مقاربات فنية وحضارية

مصطفى غلمان: من العتمة إلى الحب.. التشكيل كخلاص أنطولوجي

تأملات في المعرض التشكيلي الأخير للفنان المغربي محمد بديع البوسوني "علامات الحب"

لا ينفك الفنان التشكيلي المغربي والباحث محمد بديع البوسوني عن زحزحة يقينيات النظر، وإقلاق استقرار السؤال الجمالي في زمن يطلب الإجابات السريعة ويخشى بطء التأمل. إن تجربته لا تُقارب بوصفها إنتاجًا بصريًا خالصًا، بل كحدث فكري يتولد عند تخوم الرؤية، حيث تتقاطع الحساسية التشكيلية مع حدوس الفلسفة ونفَس التصوف وإيقاع الموسيقى. في هذا الأفق، يبدو البوسوني وكأنه يستعيد ما لمح إليه فاسيلي كاندينسكي حين جعل من اللون قوة روحية، لا مجرد أثر بصري، بل اهتزازًا داخليًا يوقظ ما يسكن الأعماق من إمكانات الإدراك.

إن اللوحة عند البوسوني لا يمكن اعتبارها سطحًا يُرى فقط، بل مجالًا يُعاش، تتخلله طبقات من المعنى تتخفى خلف البنية الظاهرة. إن عمله يتجاوب في اعتقادي مع ما بلوره موريس ميرلو بونتي في تأمله للعلاقة بين الجسد والعالم، حيث الرؤية ليست فعلًا بصريًا معزولًا، بل انخراط وجودي في نسيج الكينونة. إن فناننا العظيم لا يرسم العالم، بل يعيد اختباره، كأنه يضعنا داخل التجربة ذاتها، في تماس مباشر مع هشاشة الوجود وامتلائه في آن واحد.

إن زمننا الذي تتكاثر فيه الصور حتى تفقد كثافتها، يجد فناننا البوسوني محشورا في استعادة رهانات المعنى عبر اختراق السطح، مقتربًا من تخوم ما يسميه جاك دريدا "الاختلاف"، حيث لا تستقر الدلالة في مركز، بل تتشظى في تعدد لا نهائي من الإحالات، تصبح أعماله مساحات مفتوحة على القراءة، تقاوم الإغلاق، وتدعو المتلقي إلى أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.

وفي خلفية هذا المسار، يتردد صدى تجربة مارك روثكو Mark Rothko الذي جعل من اللون مجالًا للغوص في المأساة الإنسانية، حيث يتحول البعد التجريدي إلى تجربة وجودية مشحونة بالقلق والرجاء. غير أن البوسوني لا يستسلم لثقل العدم، بل يفتح في قلب العتًمة منفذًا نحو أفق آخر، حيث الحب ليس موضوعًا زخرفيًا، بل ضرورة أنطولوجية، تتيح للإنسان أن يعيد بناء علاقته بذاته وبالآخرين.

في معرضه الأخير الذي نحتفي به اليوم بفضائنا الأبهى دار الشريفة وفي ضيافة صديقنا المثقف التراثي الأستاذ عبد اللطيف ايت بنعد الله، يتقدم البوسوني بخطاب بصري مغاير يشتبك مع إرهاق العالم، مع حروبه المعلنة والمضمرة، مع انكساراته الأخلاقية وتيهه الوجودي. غير أن هذا الاشتباك لا ينتهي إلى العدم، بل يفضي إلى إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته في عالم يتآكل من الداخل؟ ، تتقاطع تجربته مع أفق إيمانويل كانط الذي جعل من الكرامة الإنسانية مبدأ لا يُقايض، ومع رؤية مارتن هايدغر الذي رأى في القلق بابًا لانكشاف الكينونة.

إن علامات الحب التي يبثها البوسوني في لوحاته الجديدة لا تستقبل العاطفة كنظر محايد، بل كمقاومة صامتة ضد انحدار المعنى. إنه نوع من إعادة ترميم العالم من الداخل. فاللوحة، في تجربته الحاضرة الناظرة، تتحول إلى فضاء يلتقي فيه الإنسان بذاته، ويختبر إمكانية العيش المشترك خارج منطق العنف والإقصاء. إنها دعوة إلى إعادة قياس وجودنا، لا بمقاييس القوة والهيمنة، بل بقدرتنا على الاحتمال، على التشارك، وعلى الانفتاح على الآخر.

إن العمل التشكيلي عند محمد بديع البوسوني، في مشروعه الرؤيوي الشامل، ظل يؤمن بارتهاناته كعنوان لتجربة تتجاوز حدود الفن، لتلامس تخوم الحكمة، حيث يتعانق الحس الجمالي مع السؤال الوجودي، ويصبح اللون لغة للبحث عن المعنى، وعن ذلك الموطن الخفي في القلب، حيث تتجدد إمكانية الحياة، ويستعيد الإنسان قدرته على أن يكون إنسانًا

. يمضي مشروع البوسوني في توسيع مجاله الحسي والمعرفي، حيث لا يعود الإيقاع البصري منفصلاً عن نبض الموسيقى، بل يتكثفان معًا في بنية واحدة تُرى وتُسمع في آن، كأن الخط نفسه يتحول إلى نغمة، واللون إلى زمن داخلي متحرّك. في هذا التواشج، تستعيد اللوحة شيئًا مما أشار إليه بول كلي حين اعتبر أن الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعل المرئي ممكنًا، وأن الخط ليس أثرًا جامدًا، بل مسارٌ يتقدم في الزمن كما تتقدم الجملة الموسيقية في نسيجها. وهو ما يجعل الأشكال عند البوسوني تنبثق من داخل حركتها، لا كزخرفة، بل ككائنات رمزية تنحت حضورها في فضاء يتقاطع فيه الحس الجمالي مع حدس الوجود.

إن اشتغاله على التشكيل الخطي العربي، بما يحمله من امتدادات شرقية ومغربية، لا ينحصر في استعادة تراث بصري، بل ينفتح على ما يمكن تسميته بطاقة الحرف، تلك التي تجعل العلامة تتجاوز دلالتها اللغوية إلى أفق تأويلي خصب. ويتجاوب عمله في نظري، مع أطروحات جاك دريدا حول الكتابة بوصفها أثراً لا يُستنفد في معنى واحد، حيث يتشظى الدال ويؤجل المعنى، فيغدو الحرف فضاءً لاحتمالات لا نهائية. كما تلتقي هذه الرؤية مع ما ذهب إليه بول ريكور في تأكيده أن الرمز يمنح الفكر إمكانية أن يفكر أكثر، وأن العلامة لا تنغلق، بل تدعو إلى إعادة قراءة مستمرة.

إن أيقونة "علامات الحب" عند البوسوني في معرضه الجديد هي في العمق أكثر من موضوع تشكيلي؛ إنها تجربة أنطولوجية تستدعي تراثًا روحيًا كثيفًا، يمتد من رسائل ابن حزم الأندلسي في العشق بوصفه معرفة، إلى إشراقات الجنيد البغدادي حيث يرتجف القلب على تخوم الفناء، وصولًا إلى أفق ابن عربي الذي جعل الحب مبدأ كونيًا يربط الوجود بعضه ببعض. غير أن البوسوني لا يستعيد هذه المرجعيات على نحو تكراري، بل يعيد تركيبها داخل لغة بصرية معاصرة، حيث يتحول الرمز إلى طاقة، والحرف إلى مسار تأملي، واللون إلى تجربة وجدانية تتجاوز حدود الإدراك المباشر.

إن هذه الانتقالات التاريخية والمعرفية التي تعبر أعماله هي بالإضافة إلى كونها إحالات ثقافية، هي توترات خلاقة، تنفتح على ما يسميه جيل دولوز بالاختلاف المنتج، حيث لا يُعاد الماضي كما هو، بل يُعاد توليده في سياق جديد، يمنحه معنى آخر. حيث تتحول اللوحة إلى فضاء للعبور، تتقاطع فيه الأزمنة، وتُستدعى فيه الذاكرة لا كحنين، بل كقوة إبداعية قادرة على إعادة تشكيل الحاضر.

وفوق هذا الخيط الرفيع، يقف البوسوني عند تخوم نصوص لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُدرك عبر استهلاك بصري سريع، بل تتطلب يقظة فكرية وانخراطًا تأويليًا عميقًا. إن العمل التشكيلي لديه يرفض أن يُختزل في أثر جمالي عابر، ويقترح بدل ذلك تجربة تستنهض العقل العربي في بعده المستنير، مستعيدًا قدرته على إنتاج المعنى، وعلى مقاومة الانزلاق نحو التفاهة أو التلف الرمزي. إن هذه الفاعلية لا تنبع من كثافة الشكل فحسب، بل من قدرته على فتح أفق للتفكير، حيث يصبح الفن فعل مقاومة معرفية، وجسرًا بين الحس والتأمل، بين الذاكرة والابتكار، وبين الإنسان وإمكاناته التي لا تنفد.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

.......................

* ألقيت الكلمة بمناسبة الحفل الرسمي لافتتاح المعرض الكاليجرافي والتشكيلي "علامات الحب" للفنان والبحث محمد بديع البوسوني، يوم الأربعاء 25 مارس 2026 بفضاء دار الشريفة المواسين مراكش.

 

في المثقف اليوم