يقول فولتير: "إن الذي يقول لك وهو خارج السلطة: اعتقد ما أعتقده وإلا لعنك الله، لا يلبث أن يقول لك إذا اعتلى السلطة: اعتقد ما أعتقده وإلا قتلتك".
تختزل هذه المقولة مفارقة عميقة في الطبيعة البشرية: ليس كل من يرفض الاستبداد مؤمناً بالحرية، فقد يكون رفضه نابعاً من كونه ضحيةً له، لا من اقتناعه بأنّ من حق الآخرين ألا يخضعوا له.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على المجتمع الجزائري، وجدناها تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية. فكم من أب يشتكي من تسلط من هم أكبر منه سناً، ثم يفرض على أبنائه اختياراته بحجة أنه يعرف مصلحتهم؟ وكم من شخص يطالب بحقه في اختيار نمط حياته، لكنه يشارك في محاكمة جاره أو قريبته لأنهما اختارا ما لا ينسجم مع قناعاته؟ هنا لا تكون المشكلة في اختلاف القيم، بل في الاعتقاد بأنّ قناعاتنا تمنحنا حق الوصاية على الآخرين.
وتظهر المفارقة نفسها في مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ يطالب البعض بحرية التعبير حين يتعرضون للهجوم، لكنهم يسارعون إلى السخرية من أصحاب الآراء المخالفة أو المطالبة بإسكاتهم. وكأنّ الحرية حق لنا وحدنا، أما الآخرون فعليهم أن يلتزموا بحدود ما نراه مقبولًا.
وفي العمل أيضًا، قد ينتقد موظف تسلط مسؤول يحتكر القرار، ثم يمارس الأسلوب نفسه حين يتولى منصباً. وقد يندّد شخص بالمحسوبية عندما يُحرم من فرصة، ثم يلجأ إليها عندما تصبح في مصلحته. وكأنّ الظلم لا يصبح مشكلة أخلاقية إلا عندما يقع علينا، أما حين نستفيد منه فيمكننا العثور على مبررات كثيرة له.
من منظور سوسيولوجي، لا يعيش الاستبداد في مؤسسات الحكم وحدها، بل قد يتسلّل إلى الأسرة والشارع ومكان العمل، متخذاً صوراً أقل وضوحاً، مثل النبذ الاجتماعي والسخرية من الآخرين والضغط باسم التقاليد. وعبارة «واش يقولوا علينا الناس؟» تختزل أحياناً سلطة الجماعة على الفرد، حين يصبح الخوف من أحكام الآخرين أقوى من قدرة الإنسان على اتخاذ قراراته بنفسه. المفارقة أنّ بعض ضحايا الاستبداد لا يسعون إلى التخلص من منطقه، بل إلى تغيير مواقعهم داخله؛ فإذا كانوا خاضعين بالأمس، أرادوا أن يصبحوا أصحاب القرار اليوم. وهكذا يُعاد إنتاج الاستبداد بدلاً من تجاوزه، ويتحول المظلوم أحياناً إلى نسخة من ظالمه.
إنّ الحرية ليست أن أمارس ما أشاء، بل أن أعترف بأنّ حقي في الاختيار لا يمنحني سلطة مصادرة حق الآخرين. كما أنّ الدفاع عن القيم لا يعني امتلاك حق إهانة المختلف أو إخضاعه، تماماً كما أنّ الاختلاف مع فكرة لا يبرّر إلغاء كرامة صاحبها. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نرفض الاستبداد لأننا نؤمن بالحرية، أم لأننا لم نمتلك بعدُ القوة التي تسمح لنا بممارسته؟
فالمجتمع الحر ليس مجتمعاً يتفق أفراده على كل شيء، بل مجتمع يستطيعون فيه الاختلاف دون خوف من الإقصاء. أما الحرية التي نطالب بها لأنفسنا ونمنعها عن غيرنا، فليست مبدأً أخلاقياً، بل امتيازاً نريد احتكاره..
***
زيد مراد








