عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: بين سقوط القيم وإعادة بنائها

رسالة إلى الجيل الجديد

منذ أن بدأ الإنسان يعيش في جماعات، ظهرت الحاجة إلى قواعد تنظم علاقاته بالآخرين، وتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما له من حقوق وما عليه من واجبات. ومع تطور المجتمعات، تشكلت منظومات من الأعراف والتقاليد والقيم والمعايير الأخلاقية التي ساعدت على تنظيم الحياة المشتركة، ثم جاءت القوانين والتشريعات لتضع إطارًا أكثر تحديدًا وإلزامًا لبعض هذه القواعد.

ومع ظهور الأديان، اكتسبت القيم الأخلاقية والاجتماعية بعدًا روحيًا وإنسانيًا أعمق؛ فلم تعد الأخلاق مجرد أعراف اجتماعية أو قوانين تفرضها السلطة، بل أصبحت أيضًا التزامًا ذاتيًا ورقابة داخلية تقوم على الضمير والإيمان والمسؤولية. وأسهمت الأديان في ترسيخ قيم إنسانية كبرى، كالصدق والعدل والأمانة والرحمة واحترام الإنسان وتحمل المسؤولية.

ومع مرور الزمن، لم تبقَ المنظومات القيمية على حالها؛ فقد تطورت المجتمعات، وتغيرت ظروف الحياة، وتبدلت أنماط العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية. وأصبحت لكل مجتمع، ولكل مرحلة تاريخية، منظومة من القيم والمعايير التي قد لا تكون مكتوبة، لكنها تحظى بقبول اجتماعي واسع وتعمل في كثير من الأحيان كأنها «دستور اجتماعي» غير مكتوب.

غير أن هذه المنظومات لم تكن ثابتة عبر التاريخ. فقد تعرضت باستمرار للمراجعة والاعتراض والتمرد والتغيير، خصوصًا عندما ظهرت تحولات اقتصادية وعلمية واجتماعية كبرى. وكانت الثورة الصناعية، على سبيل المثال، نقطة تحول عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعمل والأسرة والمجتمع، وغيرت كثيرًا من القيم والعادات وأنماط الحياة التي كانت سائدة قبلها.

أما اليوم، فنحن أمام تحول ربما يفوق في سرعته وتأثيره كثيرًا من التحولات السابقة. فالثورة الرقمية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتدفق الهائل للمعلومات، ثم دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم والعمل والإعلام والعلاقات الإنسانية، بدأت تعيد تشكيل بعض مفاهيم الانسان عن الحقيقة، والخصوصية، والحرية، والعمل، والمسؤولية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى عن طبيعة الإنسان ودوره في عالم تستطيع فيه الآلة محاكاة بعض قدراته الفكرية والإبداعية.

وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي تواجه الأجيال الجديدة: هل نحن أمام انهيار للمنظومة القيمية التي عرفناها، أم أمام مرحلة انتقالية تفرض علينا إعادة بناء هذه المنظومة؟

أكتب هذه الكلمات إليكم لا بصفتي معلّمًا يريد أن يلقي عليكم درسًا في الأخلاق، ولا بصفتي واحدًا من جيل يعتقد أن الماضي كان كاملًا وأن الحاضر سيئ. أكتب إليكم كصديق وأخ أكبر، وربما كأب يخشى على أبنائه، لا من المستقبل، وإنما من أن يدخلوا إليه من دون بوصلة.

أنتم جيل مختلف. نشأتم في عالم لم نعرفه نحن. عالم مفتوح بلا حدود تقريبًا، تتدفق فيه المعلومات والأفكار والصور والتجارب من كل أنحاء العالم إلى هواتفكم في ثوانٍ. ترون أنماطًا مختلفة للحياة، وتتعرفون إلى أفكار وثقافات لم يكن الوصول إليها متاحًا للأجيال السابقة. وهذا في حد ذاته فرصة عظيمة أُتيحت لكم. لكن الفرصة قد تتحول إلى ارتباك عندما نفتح النوافذ كلها ولا نعرف أين يقع بيتنا.

