ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم