مقاربات فنية وحضارية
احمد عابر: نابليون المصاب أمام راتيسبون.. الجرح الاسطوري
ان التحالف مع قوى كبرى لهزيمة جار لك هو فخ استراتيجي، فان انتصرت اصبحت عبدا للقوة الاكبر، وان هزمت القوة الحليفة بقيت وحدك بلا دفاع في مواجهة جار غاضب فتكون نهايتك الدمار. هذا القول يحذر من فخ التحالفات غير المتكافئة حيث تتحول الدول الصغيرة الى اداة في صراع القوى العظمى، ويكشف ان الركون الى حليف اكبر ليس حلا بقدر ما هو بداية لتبعية جديدة.... ملخص للفصل الثالث عشر من كتاب الامير لمكافيللي
تمثل لوحة نابليون الاول المصاب في قدمه امام راتيسبون لحظة دقيقة من سياق الحروب النابليونية وتحديدا حرب التحالف الخامس عام ١٨٠٩ حين حاولت النمسا استعادة توازن القوى في اوروبا بعد سلسلة من الهزائم.
في الثالث والعشرين من ابريل من ذلك العام دارت معركة راتيسبون التي انتهت بانتصار فرنسي مهم اعاد تثبيت نفوذ نابليون في وسط اوروبا.
غير ان الحدث الذي منح هذه المعركة بعدها الرمزي لم يكن الانتصار العسكري بحد ذاته بل اصابة نابليون في قدمه نتيجة قذيفة فقدت معظم طاقتها فلم تخترق الجسد بل احدثت رضوضا مؤلمة استدعت تدخلا طبيا فوريا.
هذه اللحظة التي كان يمكن ان تسجل كحادث عرضي بسيط تحولت في الذاكرة البصرية الى مشهد يعاد فيه بناء صورة القائد الذي يبقى حاضرا في ساحة المعركة رغم الجرح.
تتجلى قوة اللوحة في بنائها البصري المعقد حيث يحتل نابليون مركز التكوين بشكل واضح وتتحرك بقية العناصر حوله في مسار دائري يجعل العين تعود اليه باستمرار. الخطوط القطرية الناتجة عن حركة الجنود والخيول تخلق احساسا بالحركة والتوتر فيما تتوزع الكتل البشرية بطريقة توحي بالفوضى المنظمة.
الاضاءة تتركز على جسد نابليون ووجهه بينما تتراجع الخلفية الى ضبابية خفيفة تعكس اجواء المعركة.
اللون الاحمر في وشاحه يبرز كعلامة سلطة وسط الوان ترابية داكنة. الحصان الابيض خلفه لا يؤدي وظيفة سردية فحسب بل يخلق تباينا بصريا قويا ويرمز الى النبل والسيطرة.
في اسفل اللوحة يظهر جندي ساقط يزيد من درامية المشهد ويعزز التوتر بين الحياة والموت. يظهر نابليون في وضعية تجمع بين السيطرة والالم فهو لا يكرب فقط حصانه بل يمد ساقه نحو الجراح بثبات وكأنه يفرض استمرار القيادة رغم الاصابة.
ملامحه لا تعكس انهيارا بل نوعا من التركيز الهادئ الذي يحول الجرح الى تفصيل ثانوي في حضرة السلطة. هذه الصورة لا تهدف الى توثيق الحالة الطبية بقدر ما تسعى الى تثبيت فكرة ان القائد يبقى قائدا حتى في لحظات ضعفه. الجسد هنا يصبح اداة رمزية يعاد من خلالها انتاج صورة القوة.
يقف الجراح ايفان منحنيا عند قدم نابليون في وضعية تعكس التركيز الكامل والانخراط في المهمة. نظره متجه نحو موضع الاصابة وليس نحو الامبراطور ما يضعه في موقع الخدمة المطلقة.
حضوره يمثل العلم الطبي لكنه علم مسخر لخدمة الجماعة المقاتلة وليس مستقلا عنها. العلاقة بين الجراح ونابليون ليست علاقة طبيب بمريض بقدر ما هي علاقة وظيفة بجسد سياسي يجب الحفاظ عليه ليستمر النظام الذي يمثله.
اما رستم رضا المملوكي، الحارس الشخصي لنابليون الذي رافقه من مصر، فيظهر بلباسه الشرقي المميز وسط المشهد العسكري الاوروبي.
وجوده يتجاوز كونه مرافقا شخصيا ليحمل دلالات ثقافية وسياسية اوسع، فهو يرمز الى الامتداد الامبراطوري لنابليون والى حضور الشرق داخل المشهد الغربي.
مظهره المختلف يخلق تباينا بصريا لكنه في الوقت ذاته يندمج في بنية السلطة حول نابليون. بذلك يتحول الى علامة على عالم متعدد يخضع لمركز واحد.
ينتمي الرسام كلود غوتيرو الى تقليد الرسم التاريخي الفرنسي في اواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وهو تقليد يرتبط بالمدرسة الكلاسيكية الجديدة. هذه المدرسة سعت الى استلهام القيم الجمالية والاخلاقية من الفن اليوناني والروماني مع التركيز على الوضوح والانضباط وتمجيد البطولة.