أقول ذلك لأنني أرى، كما يرى كثيرون من أبناء جيلي، حالة من الحيرة وربما الضياع لدى بعض الشباب والطلبة. هناك من يريد أن يرفض كل ما جاء من الماضي لمجرد أنه «قديم»، وكأن القِدَم وحده دليل على الخطأ. وهناك من يندفع في الاتجاه الآخر، فيحاول تقليد كل ما يأتي من الغرب أو الشرق، وكأنه يمثل بالضرورة النموذج الصحيح للحياة. والحقيقة أن كلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة؛ فليس كل قديم صالحًا لمجرد أنه قديم، وليس كل جديد صالحًا لمجرد أنه جديد. وبين هذين الاتجاهين، هناك فريق ثالث يعيش حالة من الحيرة، فلا هو قادر على التمسك بما يراه صالحًا من ماضيه، ولا هو يعرف بوضوح ما الذي يريد أن يأخذه من الحاضر والمستقبل. وهذه الحيرة، في رأيي، هي الأخطر؛ لأنها تترك الإنسان بلا مرجعية واضحة، وتجعله عرضة للتأثر بكل ما يحيط به، من دون أن يمتلك القدرة على الاختيار والتمييز.

القيمة الحقيقية لأي فكرة أو سلوك ليست في عمرها ولا في مصدرها غربيا كان ام شرقيا، وإنما في قدرتها على أن تجعل الإنسان أفضل، والمجتمع أكثر عدلًا، والحياة أكثر استقرارًا وإنسانية. نحن لا نريد منكم أن تعودوا إلى الماضي وتعيشوا كما عاش آباؤكم وأجدادكم. هذا غير ممكن، ولا ينبغي أن يكون مطلوبًا. فالمجتمعات تتغير، والتكنولوجيا تغير طريقة تفكيرنا وعملنا وعلاقاتنا، وبعض القيم تحتاج إلى إعادة فهم وتفسير بما يتناسب مع العصر، من دون أن يعني ذلك التخلي عن جوهرها. وهنا يجب أن نفرق بين تطوير القيم والتخلي عنها. فاحترام الوالدين لا يتعارض مع الاستقلالية، والحياء لا يتعارض مع الثقة بالنفس، والوفاء لا يتعارض مع الحرية، واحترام الكبير لا يعني إلغاء شخصية الشاب، والتعاون والتكافل لا يتعارضان مع الطموح الفردي، والانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن لا يعني الانغلاق عن العالم. هذه قيم يمكن أن تتغير طريقة التعبير عنها، لكن جوهرها الإنساني يمكن أن يبقى صالحًا.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نخاف من كل ما يأتي من الخارج. لقد حققت دول ومجتمعات مختلفة تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا وإداريًا هائلًا، ومن الحكمة أن نتعلم منها. انظروا إلى جامعاتها، ومختبراتها، ونظمها التعليمية، واحترامها للوقت والقانون، وتشجيعها للبحث العلمي والابتكار، واهتمامها بالإنسان والبيئة. خذوا منهم العلم، والنظام، والعمل، والإبداع، واحترام القانون، وحرية البحث، والتفكير. لكن لا تجعلوا الانبهار بالتقدم العلمي يعني أن تتخلوا عن كل ما لديكم. فالحضارة ليست مجموعة ملابس وعادات وسلوكيات تُستورد كما تُستورد الأجهزة. الحضارة الحقيقية هي أن نأخذ من الآخرين ما ينفعنا، ونطوره بما يتناسب مع مجتمعنا وثقافتنا واحتياجاتنا.

وهنا أظن أن جيلكم أمام مهمة أكبر من مهمة الأجيال السابقة: أن يشارك في إعادة بناء منظومته القيمية بنفسه. لا نريد منظومة تقوم على «افعل لأن آباءك كانوا يفعلون»، ولا منظومة أخرى تقوم على «افعل لأن الآخرين يفعلون». نريد منظومة تقوم على السؤال: هل هذا السلوك صحيح؟ هل يحفظ كرامة الإنسان؟ هل يحقق العدالة؟ هل ينفع المجتمع؟ هل يحترم حريتي وحرية الآخرين؟ وهل أستطيع أن أعيش بسلام مع نفسي وأنا أمارسه؟ هذه الأسئلة يمكن أن تكون أساسًا لمنظومة أخلاقية معاصرة، لا تقطع صلتها بالماضي ولا تعيش أسيرة له.