في هذا السياق تصبح اللوحة وسيلة لتجسيد القيم السياسية والاجتماعية وليس مجرد تمثيل بصري لحدث. يحتل غوتيرو موقعا ضمن جيل من الفنانين الذين عملوا في ظل صعود نابليون حيث كان الفنان اداة لصياغة الشرعية.
ورغم ان اللوحة تصور لحظة اصابة الا انها لا تقدمها كضعف بل تعيد تشكيلها كدليل على الصلابة. بهذا المعنى تقف اللوحة بين التوثيق والدعاية وتكشف كيف يمكن للفن ان يعيد كتابة الواقع بحيث تتحول لحظة الالم الى عنصر في بناء الاسطورة.
من جهة اخرى لفهم هذه اللوحة الملحمية، يقول ابن خلدون في مقدمته: ان الملك والدولة العامة انما يحصلان بالقبيل والعصبية. ويقول ايضا: الشوكة والعصبية هي الجند.
من خلال مفهوم العصبية يمكننا تحليل لوحة غوتيرو على انها تعبير بصري عن فكرة ابن خلدون حول قيام السلطة على الروابط الجماعية والولاء. فالجند المحيطون بنابليون ووجود الجراح والمرافق الشخصي كلهم يعبرون عن عصبية تحيط بالقائد وتضفي الشرعية على سلطته.
وحتى في لحظة الضعف الجسدي لا تنفصل هذه العصبية عنه بل تظهر كقوة متماسكة تحافظ على هيكل الدولة. من هذا المنظور لا تمثل اللوحة مجرد حدث تاريخي بل مشهدا تأسيسيا للسلطة حيث يظل القائد محور هذه العصبية التي هي اساس الملك والدولة.
اما من زاوية مختلفة ومعاصرة، يمكن تحليل اللوحة عبر عدسة ميشيل فوكو ومفهومه عن البيوباور. حيث يرى فوكو ان السلطة الحديثة لا تعمل فقط بالقمع بل من خلال ادارة الاجساد والحياة.
في اللوحة يتحول جسد نابليون الجريح الى مسرح للسلطة حيث يعالج ليس فقط لشفائه بل لاستمرار وظيفته السياسية. الطاقم الطبي المحيط به يمثل المؤسسات العلمية التي تخدم السلطة والاضاءة المركزة على وجهه تحول جسده الى ايقونة.
هذا المشهد يعكس اللحظة التي تبدأ فيها الدولة الحديثة بالعناية باجساد قادتها كجزء من ادارة السلطة.
وفي هذا الاطار، يظهر رستم رضا المملوكي ذو الاصول الارمنية والذي ربما وجد في قيم الثورة الفرنسية ما جعله متمسكا بنابليون من مصر وحتى لحظة اللوحة الخالدة حيث نراه ممسكا بلجام فرس الامبراطور بثبات. وكأنه واثق رغم اصابة القائد ان النصر اقرب من صبر ساعة.
حضوره هنا لا يقتصر على كونه حارسا شخصيا، بل يصبح رمزا لولاء يمتد عبر الحدود والثقافات، ولإيمان راسخ بان المشروع رغم جراح قائده، سيظل صامدا.
هنا لنعود مرة اخرى الى اقول ميكافيلي، لكن هذه المرة لنقرأ اللوحة في ضوء مصير التحالفات التي هزمت على يد نابليون.
النمسا التي حاولت استعادة توازن القوى في اوروبا جلبت معها حلفاءها لانهاء نابليون وقيم الثورة الفرنسية، لكنها في معركة راتيسبون وغيرها من معارك التحالف الخامس تكبدت هزيمة قاسية.
تلك القوى التي راهنت على تحالفاتها ضد نابليون وجدت نفسها، كما حذر ميكافيلي، اما مهزومة او خاضعة.
اللوحة التي تظهر نابليون واثقا رغم الجرح تخبرنا ان التحالف الذي هزم لم يكن قادرا على الصمود امام قائد يحول جرحه الى قوة، وامام جيش تقوم عصبيته على الولاء لفكرة تتعدى المعتاد وهي شعارات الثورة الفرنسية......"حرية، مساواة، إخاء.
فالنمسا وحلفاؤها، الذين ظنوا ان اصابة نابليون قد تكون بداية النهاية، اكتشفوا ان القائد الجريح في اللوحة هو نفسه من سيواصل الحاق الهزيمة بهم.
و هنا ميكافيلي حذر قبل قرون....
حتى ولو نابليون هزم في تلك المعركة، لكان حال حلفائه الذين تركهم كحال من يحالف قوة كبرى ويهزم، فيصبحون وحدهم بلا دفاع.
غير ان التاريخ في هذه اللحظة كتب انتصار نابليون، فتحولت اللوحة الى شهادة بصرية على فشل التحالفات التي قامت ضد قيم الثورة الفرنسية.
انها تجسيد لحظة انتصار القائد الذي يرفض ان يكون الجرح جرحا، والذي يثبت ان القوة الحقيقية لا تأتي من التحالفات بل من العصبية المتماسكة حول فكرة وقائد اسوة يتحول الى ايقونة.
واخيرا نطرح سؤال: هل نجحت اللوحة في تحويل اصابة عابرة الى اسطورة بطولة ام انها تكشف عن هشاشة القائد التي لا يمكن اخفاؤها بالكامل؟
***
د احمد عابر