وأعتقد أن من أهم ما نحتاج إليه اليوم إعادة الاعتبار إلى قيم تبدو بسيطة، لكنها أساس كل مجتمع سليم: الصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والوفاء، والعمل الجاد، واحترام الوقت، وقبول الاختلاف، والرحمة، والتواضع، وحفظ كرامة الإنسان. هذه ليست قيم جيل قديم. إنها قيم إنسانية لا تبطل صلاحيتها بتغير الزمن.

وفي الوقت نفسه، عليكم أن تتعلموا قيمة أخرى لم تكن الأجيال السابقة بارعة فيها دائمًا: الى أن تسألوا وتناقشوا وتختلفوا. لا تقبلوا فكرة لمجرد أن شخصًا كبيرًا قالها، ولا ترفضوها لمجرد أنها قديمة. ناقشوا، وابحثوا، واقرأوا، وقارنوا، ثم اتخذوا موقفكم. فالإنسان الذي يفكر باستقلالية ليس إنسانًا متمردًا، كما أن الإنسان الذي يحترم تراثه ليس إنسانًا متخلفًا.

إنني أخشى على بعض شبابنا من شيء أخطر من المحافظة على الماضي، وهو العيش بلا مرجعية؛ أن يصبح ما يحدد الصواب والخطأ هو ما يراه الآخرون على مواقع التواصل، أو ما يحقق أكبر عدد من المشاهدات والإعجاب، أو ما يبدو «رائجًا» في لحظة معينة. فلا تجعلوا خوارزمية هاتفكم هي التي تحدد أخلاقكم. أنتم أكبر من ذلك.

ولا أقول هذا لأنني أعتقد أن جيلي نجح في كل شيء. على العكس، نحن نتحمل مسؤولية كبيرة عن الأخطاء التي تركناها وراءنا، وعن جوانب القصور التي لم نعالجها، وربما عن أننا لم نقدم لكم دائمًا النموذج الذي كنا نطالبكم باتباعه. ولهذا فإن بناء منظومة قيمية جديدة ليس مسؤوليتكم وحدكم، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأجيال. نحن بحاجة إلى أن نسمعكم، كما نطلب منكم أن تسمعونا. وعليكم أن تنتقدوا ما ورثتموه، لكن بعقل لا بردّة فعل؛ وأن تختاروا من الماضي ما يستحق البقاء، ومن الحاضر ما يستحق الأخذ به، وأن تضيفوا أنتم ما سيحتاج إليه المستقبل.

لا أطلب منكم أن تكونوا نسخة منا، ولا أريد أن تكونوا نسخة من الغرب أو الشرق. كونوا أنتم. تعلّموا من الجميع، لكن لا تفقدوا أنفسكم. افتحوا أبوابكم للعالم، لكن لا تهدموا بيتكم. تقدّموا إلى المستقبل، لكن خذوا معكم أجمل ما في ماضيكم. غيّروا ما يحتاج إلى تغيير، وتمسّكوا بما يستحق أن يبقى. فالقيم هي البوصلة التي تساعدكم على معرفة الطريق وليست قيودًا تكبّلكم.

وقد يتغير العالم من حولنا بسرعة مذهلة، لكن الإنسان، رغم كل ما يتغير حوله، سيبقى بحاجة إلى منظومة قيمية وأخلاقية تحكم تصرفاته؛ سيبقى بحاجة إلى الصدق حين يتعامل مع الآخرين، وإلى الأمانة حين يغيب الرقيب، وإلى الرحمة حين يملك القوة، وإلى المسؤولية حين تمنحه الحرية.

وهذه، في النهاية، هي المنظومة التي أتمنى أن نصوغها معًا: منظومة لا تدعكم تخافون من المستقبل، ولا تجعلكم تخجلون من الماضي، ولا تترككم تقلّدون أحدًا بلا تفكير؛ منظومة متكاملة تأخذ من كل تجربة ما ينفعها، وتضع العلم والمعرفة في يد الإنسان، والقيم في قلبه، والعقل والحكمة في رأسه.

داعيًا الله أن يسدّد خطاكم، ويؤازركم، ويوفقكم لما فيه خير أمتنا وعراقنا الحبيب.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم